‏علاقة بريطانيا بالصهيونية وإسرائيل وتداعياتها على الفلسطينيين‏

بريطانيا
بريطانيا

جوناثان وودرو مارتن*‏ - (كاونتربنش) 2/11/2023
بمعرفة تاريخهم، ومشاهدة ما يتكشف الآن والمعاناة التي يتحملونها في ظل هذا العنف الجماعي وغير المفهوم، قل لي لماذا لا يكره الفلسطينيون، هذا الشعب المليء بالشجاعة والأمل والتوق إلى السلام، حكومة المملكة المتحدة؟‏

اضافة اعلان


*   *   *
لا ينبغي أن يتفاجأ أحد من أن الحكومة البريطانية، ‏‏وقيادة‏‏ حزب المعارضة الرئيسي، ووسائل الإعلام والأجهزة الرسمية والشركات تقف على قدم وساق لتدافع عن ‏‏الإبادة الجماعية التي تمارسها إسرائيل‏‏ في قطاع غزة، حتى عندما يخرج مئات الآلاف من البريطانيين إلى الشوارع في جميع أنحاء المملكة المتحدة للمطالبة بوقف فوري لإطلاق النار وجلب العدالة والسلام للفلسطينيين.

 

وقد تم تسليط الضوء على هذا الدعم الثابت لإسرائيل على المسرح العالمي مرة أخرى يوم الجمعة، 27 تشرين الأول (أكتوبر)، حين‏‏ امتنعت المملكة المتحدة عن التصويت على قرار في الدورة الاستثنائية للجمعية العامة للأمم المتحدة.

 

ودعا ‏‏القرار‏ الذي قدمته المملكة الأردنية الهاشمية، إلى الحد الأدنى المتمثل في إقرار "هدنة إنسانية فورية، دائمة ومستدامة".


‏إن امتناع المملكة المتحدة عن التصويت على هذا القرار في هذه المرحلة؛ حيث وصل القتل، والتشويه، والنقل القسري، واعتقال المدنيين الفلسطينيين، في غزة ‏‏والضفة الغربية المحتلة‏‏، إلى مستوى لم يسبق له مثيل منذ النكبة الفلسطينية، لم يكن عملاً محايدًا.

 

كان هذا السلوك عملاً من أعمال التغطية الدبلوماسية والسياسية المستمرة للحكومة الإسرائيلية وقواتها المسلحة لارتكاب ‏‏جرائم حرب‏‏ جماعية بغيضة.

 

وإلى جانب هذا الدعم السياسي، ما تزال ‏‏قواتنا البحرية‏‏ متمركزة في البحر الأبيض المتوسط، في ما يُفترض أنه يرمي إلى "تعزيز الاستقرار الإقليمي ومنع التصعيد".‏


ما يزال هذا التحالف البريطاني مع الصهيونية، وإسرائيل التي أنشأتها الصهيونية، صامدا ومستمرا منذ "وعد بلفور" الذي صدر في العام 1917 وصادق على التشكيل العنيف لإسرائيل في العام 1948 وحتى اليوم. وحتى عندما فرت بريطانيا من فلسطين ومن مسؤولياتها هناك في العام 1948، وسمحت بذلك باندلاع الحرب وللنكبة بأن تحل بالفلسطينيين، ومع أفول وتلاشي إمبراطوريتها، استمرت بريطانيا في لعب دور قاتم ومميت في المنطقة.‏


‏أصدرت الحكومة البريطانية ‏‏وعد بلفور‏‏ في العام 1917، الذي جاء نصه على النحو الآتي؛‏
"تنظر حكومة صاحب الجلالة بعين العطف إلى إقامة وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يفهم جلياً أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص من الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في أي بلد آخر".


إن ما يغيب عن النقاش حول المعنى الحقيقي لهذا الإعلان في كثير من الأحيان هو فهم أن بريطانيا ليس لها أي حق أخلاقي أو قانوني في إصدار هذا الإعلان في المقام الأول. بحلول العام 1917، كانت بريطانيا قد وصلت إلى ذروة إمبراطوريتها من حيث الأراضي والشعوب التي حكمتها بشكل غير شرعي، وبطريقة وحشية واستغلالية. وفي نهاية الحرب العالمية الأولى، تولت بريطانيا السيطرة على فلسطين بعد انتزاعها من الإمبراطورية العثمانية، إلى جانب المناطق المجاورة لها، بما في ذلك جمهورية العراق والمملكة العربية السعودية الحديثتين.


كانت هذه الإمبراطورية، والحكم البريطاني في فلسطين، غير شرعيين -وليس فقط لأنهما لقيا معارضة من السكان المحليين الذين أُخضعوا للحكم البريطاني. بالإضافة إلى هذه المعارضة الشديدة، كانت "عصبة الأمم" المنشأة حديثًا والمهتزة إلى حد كبير، والتي شكلت المقدمة للأمم المتحدة، قد فوضت بريطانيا ‏‏بـ"منح‏‏ ‏‏الحكم الذاتي والاستقلال‏‏ لفلسطين في أقرب وقت ممكن".

 

وقد تم تضمين وعد بلفور في صك الانتداب، لكن الانتداب وعصبة الأمم لم يأذنا لبريطانيا بتسليم فلسطين إلى ‏‏قوة غازية‏‏ أخرى، بالطريقة التي ‏‏صور الأمر بها‏‏ القادة الصهاينة بوضوح للسكان الأصليين.

 

ومن المهم أن نلاحظ أن الصهيونية كانت رد الفعل الأكثر انتشارًا من ‏‏بين عدد من ردود فعل الجاليات‏ اليهودية على "معاداة السامية: المؤسسية والفاحشة والقاتلة التي واجهها اليهود في بريطانيا وأوروبا على مدار المئات من السنين -معاداة السامية التي بلغت ذروتها في "المحرقة" التي تعرض لها الشعب اليهودي في أوروبا بقيادة النازيين الألمان وعلى مستوى أوروبا.‏


‏انتفض الفلسطينيون وثاروا ضد هذا الاستيلاء الذي مارسته المملكة المتحدة والصهاينة على وطنهم طوال عشرينيات القرن العشرين ومن خلال ثورة مستمرة خلال ثلاثينيات القرن العشرين، بما في ذلك الاستخدام الجماعي للتكتيكات اللاعنفية التي شملت، على سبيل المثال لا الحصر، المظاهرات والإضرابات العامة؛

والمقاومة العنيفة من خلال الهجمات التي شنها الثوار الفلسطينيون على المراكز السكانية الصهيونية وضد القوات البريطانية. وقد احتفظت إسرائيل بعد قيامها بالعديد من قوانين "الطوارئ" التي أدخلتها السلطات البريطانية واستخدمتها ‏لكسر الثورة الفلسطينية بعنف، وما تزال ‏تستخدمها ‏‏لمعاقبة‏‏ الفلسطينيين على أي نوع من المقاومة التي ما يزال معظمها يتخذ شكلاً غير عنيف ‏‏للاحتلال‏ المعترف دوليًا بأنه‏ غير شرعي، وما ينتج عنه من فصل ‏‏عنصري‏‏ يُمارس ضد الشعب الفلسطيني وأرضه.‏


كان المنطق السائد داخل جهاز الإمبراطورية البريطانية خلال كل هذا الوقت لتبرير دعم الصهيونية متنوعا. كان رئيس الوزراء البريطاني في نهاية الحرب العالمية الأولى، ديفيد لويد جورج، واحدا من العديد من الصهاينة المسيحيين الذين أيدوا وعد بلفور ومفهوم الصهيونية.

 

وغالبا ما اختلط ذلك الرأي بمعاداة السامية الخبيثة التي كانت ‏‏منتشرة‏‏ داخل المؤسسة البريطانية. وأرادت شخصيات أخرى في المؤسسة ‏‏معاقبة‏‏ العرب وتقسيمهم لجرأتهم على الوقوف في وجه بريطانيا في محاولة لتأكيد استقلالهم بعد الحرب العالمية الأولى مرة أخرى، إلى جانب ‏‏المعاملة العنصرية‏‏ للشعوب غير البيضاء في ظل الإمبراطورية البريطانية.


وأيد آخرون الصهيونية على أساس تبرير جيوسياسي يقوم على استخدامها في حماية إمبراطورية بريطانيا التي تزداد تضخما -وإنما الهشة- وعلى وجه الخصوص، لحماية حكم بريطانيا على الهند، وضمان ‏‏ممر بري وبحري‏‏ إلى الهند من مصر عبر قناة السويس التي تتدفق من خلالها كميات هائلة من التجارة والجيوش العسكرية الدولية والبريطانية. وكان من شأن إبقاء فلسطين تحت الحكم البريطاني و/أو تحت الحكم الصهيوني المتحالف معه أن يعمل على حماية هذه الطرق البحرية والبرية.‏


بعد إنشاء إسرائيل وما نتج عن ‏‏هذا النشوء من تطهير عرقي مخطط‏‏ للفلسطينيين في العام 1948، واصلت بريطانيا التحالف مع إسرائيل، من ‏‏أزمة السويس‏‏ إلى ‏‏الإذعان والمصادقة على‏‏ القمع المستمر والمتحول باستمرار للفلسطينيين داخل فلسطين التاريخية/ إسرائيل. وفي الوقت الحاضر، تعد بريطانيا من أكبر مصدري الأسلحة في العالم.

 

وعلى الرغم من كل الكلام النبيل ‏‏والحديث عن القانون البريطاني‏‏ الذي ينظم حقوق الإنسان والضوابط المتعلقة بمراقبة بيع الأسلحة، فإن مئات الملايين من ‏‏مبيعات الأسلحة‏‏ البريطانية ما تزال تتدفق على إسرائيل.

 

وإلى جانب ذلك، تستمر ‏‏التدريبات‏‏ البحرية والجوية المنتظمة معها، وقد تم التوقيع هذا العام فقط على ‏‏إطار عمل معزز‏‏ للتعاون بين البلدين بشأن الأمن والدفاع والتكنولوجيا والتجارة.

 

ولا يمكن أن يكون هناك شك في قوة التحالف بين بريطانيا الحديثة وإسرائيل. ويستخدم هذا التحالف المتجسد في توفير الأسلحة، والمعدات، والمعرفة العسكرية، والغطاء السياسي والدبلوماسي الذي توفره هذه العلاقة، لفرض الاحتلال والفصل العنصري ضد الفلسطينيين والأهوال التي نشهدها الآن.‏


في الرد على هذه المحاولة الحالية والواضحة الجارية الآن ‏‏للإبادة الجماعية‏‏ التي تُمارسها إسرائيل ضد الفلسطينيين، قال رئيس وزرائنا الحالي، ريشي سوناك، لرئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو: "‏إننا ‏نريدكم أن تفوزوا".

 

قيل هذا واستمرت الحكومة البريطانية في دعمه حتى بعد أن أصبح واضحا أن العمل العنيف الذي تقوم به إسرائيل يستهدف السكان المدنيين بشكل مباشر، مع استخدام كل سبل ‏‏العقاب الجماعي‏‏ المتمثلة في قطع الوقود والكهرباء والغذاء والمياه والإمدادات الطبية عن غزة، بينما يجري قتل وتشويه آلاف المدنيين باستخدام أسلحة ومعدات ‏‏متطورة قدمتها المملكة المتحدة‏‏.


‏الفوز بماذا بالضبط يا رئيس الوزراء؟ ما الذي سيتم كسبه؟ بالتأكيد ليس الأمن أو السلام طويل الأمد للإسرائيليين. إنهم يدمرون الناس والمكان الذي يسمونه الوطن ويحولونهم ويحولون العالم ضدهم. وبالنسبة للفلسطينيين، إذا كانت إسرائيل يجب أن تفوز، فما الذي يجب أن يخسروه، كل شيء بالمطلق؟ حياتهم، منازلهم، ما تبقى من أرضهم، ووجودهم كشعب وثقافة؟‏


يجب على أي شخص ملتزم حقا بالسلام أن يعرف أنه لا يوجد الآن سوى طريق واحد للسلام ‏‏والعدالة والأمن‏‏، وهو المساواة في الحقوق ‏‏لجميع الشعوب التي ‏‏تعيش حاليا بين نهر الأردن والبحر الأبيض المتوسط، وحق العودة للفلسطينيين المطرودين من وطنهم، وعملية متفق عليها لتحقيق العدالة والتعويض عن جرائم الحرب الجماعية التي ارتكبتها إسرائيل. كما ينبغي أيضا إدراج أي ‏‏جرائم حرب‏‏ ترتكبها "حماس" ضد المدنيين في هذه العملية.‏


‏‏قال لي، مؤخرا، صديق فلسطيني يراقب بخوف ورعب ما يحدث لشعبه في غزة: "أنا غاضب جدا من قول حكومتكم إنها لن تطلب من إسرائيل وقف القصف، وإن الإسرائيليين يدافعون عن أنفسهم. أنا أكره حكومة المملكة المتحدة، أكرهها كثيرا. كان البريطانيون السبب وراء احتلال أرضي والآن يدعمون قتلة شعبي".‏


‏بمعرفة تاريخهم، ومشاهدة ما يتكشف الآن والمعاناة التي يتحملونها في ظل هذا العنف الجماعي وغير المفهوم، قل لي لماذا لا يكره الفلسطينيون، هذا الشعب المليء بالشجاعة والأمل والتوق إلى السلام، حكومة المملكة المتحدة؟‏


‏إنني أحث زملائي في المملكة المتحدة على التفكير وطرح الأسئلة والمطالبة بإجابات حول وجاهة هذا التحالف الذي لا جدال فيه بين حكومتنا وإسرائيل، وما الذي يعنيه لبلدنا -والأهم من ذلك، للفلسطينيين.

 

إننا مدينون للفلسطينيين بالدفاع عن حقوقهم كبشر كاملين في عالمنا، وخاصة الآن. يجب أن نستمر في المطالبة، في ‏‏الشوارع‏ ‏‏وعلى الإنترنت،‏‏ بأن تقوم حكومتنا وأعضاء البرلمان من جميع الأحزاب، والمؤسسة بأكملها، بتغيير مواقفهم والدعوة إلى وقف فوري لإطلاق النار وإنهاء الاحتلال والفصل العنصري في فلسطين.‏

‏*جوناثان وودرو مارتن‏‏ Jonathan Woodrow Martin: صحفي مستقل يغطي معظم شؤون الشرق الأوسط. يدير مدونة عن الشؤون الخارجية البريطانية. وهو خريج معهد HCRI في جامعة مانشستر، بريطانيا.

 

*نشر هذا المقال تحت عنوان:

The British Relationship With Zionism, Israel and Its Consequences for Palestinians

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

نص ‏الخطة الإسرائيلية للتطهير العرقي في غزة: الترجمة الكاملة‏