في مشكلة المعنى

البحث عن المعنى، مسعى إنساني لا ينتهي - (أرشيفية)
البحث عن المعنى، مسعى إنساني لا ينتهي - (أرشيفية)

ديفيد بروكس- (وورلد برس)

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

5/1/2015

قبل وقت ليس بالطويل، أرسل لي صديق نص خطبة كان الزعيم المدني الكبير جون غاردنر قد ألقاها أمام رابطة خريجي جامعة ستانفورد بعد 61 عاماً من تخرجه من تلك الكلية. ويعج الخطاب بالحكمة العملية. وقد أحببت منه الفقرات التالية بشكل خاص:اضافة اعلان
"إن الأشياء التي تتعلمها في سن الرشد ليست أشياء بسيطة، مثل حيازة المعلومات والمهارات. إنك تتعلم عدم الانخراط في سلوك محبط للذات. وتتعلم أن لا تستهلك الطاقة في القلق والاكتئاب. إنك تكتشف كيف تدير توتراتك. وتتعلم أن جلد الذات والانكفاء هما الأكثر سمية من بين كل المخدرات. إنك تجد أن العالم يحب الموهبة، لكنه يكافئ الشخصية.
"إنك تفهم أن معظم الناس ليسوا معك ولا هم ضدك؛ وأنهم يفكرون بأنفسهم فحسب. وتتعلم أنك مهما بذلت من الجهد من أجل إرضائهم، فإن بعض الناس في هذا العالم لن يحبوك، وهو درس يكون مزعجاً في البداية، لكنه يصبح مريحاً جداً في الحقيقة بعد ذلك".
ويمضي غاردنر بهذه الطريقة الحكيمة. ثم يذهب، في نهاية المطاف، إلى خاتمة الخطاب حول كيفية عيش حياة تكون ذات معنى، فيقول: "المعنى هو شيء تبنيه وتدخله في داخل حياتك. شيء تبنيه من ماضيك الخاص، من عواطفك وولاءاتك، ومن تجربة الجنس البشري كما تم تمريرها إليك... إنك أنت الشخص الوحيد الذي يستطيع أن يضع هذه العناصر معاً في نمط سيكون هو حياتك".
يضع غاردنر "المعنى" في قمة الوجود الانساني، ويذكرني خطابه بكثرة المرات التي سمعنا فيها هذه الكلمة في العقود الماضية. وكما تقول زميلتي في صحيفة نيويورك تايمز أبريل لوسن، أصبح "المعنى" هو المفهوم المعياري لكل شيء تتوق الروح وتسعى إليه. ولعلها هذه واحدة من العبارات القليلة المقبولة في الخطاب الحديث لوصف حاجة روحانية من الناحية الأساسية.
ومع ذلك، ما الذي نعنيه حقاً عندما نستخدم كلمة معنى؟
الشيء الأول الذي نعنيه هو أن الحياة يجب أن تتعلق بما هو أكثر من مجرد النجاح المادي. والشخص الذي يعيش حياة ذات معنى، يكون قد عثر على طريقة ما لخدمة الآخرين، وهو ما يفضي إلى ولادة شعور بالمغزى.
ثانياً، إن الحياة ذات المعنى تكون أكثر إرضاء من مجرد الحياة السعيدة. فالسعادة تدور حول التمتع بالحاضر، بينما المعنى هو حول تكريس المرء نفسه للمستقبل. والسعادة هي شيء يتعلق بالأخذ والتلقي، فيما يتعلق المعنى بالعطاء. وتتعلق السعادة بالمزاج العالي والتجارب الجميلة، بينما يشعر الناس الذين يعيشون حيوات ذات معنى بإحساس أعمق بالرضا.
وبهذه الطريقة يكون المعنى حالة سامية من الوعي. إنها ما تشعر به عندما تكون بصدد خدمة أشياء أبعد من الذات.
مع ذلك، لا بد من القول إن الكلمة، كما يشيع استخدامها اليوم، تبقى مترهلة وفارغة، وإفرازاً لثقافة أصبحت لا تفصح عن الحياة الداخلية.
دعوني أضع الأمر بهذه الطريقة: إننا إذا نظرنا إلى الناس في التاريخ، والذين حققوا منجزات كبيرة -مثل نيلسون منديلا، أو ألبرت وايتزر أو أبراهام لنكولن- فإن ذلك لم يكن لأنهم أرادوا أن يسبحوا بترف في احساسهم الخاص بالمعنى. لقد كان لديهم هدف ومعايير حقيقية أزلية للعدالة والظلم. وكانوا يسخطون عندما يتم انتهاك تلك المعايير الأزلية. وقد اشتركوا وأسهموا في وضع الأنظمة الأخلاقية -سواء كانت علمانية أو دينية- التي أوصت باتباع طرق معينة وكانت لديها معايير محددة لما هو صحيح وما هو خطأ، كما كانت لديها أنظمة محددة حول الكيفية التي يمكن لك معها أن تصبح أفضل مع الوقت.
يحاول المعنى أن يحل محل الهياكل والمعايير والانضباط بعاطفة تجل للذات. وتكون السلطة النهائية للمعنى هي الاستشعار الحميم الذي نحصل عليه عندما نشعر بأننا ذوو معنى ومهمون. ويحاول المعنى استبدال الأنظمة الأخلاقية بالهالة العاطفية التي تحيط بأعمال الإحسان.
ذلك استبدال تافه. لأن المعنى يُبنى فقط على عاطفة، وهو بلا محتوى وغير قابل للاختزال. ولأنه مبني فقط على العاطفة، فإنه ذاتي ونسبي. إنك تحصل على المعنى بطريقة، وأنا أحصل على المعنى بطريقة أخرى. فمن يكون أي منا حتى يحكم على عاطفة شخص آخر؟
لأنه قائم فقط على العاطفة، فإنه عديم الفائدة. ليس ثمة من معيار لتحديد أي نوع من المعنى هو الأعلى. ولا يوجد كتيب عملي يساعد في إرشاد كل واحد منا فيما نحن نتحرك من أكثر أنواع الخدمة ضحالة إلى أشكال أكثر عمقاً. ولا يوجد ترتيب هرمي للقيم، والذي يكون من شأنه مساعدتنا في الاختيار من بين كل الأشياء التي قد نفعلها، ذلك النشاط الأعلى والأفضل الذي نستطيع ممارسته.
ولأنه مستند فقط على العاطفة، فإنه هارب. وعندما تذهب مشاعر المعنى، فعندها يسقط السبب الذي أثارها ذات مرة، أيضاً. ويتدفق على النفس الضجر. وتتبعه أزمة شخصية. ولا تكون ثمة أرضية يمكن الاعتماد عليها.
تنجم فلسفة المعنى في ثقافة لا تكون فيها مفردات أخلاقية عامة أو إطار عمل. وهي تظهر وسط التعددية المفرطة، عندما لا يريد الناس الحكم على بعضهم بعضا. ويظهر المعنى عندما يكون السؤال الرئيسي هو: هل نحن بخير؟
تستند الأنظمة الأخلاقية الحقيقية إلى ميزان من الصرامة الفكرية والمشاعر الأخلاقية المستيقظة. والمعنى هو شعور نقي يقيم الاعتبار للذات، ويشكل الحلاوة التي تغذي الحياة الداخلية للإنسان.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 The Problem With Meaning