قوة الكلمات

توني مكينا* – (كاونتربنش) 23/4/2021
ترجمة: علاء الدين أبو زينة

على الرغم من الطبيعة المعجزة لسرد القصص، إلا أنه كثيراً ما يُنظَر إلى الكُتاب والروائيين والشعراء بنوع من الازدراء المستَمتِع، في عالم يتم فيه التأكيد بانتظام أن المقياس الحقيقي الوحيد للإنسان هو "إنتاجيته" -شيء يمكن قياسه تجريبيًا بالدولارات أو الجنيهات أو السنتات- في حين أولئك الذين يكرسون حياتهم لـ"ابتداع الأشياء" كثيراً ما يُستهزَأ بهم كأشخاص يضعون رؤوسهم في الغيوم؛ كنوع من الأشخاص غير القادرين على الانشغال بالعمل الجدّي للـ"الحياة الواقعية" وينسحبون بدلاً من ذلك إلى عالم الخيال والأحلام.

  • * *
    لنبدأ بقصة. ثمة امرأتان، مؤرخة وروائية، تتجولان في منطقة المستنقعات. وتماماً بينما يتحول المساء إلى ليل تصلان إلى منزل مالك عزبة مهجور عمره قرون. والآن، تنظر المؤرخة إلى هذا القصر القديم بطريقة خاصة للغاية. إنها تريد أن تعرف كم عمره بالضبط، وأن تشتقَّ منه سرداً واقعياً لحياة الناس الذين عاشوا هناك ذات يوم، وتطوِّر سجلاً دقيقاً لروتينهم اليومي. تريد أن تسلط الضوء على واقع المكان كما كان ذات مرة من خلال إجراء تحليل واقعي ودقيق للأدلة المتاحة.
    ومع ذلك، تجد الروائية المنزل جذابًا لسبب مختلف تمامًا. إنها تجد نفسها متأثرة بالتباسه القاتم؛ بغموضه –لأن هذه هي العوامل التي تحرِّض خيالها الإبداعي. تتساءل عن أي الأشكال الطيفية هي التي ربما تترصد في ظلاله القاتمة، وما الذي تدور حوله الأشباح في أقبيته المهدِّدة أو عليّته المُتربة. بالنسبة للروائية، فإنه العوز –الافتقار إلى وجود محتوى متماسك- هو الذي يركز قوتها الإبداعية ويجبرها على التوسط. ويجد الخيال نفسه مدفوعاً لملء الفراغ، بأشكاله وأبخرته.
    هذا هو الشيء الأكثر روعة في أن يكون المرء راوية حكايات. إذا كنتَ تعرف كيف تكتب الحروف، فإن كل ما تحتاجه بعد ذلك هو الطبيعة الغرائيبة والرائعة لخيالك. وهي، لهذا السبب، واحدة من أكثر الأنشطة ديمقراطية من بين كل الأنشطة على الإطلاق. لا يتعين عليك أن تعتمد على معدات المختبرات أو أي مجموعة أخرى من الأدوات باهظة الثمن، ولا تحتاج سوى إلى تكلفة القلم والورق. وليس عليك أن تكون قد حصلت على تعليم جامعي باهظ الكلفة. يمكنك أن تكتب مثل روبنسون كروزو الذي كتب على الخِرق في جزيرته الصحراوية، أو يمكنك أن تكتب مثل آن فرانك، في غرفة صغيرة معزولة مخبأة بعيدًا عن القمع.
    ومع ذلك… مع ذلك… على الرغم من تواضع أدواتك أو تفرُّق أحوالك، يمكنك، بكل معنى الكلمة، أن تخلق أي شيء. يمكنك أن تستدعي إلى الوجود سفن فضاء أو وحوشاً -أو حتى عوالم كاملة تطوي في ظلالها أي شيء قد تحلم به هوليوود بكل أجيالها الأنيقة والرائعة من الصور المنشأة بتقنيات الحاسوب. سوف تقدم لنا صفحة فارغة عددًا لا نهائيًا من العجائب الممكنة التي لا تقيدها حدود ومحدودية وجودنا الفعلي. وقد ارتكب الكاتب جي إم باري الخطأ المؤسف المتمثل في تقدمه في السن، لكنَّ بيتر بان، من ناحية أخرى، سوف يبقى شابًا إلى الأبد.(1)
    على الرغم من الطبيعة المعجزة لسرد القصص، إلا أنه كثيراً ما يُنظَر إلى الكُتاب والروائيين والشعراء بنوع من الازدراء المستَمتِع، في عالم يتم فيه التأكيد بانتظام على أن المقياس الحقيقي الوحيد للإنسان هو "إنتاجيته" -شيء يمكن قياسه تجريبيًا بالدولارات أو الجنيهات أو السنتات- في حين أولئك الذين يكرسون حياتهم لـ"ابتداع الأشياء" كثيراً ما يُستهزَأ بهم كأشخاص يضعون رؤوسهم في الغيوم؛ كنوع من الأشخاص غير القادرين على الانشغال بالعمل الجدّي للـ"الحياة الواقعية" وينسحبون بدلاً من ذلك إلى عالم الخيال والأحلام.
    لكن الإبداع الأدبي وانغماس الخيال ليسا مجرد ملذات مجردة غير دنيوية يستمتع بها الحالمون والمذهولون، ببساطة. في الحقيقة الواقعية، ثمة قيمة عملية بارزة لهذه الأشياء أيضًا، وهي مهمة للنظام الاجتماعي بنفس أهمية الموضوعات القائمة على العلم (وإن كان ذلك بطريقة مختلفة بطريقة ما).
    بعد أن حضرت شخصياً لتشهد محاكمة أدولف أيخمان في أعقاب الهولوكوست، صاغت حنة أرندت عبارة "تفاهة الشر". وبقولها ذلك، لم تقصد أن الأفعال الشريرة أصبحت الآن غامرة الشيوع لدرجة أنها تبدو لنا عادية ويومية. بدلاً من ذلك، قالت أن أشكال الاشتراكية القومية وهياكلها أثرت في استحداث درجة جديدة من الفصل بين ذات المرء وحياة الآخرين وتفكيرهم.
    كان حراس معسكرات الموت قادرين على تنفيذ روتينهم اليومي، ليس لأنهم أشرار بطبيعتهم، ولكن لأنهم كانوا يتصرفون ضمن آليات لبيروقراطية نجحت في فصلهم وتجريدهم عن الضحايا. أصبح موت الملايين مجرد مهمة لوجستية يتعين القيام بها. وسوف يركز الحراس على دقائق وفورية الروتين البيروقراطي لدرجة أنهم يفقدون القدرة الأوسع على تخيل ما الذي يكون عليه وضع الضحايا فعلياً. وهكذا، تكمن "تفاهة" الشر التي تشير إليها أرندت، في نهاية المطاف، في افتقاره للخيال.
    ربما تكون هذه الحقيقة قد تأكدت من خلال واحدة أخرى من الفظائع الطقسية للنازية -حرق الكتب. من المؤكد أن النظام أراد أن يقمع أي تيارات للمعلومات تتعارض مع فلسفته الاجتماعية الخاصة -حيث استهداف المفكرين السياسيين الذين يشتغلون بالتقليد الماركسي بشكل خاص. لكن مجموعة متنوعة من الأعمال الأدبية تم استخدامها أيضاً لتغذية الحريق وتسعير اللهب. وتم حرق روايات ويلز، وهيمنغواي، وجويس، وهكسلي وتولستوي ومان وغيرهم الكثير.
    إذا كانت قوة النازية وفاعليتها قد اعتمدتا على فصل موظفيها عن الضحايا من خلال وسائل بيروقراطية معقدة، فيمكن للمرء أن يقول إن الفن والأدب يعملان في الاتجاه المعاكس تمامًا. من خلال الأدب لا يتم فصل المرء عن الآخرين. بدلاً من ذلك، يكون المرء ملزما بالعيش في أفكار ومشاعر الشخص الذي أبدع الرواية أو القصيدة أو المسرحية. ويصاب المرء بعدوى إنسانية الفنان –تتحرك مشاعره، يُستثار، ويرتعب، ويتسلى يضطرب -ولكن قبل كل شيء، يجعل الأدب المرء يتعاطف مع حالة الآخر في –وخلال- قلب صفحة الكتاب.
    لم تكن غاية النازيين من حرق الكتب هي القضاء على المعلومات ذات الطابع المعادي للنظام فحسب. لم يكن الأمر يتعلق بإعدام القدرة على التفكير فقط، وإنما بإنهاء القدرة على الشعور أيضاً. لم يكن الأمر يدور حول حرق الكتب فحسب. كان الأمر يتعلق بإحراق الخيال الإبداعي نفسه. إلى جانب بنادقه، وقواته، وقمعه الجسدي، وفصله العنصري الوحشي، ومعسكرات اعتقاله، وتسخيره العبيد ومصانع الموت -طلب النظام النازي موت الأدب والخيال من أجل الحفاظ على بقائه الخاص.
    في نهاية المطاف، سوف يكون انتقاد النزعة الكسولة، المتفشية، لمناهضة الثقافة، التي تعد منتجات خيالنا الإبداعي غير ضرورية بطريقة ما "للعالم الحقيقي" –سوف يكون أكثر فاعلية من خلال تأملنا العميق والمركز لتلك الأماكن حيث جرى تحويل الخيال إلى رماد.
    *Tony McKenna: كاتب تظهر مقالاته في مواقع "الجزيرة" و"هفنغتون بوست" و"نيو إنترناشيوناليست"، و"ذا بروغريسيف" و"نيو ستيتسمان" وغيرها. من مؤلفاته: "الفن والثقافة من منظور ماركسي"؛ "الدكتاتور، الثورة والآلة: سرد سياسي لجوزيف ستالين"؛ ورواية أولى هي "الضوء المحتضر"؛ و"نحو الأبد: تأملات جذرية في تاريخ الفن"؛ و"الحرب على الماركسية: التجديد والثورة".
اضافة اعلان

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Power of Words
هامش المترجم:
(1) كان السير جيمس ماثيو باري Sir James Matthew Barrie، الذي توفي في العام 1937 روائيًا وكاتبًا مسرحيًا أسكتلنديًا. وكان من بين إبداعاته التي يتم تذكره بها ابتكار شخصية بيتر بان في "الولد الذي لن يكبُر"، وهي مسرحية خيالية من العام 1904 حول فتى دائم الشباب لا يكبر وفتاة عادية اسمهما ويندي، واللذين يخوضان مغامرات في أجواء "نيفرلاند" الخيالية.