صلب، لكنه ينحني: بشار الأسد قد يكون أضعف مما يَعتقد

الرئيس السوري بشار الأسد يصلي جماعة في أحد المساجد - (أرشيفية)
الرئيس السوري بشار الأسد يصلي جماعة في أحد المساجد - (أرشيفية)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

تقرير خاص — (الإيكونوميست) 18/10/2014

من القصر الرئاسي القابع على تلة فوق دمشق، يبدو المشهد أكثر وردية في الآونة الأخيرة، بالرغم من مشهد الضواحي المسواة بالأرض والركام الناجم عن تساقط القنابل وقذائف الهاون. لقد توقفت الانشقاقات في صفوف الجيش. وهدأت الدعوات الأميركية والأوروبية لتنحي السيد الأسد منذ آب (أغسطس) من العام 2013، عندما تراجعت أميركا عن تهديدها بقصف النظام في دمشق بسبب استخدامه أسلحة كيميائية في قصف مواطنيه. والآن، تقود أميركا ائتلافاً لقصف أعداء السيد الأسد، الجهاديين الذين يسمون أنفسهم "الدولة الإسلامية" أو "داعش". ويدرك الأسد أن هذا الموقف يشكل تأكيداً لادعائه الذي طالما واظب عليه بأنه يقاتل إرهابيين خطيرين ولا يقاتل مواطنيه الذين يطالبون بالتغيير.اضافة اعلان
بالإضافة إلى ذلك، قد تسمح الضربات الأميركية التي تستهدف الجهاديين للسيد الأسد، عن غير قصد، بالتركيز على سحق ثوار الاتجاه السائد. ويذكر المرصد السوري، مجموعة المراقبة المتمركزة في بريطانيا، أن النظام نفذ 40 ضربة جوية (بواسطة طائرات مقاتلة وطائرات عمودية تقوم بإسقاط براميل متفجرة على حد سواء) في محافظتي حماة وإدلب يوم 13 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي، وهو ما يشكل ضعف العدد اليومي الاعتيادي الذي تراوح بين 13-20 هجوماً.
تشير عدم دعوة ثوار الاتجاه السائد في سورية إلى اجتماع الائتلاف الذي يقاتل "داعش" يوم 14 تشرين الأول (أكتوبر) الحالي إلى أن أميركا لا تعتبرهم شركاء عسكريين موثوقين، حتى بالرغم من أنها تعهدت بتدريب وتجهيز البعض منهم. ويقول مبعوث الأمم المتحدة السابق إلى سورية، الأخضر الابراهيمي: "لم يشك الرئيس الأسد والناس المحيطون به أبداً بأنهم سيكسبون. بالنسبة لهم، فإن هذه الحرب هي عدوان من الخارج".
مع ذلك كله، يمكن أن يكون النظام أكثر هشاشة مما يظن. فالامتعاض والاستياء آخذان في الصعود، حتى بين ظهراني أتباع السيد الأسد من العلويين (فرع من الشيعة)، والذين يسيطرون على القوى الأمنية في سورية. وعندما أفضى هجوم انتحاري نفذ في الأول من الشهر الحالي إلى مقتل عشرات من الأطفال خارج المدرسة في عكرمة، الضاحية العلوية في حمص، هتف المشيعون في الجنازة: "الشعب يريد سقوط البرازي"، في إشارة إلى محافظ المدينة، طلال البرازي. وكان ذلك ترديداً لصدى هتاف استخدمته المعارضة.
 وفي اللاذقية وطرطوس، المدينتين الساحليتين الواقعتين بالقرب من الأرض العلوية الأم، تعج الجدران بملصقات الجنود المفقودين. وعندما سيطرت "داعش" على أربع قواعد تابعة للنظام في شرق البلد هذا الصيف، وذبحت العشرات من الجنود وعرضت بعضاً من رؤوسهم وقد عُلقت على أوتاد ضخمة في الرقة التي تعد معقلاً لداعش، بدأت العائلات تفقد الثقة في النظام. ويذكر زائر للمنطقة أنه سمع رجلاً يشتكي بالقول: "لقد أصبحنا نعاني من نقص في الأولاد حتى نعطيهم". وظهرت تنديدات على شبكة التواصل الاجتماعي "فيسبوك" بالبذخ في زمن الحرب بعد أن افتتح وائل الحلقي، رئيس الوزراء السوري، مركز تسوق في طرطوس مساحته 30000 متر مربع وبلغت كلفته 52 مليون دولار.
ثمة نقطة ضعف أخرى للسيد الأسد هي الاقتصاد. فقبل الحرب، كان عائد الحكومة من النفط والضرائب يأتي من قاعدة اقتصادية متنوعة للصناعة والسياحة والزراعة. وقد جف معظم هذه المصادر بينما يعتقد بأن الاحتياطيات الأجنبية التي كانت تعادل نحو 18 مليار دولار قبل الحرب قد نضبت. وفي الأثناء، يناضل النظام لإنتاج ما يكفي من الكهرباء، حتى بالرغم من أنه أصبح لديه راهناً سوريون أقل ليزودهم بالكهرباء. ويستطيع النظام الآن الدفع للجنود ورجال المليشيات والموظفين المدنيين بفضل الأموال القادمة من إيران، مضافاً إليها صفقات مريبة مع رجال أعمال لهم ارتباطات جيدة.
مع ذلك، وفي جزئهم الأعظم، لا يملك داعمو الأسد أي مكان للالتفات إليه. ووراء العلويين، ثمة المسيحيون وأقليات أخرى والسنة الذين استفادوا من النظام. ونادراً ما يقدم ثوار الاتجاه السائد، ناهيك عن داعش، ضمانات لمستقبل هؤلاء في سورية.
قد يكون السياق الدولي المتغير أكثر خطورة الآن. ومع أن السيد الأسد لا يرى في باراك أوباما تهديداً مباشراً في الوقت الراهن، فإن الضربات الجوية قوضت أركان داعميه مع ذلك.
ويشعر رجال المليشيات الموالون بالغضب من ادعاء الأسد بأن نظامه ينسق مع أميركا في القتال ضد "داعش"، على ضوء أنه كان قد أنحى بالمسؤولية في الصراع  بداية على مؤامرة دولية من جانب نفس البلدان التي تقاتل الجهاديين في الوقت الراهن. وينظر هؤلاء إلى افتقار النظام للرد على الضربات الجوية غير المخولة على أرضه على أنه إذلال. وثمة عنصر آخر هو الضغط القادم من تركيا - غير ناجح حتى الآن- من أجل إقامة منطقة عازلة على الجانب الآخر من حدودها مع سورية لتوفير ملاذ لنحو 3 ملايين لاجئ، وبلا شك خلق قاعدة يستطيع من خلالها الثوار تحدي النظام. وربما يكون المفتاح بالنسبة لدمشق متجسداً في إيران التي ألمحت إلى أنها تسعى بشكل رئيسي إلى حماية مصالحها في سورية -بما في ذلك طريق الإمداد لحزب الله، المليشيا الشيعية اللبنانية المدعومة من جانب إيران- أكثر من كونها تحمي السيد الأسد في ذاته. وعلى عكس العراق، حيث ساعدت إيران في إزاحة رئيس الوزراء السابق نوري المالكي، فإن نظام رجال الدين في طهران يستمر في دعم السيد الأسد. ويعتقد بعض المحللين بأن إيران قد تعيد النظر في هذه السياسة. وثمة شيئان قد يفضيان إلى تغير في الجوهر بشكل خاص: الأول، هو أن صعود تنظيم الدولة الإسلامية قد ينطوي على تحبيذ التعاون مع الدول السنية مثل المملكة العربية السعودية التي تمول الكثيرين في المعارضة؛ والثاني هبوط سعر النفط، سوية مع العقوبات الغربية، وهو ما يضع ثقلاً كبيراً على الموازنة الإيرانية.
لطالما كانت الخطوط العامة للتسوية في سورية واضحة منذ أمد طويل -حكومة انتقالية وقوات أمنية تدمج المزيد من المعارضة السنية، على أن يعهد للسيد الأسد بدور فخري. ومع ذلك يبقى احتمال التوصل إلى صفقة من هذا القبيل قليلاً. ويقول السيد الإبراهيمي: "إن ما لدينا راهناً هو خطط حرب وحسب. ليس ثمة خطط للسلام." ويستمر الأتراك والسعوديون في المطالبة برحيل الأسد. لكن الدبلوماسيين الإيرانيين والروس يقولون أنهم يملكون النزر اليسير من النفوذ على السيد الأسد الذي تعهد بالقتال حتى النهاية.
تتنبأ بعض الشخصيات القريبة من الحكومة السورية بانهيار النظام. ويقول أحد هذه الشخصيات: "لا أرى أن الحالة الراهنة قابلة للاستدامة... وأعتقد أن دمشق ستنهار عند نقطة معينة. متى؟ لا أعرف. وعندئذ ستعم الفوضى العارمة التي ستجعل الحرب الراهنة تبدو وكأنها لا شيء بالمقارنة".

*نشرت هذه القراءة تحت عنوان:
 Tough but bowing