‏"شبيبة هتلر" أو "داعش إسرائيل": الحاخامان كوك وقومنة اليهودية

1704540609149762100
‏"شبيبة هتلر" أو "داعش إسرائيل": الحاخامان كوك وقومنة اليهودية

إيلان بابيه -‏ (ذا بالستاين كرونيكل) 2024/1/1 


نشأت ظاهرة الصهيونية الدينية في تعاليم اثنين من أكثر الحاخامات الصهاينة تمتعا بالاحترام، أب وابنه، ينتميان إلى عائلة كوك.‏

*   *   *
تصر وسائل الإعلام الرئيسية السائدة والحكومات في الشمال العالمي هذه الأيام على أننا يجب أن نساوي بين "حماس" و"داعش".

اضافة اعلان

 

ويستند هذا الموقف إلى إصرار إسرائيل على مثل هذه الإحالة. ‏وبصرف النظر عن حقيقة أن هذه مقارنة زائفة، فإن من المهم بشكل خاص ملاحظة أن هناك حالة مثالية أفضل بكثير توضح اندماج المسيانية (1) الدوغمائية والعنف.

 

لكن هذه المقارنة ليست ظاهرة فلسطينية، وإنما ظاهرة إسرائيلية.‏ وقد نشأت هذه الظاهرة في تعاليم اثنين من أكثر الحاخامات الصهاينة تقديرًا، أب وابنه، ينتميان إلى عائلة كوك.‏


‏دعونا نتحدث أولا عن الأب، أبراهام إسحاق كوك Avraham Itzhak Kook (1865-1935)، الذي ولد في لاتفيا، في منطقة كانت روسية، ليصبح في نهاية المطاف والد الصهيونية الدينية.

 

‏وينمو هذا التيار الأيديولوجي المسياني، العنصري والأصولي الآن من حيث الحضور والتأثير بين النخب السياسية الإسرائيلية، التي تحاول أن تتبع دينيًا تعاليم ورؤى الحاخام كوك وابنه تسفي يهودا هكوهين كوك Zvi Yehuda Hacohen Kook (1891-1982).‏


‏كوك، الأب‏


‏ولكن أولاً، دعونا نتحدث عن كوك، الأب. ‏


وصل أبراهام كوك إلى فلسطين في العام 1904 ليصبح أهم سلطة حاخامية، والذي تحدى النظرة اليهودية الأرثوذكسية التي ما يزال يتمسك بها حتى اليوم العديد من اليهود الأرثوذكس.‏‏

 

و‏‏يؤكد هذا الرأي الأخير على أن الصهيونية هي محاولة علمانية للعبث بإرادة الله، وبالتالي لا ينبغي دعمها. ‏


‏بصفته الحاخام الأكبر للطائفة الصهيونية في فلسطين الانتدابية -الاستعمار البريطاني في فلسطين الذي استمر من العام 1918 إلى العام 1948- أعطى كوك البركة الدينية للمشروع الصهيوني.‏


ومن هذا الموقع المتمتع بالسلطة، بشّر كوك بأن حق الشعب اليهودي في فلسطين هو إرادة الله، وأن على الحاخامات أن يفعلوا كل ما في وسعهم لإقناع اليهود في جميع أنحاء العالم بالقدوم إلى فلسطين واستعمارها.‏


‏في عشرينيات القرن العشرين، كان كوك نشطًا جدًا في المطالبة بتوسيع المنطقة المحيطة بحائط المبكى في القدس من خلال طرد وإخلاء سكانها المسلمين.

 

بل إنه اقترح تعويضهم، وهو برنامج ستحاول إسرائيل تنفيذه فعليًا بعد حرب حزيران (يونيو) 1967.‏


كان إرث كوك الرئيسي هو إنشاء مكان للتعلُّم يسمى‏‏ (مركز ‏‏هاراف)‏‏‏‏، أو "مركز الحاخام".

 

‏وقد أصبحت هذه المؤسسة مكانا مهما في تاريخ الصهيونية الدينية بسبب التأثير الهائل الذي أحدَثه كوك الإبن، الحاخام تسفي يهودا هكوهين كوك.


‏كوك، الابن‏

 


والآن، دعونا نتحدث عن كوك، الابن. ‏ كان تسفي كوك هو الأب الأيديولوجي الحقيقي للحركة المسيانية "‏‏غوش إيمونيم"‏‏، التي أخذت على عاتقها مهمة تهويد الضفة الغربية المحتلة وقطاع غزة بعد حرب العام 1967.

 

‏‏ومع مرور السنين، انتقلت هذه الحركة من هوامش النظام السياسي الإسرائيلي إلى الوسط. وفي الحقيقة، أصبح بعض أعضائها وزراء مهمين في مختلف الحكومات الإسرائيلية.‏


حتى وفاته في العام 1982، كان تسفي كوك أكثر التزامًا بكثير من والده باستعمار فلسطين التاريخية كضرورة دينية، وكعمل ضروري لتسريع خلاص الشعب اليهودي.

 

‏وقد انخفض صوت كوك بعض الشيء عندما كان "حزب العمال" في السلطة بين العامين 1967 و1977.

 

وخلال هذه السنوات، شاركت الحكومة بشكل مباشر في عملية تهويد الضفة الغربية وقطاع غزة من خلال التطهير العرقي، وأحيانًا المجازر.

 

لكنّ ذلك حدث على أساس أيديولوجية مختلفة: أيديولوجية الصهيونية الاشتراكية العلمانية.‏


ولكن، بمجرد وصول "حزب الليكود" إلى السلطة في العام 1977، برز تسفي كوك كزعيم روحي للمستوطنين الذين كانوا يستعمرون أجزاء كبيرة من الضفة الغربية الفلسطينية، ويبنون بؤرهم الاستيطانية في قلب المناطق الفلسطينية المكتظة بالسكان. ‏


‏وكانت الفكرة هي أن مثل هذا الاستعمار العدواني سيكون من شأنه أن يسرع عملية نزع العروبة عن الضفة الغربية. وكان الهدف من هذه العملية هو وضع الفلسطينيين تحت الضغط من خلال الاستيلاء على جميع مواردهم، مثل الأرض والمياه -بل وحتى وصولهم إلى سوق العمل.‏


وبمساعدة الجيش، أصبحت هذه المنهجية القاسية ممارسة يومية من سوء المعاملة والمضايقة، وفي بعض الحالات، القتل المباشر وجرح الفلسطينيين بالقرب من هذه المستوطنات غير القانونية الآخذة في التكاثر مثل الفطر. 


‏كان من الملائم لجميع الحكومات الإسرائيلية أن تتظاهر بأن هذه الخطط التوسعية تنفذ من دون مباركتها.

 

لكن هذه كذبة. في الواقع، تم تنسيق معظم أعمال المستوطنين في الضفة الغربية مباشرة مع القادة العسكريين على الأرض لتقوم كل الحكومات المتعاقبة بالموافقة عليها لاحقا.‏


هذه المجموعات من حراس الأمن والمخربين، ومعظمهم تلقوا تعليمهم في ‏"‏مركز هاراف"‏‏، ‏‏كانت مدفوعة بأحكام تسفي كوك الدينية،‏‏ ‏‏التي كانت بمثابة المراسيم التي وجهت أفعالهم ضد الفلسطينيين ومنعت أي حكومة من "التخلي" حتى عن بوصة مربعة واحدة مما تسمى "أرض إسرائيل".

 

‏ومن المهم أن نلاحظ أنه بالنسبة لتسفي كوك وتلاميذه، فإن "أرض إسرائيل" تشمل الأردن أيضًا.


بالإضافة إلى ذلك، كان عدد غير قليل من اليهود العلمانيين في إسرائيل معجبين بهذا الشكل الوحشي من الاستعمار، واعتبروه استمرارا للاستعمار المبكر "المجيد" لفلسطين خلال فترة الانتداب.‏


"شبيبة التلال"‏ 


‏المظهر الأكثر تطرفا للكوكية هو مجموعة "شبيبة التلال" ‏‏Noar Ha-Gevaot‏‏.‏ وقد شجع رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل أرييل شارون هذه المجموعة، المؤلفة من مئات الشباب، في العام 1998 على "احتلال كل تل حر في الضفة الغربية والاستقرار هناك".

 

وكانت هذه الاستراتيجية تهدف إلى إنشاء "حقائق على الأرض" لا رجعة فيها، على الطريق نحو تهويد كامل للضفة الغربية.‏


‏تعرف ‏‏طريقة العمل الرئيسية لـ"شبيبة التلال باسم "ميهير تاغ"، أو "بطاقة السعر".

 

وهي هجمات شرسة غير مبررة وليست نتيجة استفزاز يشنونها على المزارع، والسيارات، والأعمال التجارية والحقول الفلسطينية. ‏


 من حين لآخر، يقوم أعضاء الجماعة بإحراق مسجد أو كنيسة في هذه الاعتداءات. وفي بعض الأحيان، يكون الأمر أكثر من ذلك.

 

إنهم يحاولون، وأحيانا ينجحون في ‏‏حرق الفلسطينيين أحياء‏‏ في منازلهم أو قتلهم خلال هذه المذابح. ‏

 

وخلال هذه الأحداث العنيفة، سوف يقف الجيش الإسرائيلي مكتوف الأيدي ويسمح للمتطرفين بتنفيذ هجماتهم من دون عوائق.‏


‏في السنوات الأخيرة، دخلت هذه المجموعة المسيانية بطريقة منهجية إلى الأحياء الفلسطينية في البلدات المختلطة داخل إسرائيل، مثل عكا وحيفا ويافا واللد والرملة.

 

‏وبنوا "مراكز تعلُّم" في وسط المناطق الفلسطينية، حيث يقومون بمضايقة السكان باستمرار.

 

وقد لعب هؤلاء المستوطنون دورًا مهمًا في التحريض على أعمال الشغب ضد المجتمعات الفلسطينية، عرب 48، في آيار (مايو) 2021.‏


‏كما أضاف "شبيبة التلال" عنصرًا آخر إلى ذخيرتهم العنيفة في السنوات الأخيرة، هو مداهمة الحرم الشريف، أقدس موقع إسلامي فلسطيني.

 

وكان هدفهم هو التحريض على رد فعل إقليمي يكون من شأنه، في أذهانهم، أن يسهل بناء ما يسمى بـ"الهيكل الثالث" على أنقاض المسجد الأقصى، مع الأمل النهائي في التعجيل بمجيء المسيح اليهودي.‏


‏"القوة اليهودية"، "الصهيونية الدينية"‏


‏أصبحت مجموعة "شبيبة التلال أكثر تهديدًا بعد انتخابات تشرين الثاني (نوفمبر) 2022، حيث زاد الحزبان السياسيان اللذان يدعمانها بشكل كامل، ‏‏"أوزما يهوديت"‏‏ (‏‏القوة اليهودية)، و"هازيونوت هاداتيت‏‏ (الصهيونية الدينية) تمثيلهما بشكل كبير في الكنيست.

 

وسمحت هذه القوة الجديدة لرئيس الوزراء الإسرائيلي اليميني، بنيامين نتنياهو، بتأسيس حكومته.‏


‏وقد أصبح ممثلو هذه الأحزاب المتطرفة الآن وزراء في الحكومة الحالية، حيث أصبح بتسلئيل سموتريتش وزيرًا للمالية، وأصبح إيتمار بن غفير –الذي كان محامي الدفاع عن هؤلاء الحراس– وزيرًا للأمن القومي.‏


ليس سموتريتش وبن غفير، إلى جانب وزراء آخرين من حزبيهما، جزءًا من حكومة الحرب المصغرة التي تم تشكيلها بعد أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر).

 

وبالتالي، ليس لهما تأثير يذكر على سياسات الإبادة الجماعية المستمرة التي ينفذها الجيش الإسرائيلي في غزة.

 

‏ومع ذلك، فإنهما سيكونان حاسمَين في تحديد خطوة إسرائيل التالية التي تهدف إلى إعادة المستوطنين اليهود إلى القطاع. ‏


‏وبالإضافة إلى ذلك، فإن هؤلاء السياسيين المتطرفين يؤدون بالفعل دورًا في تكثيف الهجمات المروعة على المجتمع الفلسطيني في الضفة الغربية المحتلة.

 

كما أنهم قادة حملة الإرهاب والعنصرية الجديدة التي تستهدف العرب الفلسطينيين في مناطق الـ48.‏


وقد نجح هؤلاء المتطرفون بالفعل مرة واحدة، أي في هجماتهم التي لا تكل على قرى مسافر يطا في تلال الخليل الجنوبية.

 

وقد فعلوا ذلك بمساعدة ضمنية من الجيش الإسرائيلي، مما أدى إلى طرد آلاف الفلسطينيين من المنطقة.

 

وقد أرادت الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة نزع عروبة تلك المنطقة لسنوات حتى تتمكن إسرائيل من خلق الاتصال في الأراضي لليهود من النقب إلى نهر الأردن.‏


‏وثمة عدد غير قليل من هؤلاء الممثلين الصهاينة المتدينين يشقون طريقهم الآن إلى المستويات العليا من أجهزة الأمن والجيش الإسرائيليين.

 

‏وهدفهم النهائي هو إغلاق دائرة بدأت مع الحاخام الذي قرر قومنة اليهودية كمشروع استعماري استيطاني في أوائل القرن العشرين‏‏، وفي نهاية المطاف بناء ثيوقراطية من شأنها أن تحاول إنهاء ما فشلت الصهيونية العلمانية في القيام به: تدمير الشعب الفلسطيني.‏


‏كان موشيه زيمرمان، المؤرخ الإسرائيلي البارز في ألمانيا الحديثة، قد قارن تلاميذ كوك في وقت مبكر من العام 1995 بمجموعة أخرى كانت قد أرهبت اليهود خلال الأيام المظلمة للنازية. وكان هذا ما قاله في مقابلة مع صحيفة "‏‏يديعوت أحرونوت" الإسرائيلية:‏


‏"هناك قطاع كامل في المجتمع الإسرائيلي أزعم من دون تردد أنه نسخة مقلدة للنازيين. انظروا إلى أطفال (المستوطنين اليهود في) الخليل، إنهم تماما مثل ’‏هتلريوغند‘(2)‏‏... يتم تلقينهم من المهد حول العرب السيئين، ومعاداة السامية، وكيف أن الجميع يقفون ضدنا.

 

ثم يصبحون المتعصبين الفوقيين المصابين بجنون العظمة، بالضبط مثل ‏‏هتلريوغند".‏

لقد قيل ما فيه الكفاية.

‏*إيلان بابيه Ilan Pappé: أستاذ في جامعة إكستر. كان سابقا محاضرا كبيرا في العلوم السياسية في جامعة حيفا.

 

وهو مؤلف كتب "التطهير العرقي لفلسطين"، و"الشرق الأوسط الحديث"، و"تاريخ فلسطين الحديثة: أرض واحدة، وشعبان"، و"عشر أساطير عن إسرائيل".

 

وهو محرر مشارك مع رمزي بارود في "‏‏رؤيتنا‏‏ للتحرير". يوصف بابيه بأنه أحد "المؤرخين الجدد" في إسرائيل الذين، منذ إصدار وثائق الحكومة البريطانية والإسرائيلية ذات الصلة في أوائل ثمانينيات القرن العشرين، أعادوا كتابة تاريخ إنشاء إسرائيل في العام 1948.


*نشر هذا المقال تحت عنوان: ‘The Hitleryugend’ or ISIS Israel: The Two Kooks who Nationalized Judaism

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

الحاخام هيرش: الدين اليهودي يحظر اقتحام المسجد الأقصى

 
هوامش المترجم:
(1) المسيانية او المسيحانية: هي الإيمان بقدوم المسيح الذي يعمل كمخلص لمجموعة من الناس. نشأت المسيانية كمعتقد ديني للزرادشتية وتبعها الديانات الإبراهيمية، لكن الديانات الأخرى لها مفاهيم متعلقة بالمسيانية. في اليهودية، سيكون المسيح ملكًا يهوديًا في المستقبل من سلالة داود ومخلصًا للشعب اليهودي. 

(2) شبيبة هتلر Hitler-Jugend: كانت منظمة شبه عسكرية تابعة للحزب النازي تواجدت من العام 1922 إلى العام 1945. أنشئت بعد عام واحد من إنشاء منظمة أخرى أكبر عمرا عرفت باسم "كتيبة العاصفة". من العام 1933 حتى العام 1945، كانت "شبيبة هتلر" منظمة الشباب الرسمية الوحيدة في ألمانيا وكانت منظمة شبه عسكرية، مؤلفة من الشباب الذكور الذين تتراوح أعمارهم بين 14 و18 عامًا، بينما كانت منظمة "شباب دويتشز يونغفولك" للأولاد الصغار الذين تتراوح أعمارهم بين 10 و14 عامًا.

 

ومع استسلام ألمانيا النازية في العام 1945، توقفت المنظمة بحكم الأمر الواقع عن الوجود. في 10 تشرين الأول (أكتوبر) 1945، تم حظر "شبيبة هتلر" ووحداتها التابعة من قبل مجلس مراقبة الحلفاء مع منظمات الحزب النازي الأخرى.