غروب المستبدين

صحيفة مصرية تعلن خبر تنحي مبارك على صفحتها الأولى -(أرشيفية)
صحيفة مصرية تعلن خبر تنحي مبارك على صفحتها الأولى -(أرشيفية)

كارولين فوريست - (لوموند) 2011/12/3

ترجمة: مدني قصري

اضافة اعلان

ما أكثر الرؤوس التي سقطت في العام 2011، وما أكثر ما أصابنا الدوار بسبب سقوطها المثير! بن علي التونسي فرّ هارباً؛ ومبارك المصري يواجه المحاكمة ممدّدا فوق نقّالة؛ والقذافي لقي في ليبيا الموت الذي كان يخشاه دائما؛ وبشار الأسد فقدَ عقله وصوابه نهائيا، حتى وإن ظل رأسه فوق كتفيه بفضل ضراوة القمع الذي يمارسه في سورية. لكن الأسد سوف يستسلم ويخضع وينتهي لا محالة. فما من مستبد واحد يظل خالدا. وحتى الكوري كيم يونغ أخذه الموت في النهاية، لأن شعبه لم يجد القوة للتمرد ضده، ولم يجد حتى القدرة على كبح دموعه على رحيله في النهاية!
ذلك لأن الاستبداد السائد في كوريا الشمالية لا يشبه في شيء الأنظمةَ الدكتاتورية العربية، ولا حتى الدكتاتوريات السوفياتية السابقة. فنحن في كوريا هذه أمام أوضاع مختلفة تماما: طائفة قوامها 20 مليون نسمة، وتردنا من هناك صور شبه خيالية، فنخال وكأننا نسافر عبر الزمن فوق كوكب آخر، بحثا عن مختبر أُحكم غلقُه على مجموعة من البشر الذين أخضِعوا لتجربة شرطية هائلة. والطريقة التي يبكي بها هؤلاء البشر تذكرنا كم هو الحس النقدي هش، وكم هو الإنسان قابل لأن يبرمَج، ولأن تعاد برمجته من جديد بحسب الحاجة، وكم هو قابل لأن ينقاد لهوى المستبد، وبالوصفة نفسها في كل مرة: عدو، وقصة، وخوف.
للمستبدين فروقاتهم ودرجاتهم، لكنهم يشتركون جميعا في الأشياء الجوهرية نفسها. فسواء ادعوا الانتماء للأمة، أو للدين، أو للشعب، أو لكتاب أحمر، أو أخضر، فقد ظلوا دوما يفرضون على رقاب شعوبهم حبهم للسلطة والهيمنة والاستبداد قبل حبهم لمصالح المجموع. أما عدد ضحاياهم فقد ارتفع إلى الحد الذي يجعلنا نتساءل: لماذا يظل هؤلاء في السلطة لفترات طويلة جدا؟ ومع ذلك، وقبل سقوطهم يقاومون السقوط طويلا، وأكثر من ذلك: يتمتعون بـ"الشعبية".
خلافا للتأثير البصري الفيزيائي الذي ظل محفوظا مثل الأسطورة، فإن الشعب ليس كتلة، بل هو مجاز واستعارة. فهو الرضا الضمني الذي تبديه أغلبية خانعة خاضعة مستسلمة إزاء أقلية نافذة وفاعلة ونافذة، تمارس القمع ضد هذه الأغلبية، أو تحررها. ويكفي طائفة واحدة لكي تستحوذ على القمة، وتُرهب القاعدة، بواسطة سلسلة من أشكال الهيمنة، ومن الممارسات الجبانة الدنيئة المتعاقبة. ولكن، يكفي أيضا أقلية شجاعة وجريئة ومقدامة لكي تفك الهرم، بل ولكي تقلبه رأسا على عقب أيضا. والأمر مأساوي ومشجع في آن. فبعد عام واحد سقط فيه الكثير من المستبدين، يقدم لنا العام 2012 عالما من التحولات العميقة... عالماً صارت كل الدروب فيه ممكنة.
بين نهاية "الربيع العربي" وبداية خريف الأصوليين، والأزمة الاقتصادية، صارت البوصلة العالمية مضطربة مترنحة. لم تعد الحدود بين الشرق والغرب، وبين الجنوب والشمال واضحة المعالم. وينبغي على كل الأمم، وكل المجموعات الكبرى، والاتحاد الأوروبي على رأسها، أن تكافح من أجل أن تحتفظ بمكانها في العالم، أو أن تستسلم للانطواء، والخروج من الخريطة. بل ومن التاريخ الذي بات يسير بسرعة كبيرة!
على طول الطريق، ما انفكت الشعوب تترنح بين الرغبة في الإيمان بالخرافة، والرغبة في التشبث بخطاب الحقيقة. وفي كل منعطف، لا بد أن تختار الشعوب الطريق الأقل سوءا وخطرا، مهما كان هذا الطريق وعرا وشاقا، أو أن تنتشي بالملاحم، ملاحم بات الناس يستسيغون سماعها، بل صارت ضرورية أحيانا لتجاوز المحن والشدائد، أو يكرسونها أحيانا لتمهيد طريق المستبدين الجدد. ولكن، كيف يمكن التعرف على معالم هذا الطريق؟ لو كانت ثمة خريطة جلية للعام 2012 لقلنا إن الأمر سهل ويسير، وأقل إثارة أيضاً!

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Le crépuscule des tyrans