صحوة الهوية: كتالونيا وأوروبا وما وراءهما

رينود جيرارد - (لو فيغارو) 4/10/2017

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

الاستفتاء على استقلال كتالونيا الذي أجري يوم الأول من تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، والذي اعتبرته المحاكم الإسبانية غير دستوري، (ودانه الملك)، ينسجم مع اتجاه عالمي أوسع بكثير: صحوة الهوية. وقد أصبحنا نشهد في كل مكان نزعات الإقليمية والقومية، بالإضافة إلى الورع الديني، وهي تنمو في الكثافة لتتحول في بعض الأحيان إلى الكراهية وانعدام التسامح. وهي مفارقة كبيرة تنطوي عليها العولمة: فبعيداً عن إزالة المطالبات الثقافية وتعريف الهوية للشعوب، تعمل العولمة على تعزيز هذه الاتجاهات.
يوجد هذا التفجر في الأراضي القصية مثل ميانمار أو نيجيريا، لكنه لا يستثني حتى أوروبا نفسها. فمن الفرنسيين والهولنديين الذين قالوا "لا" في الاستفتاءات التي جرت على الدستور الأوروبي في العام 2005، إلى الخروج البريطاني من الاتحاد؛ ومن صعود الجبهة القومية الفرنسية التي تمثل أقصى اليمين إلى رفض هنغاريا وبولندا لتعدد الثقافات؛ ومن الانفصاليين الكتلان والأسكتلنديين إلى صعود السلفية في المجتمعات الأصولية، أصبحت صحوة الهوية، سواء كانت عرقية أو دينية، بمثابة التحدي الكبير الذي يشهده زماننا.
في خطابه الذي ألقاه في جامعة السوربون، طرح إيمانويل ماكرون المفهوم السياسي الجديد لـ"السيادة الأوروبية." لكن صحوة الهوية تشكل عائقاً جاداً يقف في طريق الرئيس، لأنها لن تكون هناك سيادة من دون وجود أمة. وبعد 60 عاماً من معاهدة روما، لا يوجد شيء من هذا القبيل، حتى لو كان بداية لولادة أمة أوروبية.
الانسحاب سيكون انتحارياً
ما تزال أوروبا مجرد حضارة وحسب، وليس أمة. ومع أنهم يشتركون في تلك الحضارة (التي تتغذى على إرث الأزمنة اليونانية الرومانية القديمة والتراث اليهودي المسيحي والتنوير)، فإن الإستونيين، واليونانيين والألمان والإيطاليين والبرتغاليين والإيرلنديين، لن يشتركوا أبداً في هذا "المجتمع ذي الخبرة" الذي يشكل أمة ، كما عرفها العالم السياسي الفرنسي بيير مانينت.
وعلى نحو مشابه، فإن تعريف الأمة وفق فيلسوف القرن القرن التاسع عشر، إيرنست رينان –إرادة العيش معاً- لا تناسب أوروبا فعلاً. ويمكن اعتبار فرنسا أمة لأن الباريسي يستطيع القبول بدفع الضرائب لمواطنيه جلدته الفرنسيين في غواديلوب في جنوبي فرنسا أو في كورسيكا. لكن أوروبا ليست أمة لأن الألماني لن يقبل أبداً دفع الضرائب من أجل يوناني. وإذا لم يعد الكتلان والكستلان يستطيعون تشكيل أمة إسبانية، فمن الصعب رؤية كيف تستطيع كل شعوب أوروبا تشكيل أمة أوروبية مع بعضها البعض.
سوف تؤدي صحوة الهوية في أوروبا إلى تقويض أي فرصة للوصول إلى أمة أوروبية واحدة. فهي تجعل الشعوب متشككة فيما يتعلق بالبنى والهياكل التي تتجاوز القوميات. وسواء كان ذلك صواباً أو خطأً، فإن لدى الشعوب الانطباع بأن المؤسسات الأوروبية قد حرمتها من هوياتها بدلاً من الدفاع عنها. ويشعر الناس بأنها بدلاً من تفضيل المنتجين الصناعيين الأوروبيين والهوية الاقتصادية الأوروبية، فإن أوامر هذه المؤسسات بفتح الأسواق الأوروبية فضلت الصادرات الصينية والهندية. وهم يعتبرون أنه بدلاً من تأكيد الثقافة الأوروبية بصوت عال وواضح، فإن هذه المؤسسات تكنسها تحت السجادة (عندما منع الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك محاولات لتضمين إشارة إلى "الجذور المسيحية" الأوروبية الواضحة في معاهدة العام 2005 ). وأخيراً، أصبحت المؤسسات الأوروبية تواجه الاتهام بترويج الهجرة الإسلامية غير المنضبطة والتعددية الثقافية.
ومع ذلك، يظل المشروع الأوروبي بكل وضوح يصب في مصلحة المواطنين الأوروبيين. وأمام هذه القوة الديمغرافية والصناعية والتجارية كما هو الحال في الصين، وأمام الجبروت التكنولوجي الأميركي وهيمنة الولايات المتحدة القانونية والمالية والنقدية، لا تستطيع أي أمة أوروبية المنافسة من تلقاء نفسها. وسوف يكون أي انسحاب عملاً انتحارياً.
إن أوروبا التي يجب علينا بناؤها يجب أن تكون تبعاً لذلك أوروبا مكونة من الأمم، وواحدة تحترم الشعوب وهوياتها وسياداتها. ويجب عليها التوقف عن جعلها ماكينة تكنوقراطية تنتج أكواماً من المعايير الداخلية، لكنها غير قادرة على معارضة الماكنة القادمة عبر الضفة الأخرى من الأطلسي. ويجب عليها تمييز نفسها بمشاريع كبرى مثل خلق "أمازون أوروبي"، أو نظام للملاحة، شيء شبيه بـ"إيرباص" و"أريان".
بدلاً عن "سيادة أوروبية" خيالية، فإن ما يتطلع له إيمانويل ماكرون ربما يمكن تعريفه بشكل أفضل ربما بـ"قوة أوروبية" قادر على تعزيز الأبطال الصناعيين، ومقاومة القيود القانونية والمالية القادمة من وراء البحار، بالإضافة إلى الإغراق الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي. ومن خلال إعادة تركيز انتباهها على المشاريع الكبرى فقط والتي تجعلها أقوى، سوف تشعل أوروبا شرارة التحمس عند كل الشعوب الأوروبية المشنغلة تماماً في القلق إزاء هوياتها.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Identity Awakening: Catalonia, Europe And Beyond

اضافة اعلان

[email protected]