صناعة السلام العالمي يمكن أن تكسب

كرة أرضية يعمها السلام، كما يتخيلها فنان - (أرشيفية)
كرة أرضية يعمها السلام، كما يتخيلها فنان - (أرشيفية)

هيئة التحرير – (كرستيان سينس مونيتور) 16/8/2011
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في كثير من الأحيان، كان الجُمهور الذي يتابع مسابقة اختيار ملكة جمال يتردد، عندما تُسأل المتسابقة عن هدف حياتها، فتقول "أريد أن أعزّز السلام في العالم!"، لكن هذه الحِرفة لم تعد مهنة سيئة ليمارسها المرء في هذه الأيام كما يبدو.اضافة اعلان
على مدى السنوات الخمس عشرة الماضية، لم يعرف المجتمع مزيداً من المعلومات حول منع وإنهاء الصراعات فحسب، وإنما شهد ارتفاعاً في نسبة نجاح عمليات صنع السلام أيضاً. وهناك عدد من المجموعات البحثية التي تستمر في تعقب النزاعات في جميع أنحاء العالم -أعدادها، وأصولها، والقرارات المتعلقة بها. وتجد معظم هذه المجموعات أملاً في إمكانية الحدّ من الحرب والعنف بقدر ما، بسبب وجود الناس الذين، نعم، يعملون في تعزيز السلام.
بالمقارنة مع القرن العشرين، ثمة عدد أكبر بكثير من الصراعات التي يجري التفاوض بشأن حلها وإنهائها من عدد الصراعات التي تنشاً. ويقول تقرير للبنك الدولي صدر في العام 2011: "أصبحت الحروب بين الدول أقل شيوعاً بكثير مما كانت عليه في الماضي، كما أن عدد الحروب الأهلية في انخفاض".
وأفضل تفسير لذلك، كما يقول ناشط السلام منذ فترة طويلة غاريث إيفانز، "هو ببساطة الزيادة الهائلة في النشاط الدولي -على امتداد كامل طيف أنشطة منع نشوب الصراعات، وإدارة الصراع، والنشاط في بناء السلام في مرحلة ما بعد الصراعات".
وعلى سبيل المثال، تضاعفت عمليات صنع السلام ثلاث مرات منذ العام 1989، لتمتد إلى أكثر من 30 مكاناً في جميع أنحاء العالم. ويلاحظ السيد إيفانز أن هناك ارتفاعاً بمقدار عشرة أضعاف في عدد الجماعات التي تدعم عمليات السلام وتتابع المبادرات خلال الأعوام 1991-2007.
وقد أصبح الوسطاء أفضل أيضاً في التفاوض على صفقات السلام التي يمكن أن تتماسك وتدوم، كما أصبحت الأمم المتحدة أفضل وأكثر قدرة في مجال حفظ السلام. وكانت حوالي 45% من اتفاقيات السلام في التسعينيات قد انهارت في غضون خمس سنوات، فيما أصبح معدل النجاح أقرب إلى 85 % في السنوات الأولى من القرن الجديد.
يبقى تعريف السلام، ناهيك عن قياسه، تحدياً لا يقل صعوبة عن تحقيقه. ومع ذلك، ما تزال الكثير من الجماعات تحاول ذلك.
وقد أصدر "معهد الاقتصاد والسلام" الذي يعمل في أستراليا، على سبيل المثال، "مؤشر السلام العالمي" عن كل سنة من السنوات الخمس الماضية، والذي رتب فيه 153 بلداً بناء على 23 مؤشراً لمستوى الصراع والعنف فيها -أو مستوى "السكينة" لديها.
ويكشف أحدث تقرير للمعهد أن العالم أصبح أكثر سلاماً في مؤشرين -الإنفاق العسكري والعلاقات بين الدول المتجاورة- على مدى السنة الماضية. ومع ذلك، تصاعد مستوى العنف، فيما يعود في جزء كبير منه إلى الاضطرابات المؤيدة للديمقراطية في شمال أفريقيا والشرق الأوسط، خصوصاً في كلّ من ليبيا وسورية والبحرين واليمن.
لكن المطاف قد ينتهي بالعنف في المنطقة وقد وضع حدّاً للديكتاتورية غير المستقرة بطبيعتها هناك، وبإحلال ديمقراطيات ستُعزّز السلام -كما يمكن أن يكون عليه الحال بالنسبة لمصر وتونس.
وهناك "عدّاد صراعات" آخر، هو "تقرير الأمن البشري" الذي يَصدر عن جامعة سايمون فريزر في كندا. وفي تقرير صدر في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، وجد التقرير أن الصراعات "الخطيرة" (تلك التي ينتج عنها 1000 حالة وفاة أو أكثر في السنة، والتي تُنسب مُسبباتها إلى الاقتتال)، وكذلك أحداث القتل الجماعي، قد شهدت تراجعاً بنسبة 80 % منذ أوائل التسعينيات. وقال التقرير "إن الاتجاهات على المدى الطويل تذهب إلى تقليص المخاطر الناجمة عن الحروب الدولية والأهلية على حد سواء".
فما هي بعض من هذه الاتجاهات -بالإضافة إلى الترويج الأفضل للسلام؟
1. زيادة الاعتمادية المتبادلة بين الدول، لا سيما من خلال التجارة.
2. تطور أشكال أفضل للحكم، من خلال وجود المزيد من الديمقراطيات والحملات المناهضة للفساد.
3. انخفاض الحروب من النوع المدفوع بالإيديولوجيا -إلا بالنسبة للجماعات الإسلامية المتطرفة (تَشهد تراجعاً في حجم تأييد المسلمين لها).
4. الاستخدام المتصاعد للتكنولوجيا البصرية، مثل كاميرات الهواتف المحمولة التي تقوم بتسجيل أعمال العنف -ثم استخدام التسجيلات لإدانة الجناة أو إلحاق العار بهم.
وتساعد مثل هذه الاتجاهات على إعادة تعريف السلام، باعتباره شيئاً غير مجرد قلة العنف. ويبدو أن العالم يتبنّى القيم العليا، مثل العدالة وتقديس الحياة، كما بات يُنظر إلى السلام أكثر على أنه الحالة الطبيعية للبشرية.
ومع ذلك، ما يزال واحد من كل أربعة أشخاص من البشر يعيش في دول متأثرة بالصراعات أو في البلدان التي لديها مستويات عالية جداً من العنف الإجرامي. أما المنطقة الأقل سلاماً في العالم، فهي جنوب الصحارى الأفريقية. كما أن طبيعة الصراع نفسه تبقى في حالة تغير مستمر.
يكتب الباحث جوشوا س. غولدشتاين في العدد الأخير من مجلة السياسة الخارجية "فورين أفيرز": "لقد تطورت بسرعة كبيرة قواعد وأعراف الحروب، خصوصاً بشأن حماية المدنيين العالقين فيها، وبشكل أكثر بكثير مما كان ليخطر على بال أحد حتى قبل نصف قرن".
ويضيف غولدستاين: "كانت تحولات سريعة وفورية في القواعد والأعراف قد سبقت نهايات الرقّ والاستعمار، وهما اثنتان من الآفات الأخرى التي كانت تُعد أيضاً سمات دائمة للحضارة. ولذلك، لن أكون مستغرباً إذا ما أصبحت نهاية الحرب، أيضاً، أمراً يمكن التفكير فيه مباشرة وعلى الفَور".
ثمة الكثير من العمل ينتظر أولئك الذين يرغبون في تعزيز السلام.


*نشر هذا التقرير تحت عنوان: The peace industry can win its war

[email protected]