ضرورة إخراج جميع الميليشيات من "المنطقة الدولية" ببغداد

مقاتل من ميليشيات الحشد الشعبي العراقية - (أرشيفية)
مقاتل من ميليشيات الحشد الشعبي العراقية - (أرشيفية)

مايكل نايتس - (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 2022/8/31

اضافة اعلان

في المواجهات الأخيرة التي وقعت داخل "المنطقة الخضراء" في بغداد، كانت وحدات "قوات الحشد الشعبي" المدعومة من إيران هي الأولى التي أطلقت النار، لذا لا ينبغي أن تكون هي المسؤولة عن الأمن في المركز الحكومي.
* * *
في 29 و30 آب (أغسطس)، أطلق المقاتلون بقيادة الزعيم الشيعي العراقي مقتدى الصدر وابلا من الرصاص وقذائف الهاون والصواريخ على "المنطقة الدولية"، (المنطقة الخضراء)، التي تضم الوكالات الحكومية الرئيسية والمجمعات الدبلوماسية في البلاد.

ومع ذلك، لم يتم تسليط الضوء كثيرا عن حقيقة أنه في وقت سابق من ذلك اليوم، كانت الميليشيات المدعومة من إيران هي التي أطلقت الطلقات الأولى بالقرب من القصر الجمهوري، مما دفع مثيري الشغب التابعين للصدر، الذين كانوا في الغالب غير مسلحين في ذلك الوقت، إلى الانسحاب وحشد عدد أكبر من إخوانهم، ثم العودة لإطلاق النار من أسلحة ثقيلة.

ومنذ ذلك الحين، أمر الصدر جميع مناصريه بمغادرة "المنطقة الدولية"، لكن على الولايات المتحدة وشركائها أن تحث بغداد على الطلب من جميع الميليشيات أن تحذو حذوهم، حتى تلك التي تتنكر في شكل وحدات تديرها الحكومة.
كيف اندلع العنف؟

ردع الميليشيات العراقية: ما ينجح وما لا ينجح


في 29 آب (أغسطس)، اقترب أنصار التيار الصدري -الذين شقوا طريقهم نحو "المنطقة الدولية" خلال سلسلة احتجاجات وأعمال غوغائية في الأسابيع الأخيرة- للمرة الأولى من القصر الجمهوري.

ويُعتبر هذا القصر الواقع في وسط المنطقة موقعاً رمزياً لاستقبال الشخصيات الأجنبية البارزة، علماً بأن بعض الوظائف الحكومية تنفّذ في مكاتبه الكثيرة.

ومن المهم ملاحظة أن أراضي القصر والشوارع المحيطة به تضم أيضا مكاتب وثكنات تابعة للميليشيات المدعومة من إيران على غرار "كتائب حزب الله"، و"عصائب أهل الحق"، و"حركة حزب الله النجباء"، وهي جماعات تصنفها الولايات المتحدة كإرهابية، وتتنكر بعباءة وحدات تتقاضى أجرها من الحكومة ضمن "قوات الحشد الشعبي" العراقية، على الرغم من أنها تواصل عملها خارج سيطرة الحكومة.

وحين بدأ الصدريون بالتدفق إلى المنطقة، أطلقت هذه الوحدات التابعة لـ"الحشد الشعبي" النار وأرغمتهم على العودة إلى المداخل الشمالية للمنطقة الدولية.


لسوء الحظ، حالما أعادت قوات الصدر تعبئة صفوفها وبدأت مجدداً في رد النيران على "المنطقة الدولية"، شكلت عناصر قوات الأمن العراقية الحقيقية الهدف الأوضح لها.

وفي المقابل، أظهرت قوات الأمن درجة عالية من ضبط النفس من خلال عدم الرد على النيران بنيران قاتلة، وكانت تعمل بأوامر مباشرة من رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي ضمن "قيادة العمليات المشتركة".

لكن قناصي وحدات "الحشد الشعبي" المدعومة من إيران واصلوا إطلاق النار على مناصري الصدر الذين ردوا بدورهم.

وبحلول الليل، عمت الفوضى المكان وخرج غوغائيو الصدر عن السيطرة تماما وهاجموا "المنطقة الدولية" بالرشاشات والقذائف الصاروخية (من نوع "آر بي جي").

وعندما هدأت المعركة، ناهزت حصيلة القتلى إثني عشر شخصا من الصدريين، ونحو إثني عشر قتيلا أيضا في صفوف قوات الأمن العراقية، من بينهم نحو ستة قتلى من عناصر "الحشد الشعبي" المدعومة من إيران.


استقرار العراق يتطلب مركز حكم مستقرا


خلال المواجهات، أظهر كل عنصر من عناصر قوات الأمن العراقية درجة عالية من ضبط النفس، باستثناء "قوات الحشد الشعبي".

وكانت الميليشيات التابعة للصدر وتلك المدعومة من إيران فقط هي التي نفذت عملياتها خارج سلطة رئيس الوزراء و"قيادة العمليات المشتركة".

كما بدأ عنصر واحد فقط، أي مقاتلو قوات الحشد المدعومون من إيران، باستخدام الذخائر الحية ضد مدنيين غير مسلحين داخل "المنطقة الدولية".

وهو ما يسلط الضوء مرة أخرى على ضرورة طرد جميع وحدات "الحشد الشعبي" من المنطقة -ليس حفاظا على سلامة الحكومة العراقية فقط، بل على عناصر السلك الدبلوماسي فيها أيضا.


كانت هذه المسألة تتفاقم طيلة سنوات. وتختلف التقديرات لعدد "قوات الحشد الشعبي" داخل "المنطقة الدولية" إلى حدّ كبير (بين 500 و10 آلاف عنصر)، كما يتغير الرقم على الأرجح بحسب الظروف المختلفة.

وخلال عهد الكاظمي، تم تقليص عدد القوات إلى جانب أسلحتها الثقيلة التي وضعتها داخل المنطقة (على سبيل المثال، المدافع المضادة للطائرات من عيار 23 ملم)، وكذلك هامش حريتها في تعزيز صفوفها متى شاءت.

وبالفعل، أثبتت الأيام القليلة الماضية أن قوات الأمن العراقية الشاملة قادرة على منع قوات "الحشد الشعبي" من زيادة عددها بشكل كبير داخل "المنطقة الدولية" خلال حالات الطوارئ.


مع ذلك، يُظهر النزاع الدائر أيضاً أنه حتى مع خفض عناصر "قوات الحشد الشعبي"، إلّا أنه ما يزال بإمكانها التسبب بفوضى عارمة وإلحاق أضرار جسيمة تطال أيضا العلاقات الدولية للعراق.

وبسبب عدم انضباط عناصر هذه القوات، اندلعت معركة شاملة لمدة ليلة واحدة في قلب "المنطقة الدولية"، مما أعاد بغداد إلى أوضاع أشبه بالحرب الأهلية.


وهذه ليست المرة الأولى التي تستغل فيها "قوات الحشد الشعبي" موقعها داخل "المنطقة الدولية".

وقد حرض الإرهابيون المدعومون من إيران والذين يتنكرون بعباءة مقاتلي الحكومة على الهجمات ضد السفارتين الأميركية والبريطانية ومسؤولين عراقيين، بمن فيهم رئيس الوزراء، ووفروا المعلومات الضرورية لتنفيذها.

وقد حاولوا، على سبيل المثال، اجتياح السفارة الأميركية في كانون الأول (ديسمبر) 2019، ليهددوا باندلاع معركة مدمرة في العراق.

وفي وقت لاحق، طوقوا مقر إقامة الكاظمي في "المنطقة الدولية" في حزيران (يونيو) 2020 وقصفوه بطائرات مسيرة متفجرة بينما كان نائما هناك في تشرين الثاني (نوفمبر) 2021.


ربما يكون ما حدث في أواخر الشهر الماضي قد لقن الصدر درساً مفاده أن قتل عناصر قوات الأمن العراقية هو وصمة عار رهيبة بغض النظر عن سياق إطلاق النيران.

ومع ذلك، فإن الإرهابيين المدعومين من إيران الذين يسيطرون على "قوات الحشد الشعبي" لم يتحملوا بعد تبعات إراقة أول نقطة دماء، وما يزالون قابعين في قلب مركز الحكم، ولم تصدر أي أوامر بعد بطردهم.


خلال المرحلة القادمة، تملك قوات الأمن العراقية وقائدها العام، رئيس الوزراء الكاظمي، صلاحية طلب خروج جميع الميليشيات والحراس الشخصيين الذين يكثر عددهم من "المنطقة الدولية"، وهذا واجب أخلاقي عليها، وعلى المسؤولين الأميركيين حث الكاظمي على ذلك.

وفي 30 آب (أغسطس)، وعد الكاظمي بالتحقيق في الاستخدام الافتتاحي للذخيرة الحية ضد المحتجين من قبل "جماعات غير منضبطة" -وهي العبارة التي يستخدمها رجال السياسة لوصف "قوات الحشد الشعبي"- وندد بها لعدم التقيد بأوامره.

ومن شأن اتخاذ الخطوة المهمة بطرد جميع الميليشيات من "المنطقة الدولية" أن يقلل من خطر اندلاع اشتباكات جديدة، ونشر قوات أمنية أكثر خضوعاً للأوامر في المنطقة، والبدء باستئصال ورم خبيث متواجد منذ فترة طويلة ينخر في استقرار الحكومة والأمن الدبلوماسي.

وبغض النظر عن المستقبل السياسي للكاظمي، على المجتمع الدولي أن يذكّره بأنه ما يزال بإمكانه ترك إرث دائم في مجال واحد مهم، وهو: إقامة مركز حكم تسيطر عليه قوات الأمن العراقية بالكامل ويتمتع بالولاء للحكومة العراقية.

وبدلاً من ذلك، إذا لم تتدارك بغداد ناقوس الخطر هذا وتركت المحرضين الذين تسببوا بمعركة الشوارع التي دارت آخر الشهر الماضي في مواقعهم، فسيكون ذلك مؤشراً آخر على وجود حكومة ضعيفة وغياب الشركاء الخارجيين.

*مايكل نايتس هو زميل في برنامج الزمالة "ليفر" في معهد واشنطن ومقره في بوسطن، ومتخصص في الشؤون العسكرية والأمنية للعراق وإيران ودول الخليج، وأحد مؤسسي منصة "الأضواء الكاشفة للميليشيات" التابعة للمعهد.

 اقرأ المزيد في ترجمات

الميليشيات العراقية تحاول، وتفشل في ترهيب الحكومة