عودة الأسرى الأوروبيين من أتباع "داعش": القضية الشائكة

مقاتلان أجنبيان في صفوف تنظيم "داعش" - (أرشيفية)
مقاتلان أجنبيان في صفوف تنظيم "داعش" - (أرشيفية)
باز بكاري* - (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 23/7/2019 في حين بدأ التهديد العسكري الذي يشكله تنظيم "داعش" داخل سورية في التراجع، ما يزال هناك عدد من القضايا الشائكة التي ظهرت على السطح في أعقاب هزيمة التنظيم، وليس أقلها مسألة الأسرى المنتمين إليه؛ حيث تتحمل الإدارة الذاتية في شمال شرق سورية اليوم عبء احتجاز المقاتلين الأكثر خطورة من بقايا التنظيم في مناطق سيطرتها. وكانت الإدارة الذاتية قد دعت الدول الأوربية وباقي الدول، في أكثر من مناسبة، إلى تحمل مسؤوليتها تجاه مواطنيها المحتجزين لدى قوات سورية الديمقراطية، الأمر الذي يؤكد ضيقها من تهرب هذه الدول من إعادة مواطنيها الجهاديين إلى بلادهم. وقد أبرزت المشاكل الأمنية الأخيرة، بما في ذلك الانفجارات العنيفة التي وقعت في مخيم الهول، وحالات وفيات الأطفال نتيجة نقص الموارد المتاحة، الحاجة الملحة للاهتمام بتلك القضية ومعالجاتها. وفقاً للإحصائيات التي أجرتها مؤسسة الإدارة الذاتية لأعداد أسرى التنظيم في أواخر تموز (يوليو) 2018، تجاوز عدد الجهاديين 500 عنصر من الذكور، بينما يبلغ عدد النساء 550 امرأة، أما الأطفال فتجاوز عددهم 1.200 طفل، وهذه الأعداد في تصاعد لأن الحملة ضد التنظيم ما تزال مستمرة. ويذكر أن هؤلاء النساء والأطفال قد تم أسرهم على يد قوات سورية الديمقراطية في المعارك التي خاضتها هذه القوات مع تنظيم "داعش" طوال السنوات الماضية، والتي أفضت إلى القضاء عليه في آخر معاقله في بلدة الباغوز. في حين استمرت الإدارة الذاتية في تسليم مسحلي التنظيم إلى دولهم التي تقبل بإعادتهم ومحاكمتهم على أرضها، مثل روسيا وجمهورية الشيشان، إضافة إلى أسرى من السودان وماليزيا ودول أخرى، إلا أن مشكلة أسرى التنظيم المتطرف من الأوروبيين ظلت مثار جدل في دولهم التي يحملون جنسيتها، وبين الولايات المتحدة الأميركية وتلك الدول. وأكد الرئيس الأميركي دونالد ترامب في شباط (فبراير) الماضي في آخر تغريداته حول قضية الأسرى الأوروبيين من تنظيم "داعش"، أن الإدارة الأميركية تتجه نحو حل تلك القضية. وفي الوقت عينه، انتقد ترامب الموقف الأوروبي المتردد من القضية، واصفاً البديل بأنه "غير جيد". وعلى الرغم من أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب قد دعا الدول الأوربية بشكل رسمي لتحمل مسؤولياتها تجاه مواطنيها الجهاديين الأسرى في سورية، وذلك بنقلهم إلى بلدانهم الأصلية لمحاكمتهم، إلا أن نظراءه الأوروبيين قابلوا دعوته بالرفض والتهرب. وهكذا، ازدادت قضية المقاتلين الأجانب الأوروبيين تعقيداً نظراً لاتباع كل بلد مقاربة مختلفة. فقد رفضت أكبر محكمة إدارية في فرنسا في الثالث والعشرين من نيسان (أبريل)، طلب فرنسيات في سورية إعادتهن إلى بلادهن، معللة ذلك بأن القاضي لا يستطع الحكم في الأمر لأنه ينطوي على مفاوضات مع سلطات أجنبية. كما دافع الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون عن موقف المحكمة حين أعلن في شباط (فبراير) الماضي أن "محاكمة مقاتلي ‘داعش’ الفرنسيين الذين تم أسرهم في العراق وسورية يجب أن تتم في الدول التي يواجهون فيها اتهامات". تميز الموقف الفرنسي من قضية مواطني البلد الأسرى لدى قوات سورية الديمقراطية برفض إعادة الأسرى دفعة واحدة، وهذا ما صرح به وزير الخارجية الفرنسي جان إيف لودريان، حين قال إنهم سيعالجون كل حالة على حدة. كما أكد لودريان، في تصريحات سابقة له، أن الجهاديين الفرنسيين في العراق ستتم محاكمتهم في العراق، "في حين ستتم دراسة حالات أطفالهم كل على حدة، على أن يخضع العائدون منهم لوصاية قاضي الأطفال". وأضاف لودريان "أن الصعوبة تكمن في سورية، حيث لا يوجد حاكم فعلي هناك". ولم يختلف موقف برلين كثيراً عن موقف فرنسا، فمنذ العام 2013 غادر أكثر من 1000 شخص ألمانيا إلى مناطق القتال، وعاد ثلثهم فقط إلى ألمانيا. ويذكر أن وزير الخارجية الألماني، هايكو ماس، أشار إلى "قلة الإمكانيات المتاحة أمام ألمانيا في الوقت الراهن للتحقق في سورية مما إذا كان الأمر يتعلق بمواطنين ألمان بالفعل". وأضاف أن هؤلاء الأشخاص يمكنهم العودة فقط إذا تم التأكد من إمكانية وضعهم تحت الوصاية التحفظية. وتؤكد وزارة الداخلية الألمانية وجود حوالي 270 امرأة وطفلاً ممن يحملون الجنسية الألمانية والذين ما يزالون موجودين في سورية والعراق. أما المملكة المتحدة، التي عاد إليها نحو 400 من أصل 900 جهادي يحملون جنسيتها في حزيران (يونيو) 2018، فقد اقترحت محاكمة المقاتلين في المكان الذي ارتكبوا فيه جرائمهم. وسبق أن أعلن المتحدث باسم رئيسة الوزراء، تيريزا ماي، في وقت سابق أنه "يجب تقديم المقاتلين الأجانب إلى العدالة وفقاً للإجراء القانوني المناسب في النطاق القضائي الأكثر ملاءمة". ويبدو أن هذه السياسة تهدف في الأساس إلى تقديم المساعدة القضائية للمعتقلين في البلاد التي تم احتجازهم فيها. وفي السياق ذاته، عرضت الحكومة البلجيكية، إنشاء محكمة دولية خاصة بمقاتلي تنظيم "داعش"، حسب تصريح أدلى به وزير العدل البلجيكي كون جينس في البرلمان البلجيكي؛ حيث قال: "يمكن العمل على مسار دولي قضائي من خلال الملاحقة والمحاكمة، ويمكن أن تجرى المحاكمة بالتعاون مع السلطات القضائية الوطنية في المنطقة التي يُحتجز فيها المقاتلون الأجانب، وأما فيما يتعلق بأي عقبات جيوسياسية أو قانونية فإن الأمر يتطلب التشاور مع الشركاء الدوليين، ويمكن أن تتولى الخارجية البلجيكية التنسيق في هذا الصدد". كما أكدت بلجيكا أنها ستستقبل الأطفال البلجيكيين الأسرى في سورية، ممن لم يبلغوا سن العشر سنوات، مع تأكيد عدم استعدادها لاستقبال المقاتلين. المحكمة الدولية: المميزات والمخاطر في إطار مساعيها لإيجاد حل لقضية الأسرى الأجانب، طرحت الإدارة الذاتية في شرق سورية، إنشاء محكمة دولية خاصة بهؤلاء الأسرى، ليحاكموا في مناطق سيطرتها، الأمر الذي قابله رفض أميركي للفكرة على لسان المبعوث الأميركي الخاص إلى سورية، جيمس جيفري، الذي أكد أن بلاده ليست بصدد دراسة احتمال إنشاء محكمة دولية خاصة بالمقاتلين الأجانب من تنظيم "داعش" في الوقت الحالي. يتفق طرح الإدارة الذاتية مع أفكار طرحتها دول أوروبية لإنشاء محكمة دولية خاصة لمحاكمة الجهاديين الأجانب في سورية، على الرغم من أنها ستكون سابقة قانونية. فأمر إنشاء المحكمة الدولية لن يكون بالسهل مطلقاً، ويتطلب تجهيزات لوجستية من حيث اختيار مقرات للمحكمة، وتحديد آليات عملها، وأيضاً إنشاء مراكز احتجاز، وآلية تطبيق الأحكام التي ستقررها هذه المحكمة. وقد يتطلب إنشاء محكمة دولية أيضاً إشراك النظام السوري، لكن ذلك قد يتسبب بتوترات نظراً لرفض الدول الأخرى صراحةً لشرعية النظام. كما ستواجه فكرة إنشاء محكمة دولية معضلة أخرى أيضاً، لأن الإدارة الذاتية ليست كياناً سياسياً معترفاً به دولياً، إضافة إلى وجود ما يمكن تسميته بالقطيعة بين الدول المنضوية ضمن التحالف الدولي وأبرزها الولايات المتحدة الأميركية وفرنسا وبريطانيا وألمانيا، وبين النظام السوري. تدرك الإدارة الذاتية أيضاً أهمية قضية الأسرى الأجانب كورقة يمكن أن تفاوض عليها العالم لكسب اعتراف سياسي بها، وهو الأمر الذي تجده من حقها، كمقابل لما قدمته للعالم، حين تكفلت بمهمة محاربة تنظيم "داعش". وهكذا، إذا كان الحل يكمن في استلام الأوربيين لمواطنيهم الجهاديين، أو في إنشاء محكمة دولية خاصة بهم، فكلاهما يقودان هذه الدول -بالإضافة للولايات المتحدة الأميركية- إلى الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية، ولو بشكل غير رسمي. قد يفسر تهرب الدول الأوروبية من إعادة مواطنيها من مقاتلي تنظيم "داعش" وعوائلهم، على أنه محاولة لتفادي الدخول في معضلة الاعتراف السياسي بالإدارة الذاتية وما يترتب على هذا الاعتراف من التزامات وأزمات مع حليفتها في الناتو، تركيا، وهي التي تعادي الإدارة الذاتية وتصف قواتها بالإرهابية. وفي حال قبلت الدول الأوربية بإعادة مواطنيها، فإنها ستتعامل مضطرة مع هيئة الخارجية في الإدارة الذاتية والتي تعد وزارة خارجية للإدارة، وفي الأعراف الدولية، ستحمل أي علاقة دبلوماسية من هذا النوع شيئاً من الاعتراف السياسي الضمني بالإدارة الذاتية. على الرغم من التحديات التي تقف حائلاً أمام حل أزمة الأسرى الأجانب، فإن الوضع الراهن أصبح خطيرا للغاية بحيث لا يمكن السماح باستمراره. كما أن استمرار احتجاز هؤلاء المقاتلين من دون محاكمات وآليات واضحة لحل مشكلتهم، سيكون سبباً في عودة التنظيم إلى النشاط مجدداً، انطلاقاً من مراكز احتجاز مقاتليه الحالية ذاتها، خاصة وأن التنظيم ما يزال -على الرغم من انكساره العسكري في سورية والعراق- نشطاً في كليهما، سواء في الصحراء العراقية أو في أرياف دير الزور والرقة. وبحسب التقارير والتحقيقات الإعلامية، فإن مراكز الاحتجاز الحالية أيضاً تتحول يوماً بعد آخر إلى أكاديميات تغذي الفكر المتطرف بين المحتجزين، خاصة المراهقين، وهذا مؤشر على خطر محدق، والذي قد يعيدنا إلى نقطة البداية التي انطلق منها أساساً تنظيم "داعش"؛ حيث كان قادة الصف الأول للتنظيم حين تأسيسه ممن تخرجوا من مراكز اعتقال سابقة. سوف تبقى قضية الأسرى الأجانب قائمة ومؤرقة للدول الأوروبية، ومثيرة للتوتر في علاقتها مع الولايات المتحدة الأميركية. وفي ظل تأكيد الرئيس الأميركي ترامب على حلها، ستضطر هذه الدول راضية أم مكرهة، للبحث عن الحلول الممكنة، لضمان عدم توتر العلاقة مع واشنطن وضمان عدم عودة "داعش" إلى الانتعاش من جديد. لقد نشأ تنظيم "داعش" وتطور كحركة في النوع نفسه من مراكز الاحتجاز التي تضم حالياً المئات من الرجال والنساء والأطفال المرتبطين بالتنظيم. ولذلك، يجب أن لا يسمح العالم بتكرار الظروف نفسها التي مكنت "داعش" من نشر أفكاره الخبيثة في جميع أنحاء الشرق الأوسط في المقام الأول. *صحفي سوري كردي، مقيم حالياً في العاصمة الفرنسية باريس.اضافة اعلان