قول "لا" لدعاة الحرب

أوروبيون يتظاهرون ضد الحرب مع إيران - (أرشيفية)
أوروبيون يتظاهرون ضد الحرب مع إيران - (أرشيفية)

جيفري د. شاس*

نيويورك- كان الاتفاق الذي تم التوصل إليه في فيينا لكبح جِماح الأنشطة النووية في إيران سبباً في إصابة دعاة الحرب بحالة من الهياج الشديد. وينبغي للمواطنين في مختلف أنحاء العالم أن يدعموا الجهود الشجاعة التي يبذلها الرئيس الأميركي باراك أوباما لإحباط مناوراتهم، وأن يستمدوا الشجاعة من حقيقة أن قائمة الموقعين على الاتفاق لا تشمل الولايات المتحدة فحسب، وإنما الدول الخمس كافة دائمة العضوية في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة، بالإضافة إلى ألمانيا أيضاً.اضافة اعلان
لا تخلو حكومة أوباما ذاتها من دعاة الحرب. ويناضل أغلب الأميركيين في محاولة لفهم الحالة الأمنية الدائمة التي تعيشها بلادهم؛ حيث يبدو الأمر وكأن الساسة المنتخبين هم الذين يديرون العرض. ولكن، كثيراً ما يكون زمام القيادة في يد وكالة الاستخبارات المركزية ووزارة الدفاع -وهي الحالة التي تتحرك بطبيعتها نحو الحلول العسكرية، وليس الحلول الدبلوماسية، لتحديات السياسة الخارجية.
منذ العام 1947، عندما تأسست وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية، كانت الولايات المتحدة تدير سياسة مستمرة شبه سرية، والتي تسعى إلى إسقاط حكومات أجنبية. وكانت وكالة الاستخبارات المركزية مصممة لتجنب الإشراف الديمقراطي الحقيقي وتزويد الرؤساء بقدر من "الإنكار المقبول". وقد استمرت وكالة الاستخبارات المركزية في إسقاط العشرات من الحكومات في مختلف مناطق العالم، من دون التعرض لأي قدر من المساءلة، سواء في الخارج أو في الداخل.
كنت قد تناولت بالدراسة مؤخراً إحدى فترات نشاط وكالة الاستخبارات المركزية في كتابي "تحريك العالم: مسعى جون كينيدي من أجل السلام". فبعد فترة وجيزة من تولي كينيدي منصب الرئاسة في العام 1961، "أبلغته" وكالة الاستخبارات المركزية بمكيدتها الرامية إلى إسقاط فيدل كاسترو. وشعر كينيدي بأنه في ورطة: هل يقر غزو وكالة الاستخبارات المركزية المخطط لكوبا أم يعترض عليه؟ ولأن مثل هذه الألعاب المروعة كانت جديدة عليه، حاول كينيدي التعامل مع الأمر من كلا الاتجاهين، فسمح بالعملية، ولكن من دون غطاء جوي أميركي.
كان الغزو بقيادة وكالة الاستخبارات المركزية، والذي نفذته مجموعة متنافرة من المنفيين الكوبيين في خليج الخنازير، فشلاً عسكرياً وكارثة في السياسة الخارجية على حد سواء. وقد أفضى إلى اندلاع أزمة الصواريخ الكوبية في العام التالي. وأثناء أزمة الصواريخ، كان أغلب كبار المسؤولين الأمنيين الذين تولوا مهمة تقديم المشورة للرئيس راغبين في شن عمل عسكري ضد القوات السوفياتية، وهو المسار الذي كان لينتهي إلى الإبادة النووية. غير أن كينيدي رفض مشورة دعاة الحرب، وكانت له الغَلَبة في الأزمة من خلال الحلول الدبلوماسية.
بحلول العام 1963، لم يعد كينيدي يثق بمشورة العسكريين ووكالة الاستخبارات المركزية. وكان ينظر إلى العديد من مستشاريه المفترضين باعتبارهم يشكلون تهديداً للسلام العالمي. وفي ذلك العام، استخدم كينيدي الدبلوماسية بلا هوادة وبمهارة للتوصل إلى الاتفاق النووي الخارق مع الاتحاد السوفياتي، معاهدة الحظر الجزئي للتجارب النووية.
في ذلك الوقت، سارع الشعب الأميركي بقوة -وعن حق- إلى دعم جهود كينيدي ضد دعاة الحرب. لكن جون كنيدي اغتيل بعد ثلاثة أشهر من توقيع المعاهدة.
من منظور التاريخ، تتلخص وظيفة رؤساء الولايات المتحدة الرئيسية في الاستعانة بالقدر الكافي من النضوج والحكمة للوقوف في وجه آلة الحرب المستدامة. وقد حاول كينيدي؛ ولكن خليفته ليندون جونسون لم يفعل، وكانت كارثة فيتنام هي النتيجة. كما حاول جيمي كارتر؛ ولكن ريغان لم يفعل (ساعدت وكالة استخباراته المركزية في إطلاق العنان للموت والفوضى في أميركا الوسطى طيلة ثمانينيات القرن العشرين). وحاول كلينتون في كثير من الأحيان (ما عدا في منطقة البلقان)؛ ولم يفعل جورج بوش، بل كان حريصاً على توليد حروب واضطرابات جديدة.
بشكل عام، حاول أوباما كبح جِماح دعاة الحرب، ولكنه كثيراً ما استسلم لهم -ليس فقط بالاعتماد على طائرات مسلحة من دون طيار، بل وأيضاً من خلال شن حروب سرية في سورية، وليبيا، واليمن، والصومال، وأماكن أخرى من العالم. ولم يعمل أوباما حقاً على إنهاء الحروب الأميركية في العراق وأفغانستان؛ بل استعاض عن القوات على الأرض بالطائرات الأميركية من دون طيار، وبالغارات الجوية، والمتعاقدين "السريين".
من المؤكد أن التعامل مع إيران يُشكل أفضل لحظات أوباما، وهو يمثل حدثاً تاريخياً يستحق التأييد التام. والواقع أن الصعوبات السياسية التي ينطوي عليها صنع السلام مع إيران تماثل تلك التي واجهت جون كينيدي في صنع السلام مع الاتحاد السوفياتي في العام 1963. وكان الأميركيون متشككين في إيران منذ اندلاع الثورة الإسلامية في العام 1979 وأزمة الرهائن اللاحقة؛ حيث احتجز طلبة إيرانيون 52 مواطناً أميركياً في السفارة الأميركية لمدة 444 يوماً. ولكن شكوكهم تعكس أيضاً استغلال القومية المتعصبة والافتقار إلى المنظور السليم للعلاقات بين الولايات المتحدة وإيران.
كان قِلة من الأميركيين يعلمون أن وكالة الاستخبارات المركزية أطاحت بالحكومة الإيرانية الديمقراطية في العام 1953. وقد تحلى الإيرانيون بالجرأة لانتخاب رئيس الوزراء التقدمي العلماني الذي كان يعتقد أن ثروة البلاد النفطية تنتمي إلى شعبها، وليس للمملكة المتحدة أو الولايات المتحدة. وقليلون من الأميركيين يتذكرون أن وكالة الاستخبارات المركزية أقامت بعد الانقلاب دولة بوليسية وحشية تحت حكم الشاه.
على نحو مماثل، في أعقاب الثورة الإيرانية في العام 1979، قامت الولايات المتحدة بتسليح العراق في عهد صدّام حسين لكي يخوض حرباً ضد إيران، وهي الحرب التي أسفرت عن مئات الآلاف من القتلى بين الإيرانيين في ثمانينيات القرن العشرين. وكان الهدف من العقوبات الدولية بقيادة الولايات المتحدة، والتي فُرِضَت على إيران من التسعينيات فصاعداً، إفقار النظام الإسلامي وزعزعة أركانه ثم إسقاطه في نهاية المطاف.
اليوم، يحاول دعاة الحرب إفشال اتفاق فيينا. وتخوض المملكة العربية السعودية صراعاً عنيفاً ضد إيران من أجل تأمين سيادتها الإقليمية، مع تلاقي المنافسة الجيوسياسية مع الخصومة السُنّية الشيعية. وتريد إسرائيل، وهي القوة النووية الوحيدة في الشرق الأوسط، الحفاظ على احتكارها الاستراتيجي. ويبدو أن دعاة الحرب في الولايات المتحدة يعتبرون أي دولة إسلامية نظاماً آن أوان إسقاطه.
كان أوباما محقاً في الاحتجاج بأن مصالح أميركا الحقيقية، ومصالح العالم، هي مع السلام وليس الصراع المستمر مع إيران. ولا يجوز للولايات المتحدة أن تناصر أياً من طرفي الصراع السُنّي الشيعي؛ ولكن الأمر الواضح هو أن الولايات المتحدة تواجه إرهاباً سُنّياً في الأساس، بتمويل من بعض الدول العربية، وليس إرهاباً شيعياً تدعمه إيران. كما أن أوباما محق أيضاً في اعتقاده، رغم حجج إسرائيل ومزاعمها، بأن الاتفاق سيقلل من إمكانية تحول إيران إلى دولة نووية في أي وقت في المستقبل.
تتلخص أفضل طريقة لضمان هذه النتيجة في تطبيع العلاقات مع إيران، ومساعدة اقتصادها على تحقيق التعافي، ودعم اندماجها في المجتمع الدولي. وتشكل إيران حضارة عظيمة وقديمة. ومن المؤكد أن من شأن انفتاحها على العالم كمكان للعمل والسياحة والفنون والرياضة أن يعزز الاستقرار والازدهار العالميين.
سوف تكفل المعاهدة الجديدة منع إيران على نحو يمكن التحقق منه ولفترة لا تقل عن عشر سنوات من تطوير سلاح نووي، فضلاً عن إلزامها بمعاهدة منع الانتشار النووي لاحقاً. وهذا هو الوقت المناسب لإطلاق عملية التقارب على نطاق أوسع بين الولايات المتحدة وإيران وبناء نظام أمني جديد في الشرق الأوسط والعالم، والذي يقودنا في نهاية المطاف إلى نزع السلاح النووي على مستوى العالم بالكامل. غير أن تحقيق هذه الغاية يتطلب أولاً وقبل كل شيء نبذ الحرب (بما في ذلك حروب وكالة الاستخبارات المركزية السرية) والاستعانة بالتجارة وغيرها من أشكال التبادل السلمي.

*أستاذ التنمية المستدامة، وأستاذ سياسة وإدارة الصحة، ومدير معهد الأرض في جامعة كولومبيا. وهو أيضاً مستشار خاص للأمين العام للأمم المتحدة حول الأهداف التنموية للألفية. من كتبه "نهاية الفقر، الثروة المشتركة"، وآخرها "عصر التنمية المستدامة".
*خاص بـ "الغد"، بالتعاون مع "بروجيكت سنديكيت"، 2015.