ضرورة مواجهة الشعبويين

كريس باتِن*

سانت مارتن لاكيبي- إليكم هذا الاعتراف: أنا لا أستلقي في سريري  في الليل لأفكر في السياسة السائدة. وإنما أقضي بدلاً من ذلك أسبوعا في بيتي في جنوب غرب فرنسا، أتجول في الريف. وهناك، أحس بحرارة شمس أوائل الخريف الدافئة على ظهري، وأستمتع بالأشجار التي بدأت تغير ألوانها، وأرى المزارعين المحليين وهم يستعدون لحصاد العنب هذا العام. فما هو الشيء الذي لا يُعجب؟اضافة اعلان
بالعودة الى عالم السياسة، فإن الجواب هو: الكثير. فسواء من اليمين أو من اليسار، هناك القليل من القادة الذين يستمتعون بسنة جيدة. ولا بد أن يتساءل المرء في الواقع: هل حققوا فعلاً إنجازات ملحوظة؟
في فرنسا، يبدو الرئيس فرانسوا هولاند مثل البضاعة التالفة وهو يستعد لانتخابات الربيع المقبل. ويستفيد الاقتصاد الفرنسي من القوى العاملة ذات الإمكانات الإنتاجية العالية والحاصلة على تعليم جيد، لكن النقابيين وغيرهم من أعضاء حزب هولاند الاشتراكي يعترضون التدابير التي من شأنها استعادة النمو القوي. وفي الوقت نفسه، يتنافس الرئيس الفرنسي السابق نيكولا ساركوزي ورئيس الوزراء السابق آلان جوبيه للسيطرة على معارضة يمين الوسط من أجل تحدي هولاند وتجنب فوز مارين لوبان من الجبهة الوطنية اليمينية المتطرفة.
وتشير استطلاعات الرأي إلى احتمال تنظيم جولة ثانية من الانتخابات النهائية بين لوبان وساركوزي أو جوبيه، مما يعني أن على اليسار اختيار مرشح يميني تقليدي إذا كان يرغب في التغلب على لوبان. لكن من غير المرجح أنها ستفوز. ومرة أخرى، كان هذا ما قاله معظم الناس عن التصويت في المملكة المتحدة في حزيران (يونيو) حول مغادرة الاتحاد الأوروبي، وعن حملة دونالد ترامب في الولايات المتحدة للترشيح الرئاسي للحزب الجمهوري.
في ألمانيا، أثارت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل -سياسية أوروبا الأولى- غضب الناخبين بسبب سياستها المبدئية لاستقبال اللاجئين. لكن حزب اليسار المعارض بالكاد موثوق به كقوة انتخابية؛ وقد استغل البديل اليميني المتطرف في ألمانيا مشاعر المعادين للمهاجرين لهزيمة الجهات الحكومية (حزب ميركل المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي الذي يمثل يسار الوسط) في الانتخابات المحلية، بما في ذلك ولاية ميركل، ميكلينبورغ -غرب بوميرانيا.
وفي إيطاليا، فشل رئيس الوزراء، ماتيو رينزي، في إحياء اقتصاد ميت. وهبطت معارضة يمين الوسط، وهي بساط متنقل يقوده رئيس الوزراء السابق سيلفيو برلسكوني، في أرض سياسية قاحلة. أما خصومه الرئيسيون، فهم الآن الشعبيون، حركة الخمس نجوم والسياسيون المحليون، الذين يكنون الكثير من الحقد للمؤسسة السياسية الوطنية.
في إسبانيا، يكافح رئيس الوزراء، ماريانو راخوي، عن حزب الشعب، من يمين الوسط، لتشكيل حكومة بعد رفض حزب العمال الاشتراكي المعارض دعمه، بينما يستمر الانفصاليون الكتالونيون بالمطالبة بالاستقلال.
في المملكة المتحدة؛ حيث دعم الناخبون من الطبقتين المتوسطة والعاملة بقوة (لاسيما في انجلترا) مشروع الخروج من الاتحاد الأوروبي، تكافح رئيسة الوزراء الجديدة، تيريزا ماي، من أجل توحيد حزبها. ويسعى بعض أعضاء مجلس الوزراء وراء القطيعة التامة مع أوروبا -ما يسمى بالبريكست الصارم- بينما يضغط آخرون بشكل معقول من أجل تبني منهج وسط، للحفاظ على التجارة مع أكبر سوق للسلع والخدمات البريطانية.
كما تشير هذه الأمثلة، يُمثل الشعبويون قوة جديدة في جميع أنحاء أوروبا -حتى في أماكن غير متوقعة مثل السويد وهولندا. والآن، في وقت يشعر فيه ترامب بارتياح تام في أي مكان في القارة الأوروبية تقريباً، ينبغي الرد على غضب الغرب المناهض للمؤسسة الحكومية الذي يمثله ترامب.
من المؤكد أن نمو الاقتصاد البطيء في السنوات التي تلت الأزمة المالية العالمية في العام 2008 قد استنزف حماس ناخبي الأحزاب التقليدية الذين يعملون من أجل الحل الوسط. وبشكل عام، تُوافق الأحزاب الحاكمة من اليسار واليمين على قضايا مثل التعاون الدولي والتجارة الحرة، والإنفاق العام، وخفض الضرائب. وبينما كان رونالد ريغان، قديس الجمهوريين حالياً، منفقاً حكومياً كبيراً، قام الديمقراطي كلينتون بقطع مستحقات الرعاية الاجتماعية، لتحقيق توازن في الميزانية.
ومع ذلك، يطالب الشعبويون الحاليون بإجابات بسيطة -بل تبسيطية في واقع الأمر- نطاق الإجماع السائد. وهم يلومون العولمة على تخريب مصادر أرزاقهم و إرباك توقعاتهم الاقتصادية، ويسعون وراء عدو -"الآخر"- ويهاجمونه بسبب حالة عدم اليقين والتقهقر الشديد التي يعانون منها.
ولا تعترف نظرة الشعبويين بظلال اللون الرمادي، أو بالحل الوسط. بل إنهم على العكس من ذلك، يعتبرون البحث عن أي توافق في الآراء بمثابة خيانة. ومن خلال التهديد والديماغوجية، يريد الساسة الشعبويون إعادة الزمن إلى الوراء، إلى عالم ما قبل العلوم التجريبية، كما لو كانت الخرافات والظلامية أفضل للجميع.
وبطبيعة الحال، يرى الشعبويون "الماضي الذهبي" كأرض الأحلام. ولكن، كيف نتعامل مع واقع يفضل فيه العديد من الناخبين الخيال عن الحقيقة؟ إننا بالتأكيد لن نتخلى عن الديمقراطية، ولن نساند أولئك في الغرب الذين يُعجبون، مثل ترامب، بالطاغية الروسي فلاديمير بوتين، ويحاولون تقليده.
يجب أن نُواجَه الشعبويين وجهاً لوجه. ويجب أن نقارعهم نقطة بنقطة، بالحجج الدامغة وبهدوء. كما ينبغي معالجة أسباب التهميش الاقتصادي، وهو ما يعني، بداية، توفير خدمات عامة أفضل للفئات المحرومة، والاستثمار في التعليم، والتكنولوجيا، ورفع الأجور، وخلق وظائف تتطلب مهارات عالية.
وإذا تحاشينا الشعبويين، أو حاولنا نسخ أساليبهم وحججهم، فإننا سوف نُقوض العقد الاجتماعي التي تقوم عليه الديمقراطيات الغربية. ويواجه القادة السياسيون السائدون اليوم طريقا محفوفاً بالتحديات. وسوف يحتاجون إلى تبني روح قتالية قوية، مع إبراز الثقة في قضيتهم، بدلاً من الاستسلام للشعور بالرضا أو الاستقالة أو التراجع. وينبغي تحقيق الانتصار في هذه المعركة.

*آخر حاكم بريطاني لهونغ كونغ، ومفوض الاتحاد الأوروبي السابق للشؤون الخارجية، ومستشار جامعة أوكسفورد.
*خاص بـ"الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت".