كنت في رفح وأفزعني ما رأيت

1715432982838052300
الغزو الإسرائيلي لرفح سيسبب كارثة إنسانية على مستوى غير مسبوق - (المصدر)

ميلاني وارد – (إندبندنت عربية) 9 أيار (مايو) 2024

 

أثناء زيارتي إلى غزة الشهر الماضي رأيت ما يشبه الجحيم على الأرض. وسوف يتسبب احتمال حدوث غزو بري بمعاناة إنسانية جماعية وبكارثة أخرى على مستوى الرعاية الصحية في القطاع. حتى العاملين في المجال الصحي يكافحون ويتحملون مصاعب لا يمكن تصورها، وفي بعض المناطق الشمالية، يلجأ البعض إلى أكل البذور المخصصة للطيور من أجل البقاء على قيد الحياة. وقد أصبح التدخل العاجل لتنفيذ وقف إطلاق النار ملحاً للغاية... لا بد للتاريخ أن يحكم في النهاية على جميع المتواطئين في المعاناة والفظائع التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين في غزة، وأن يحاسبهم.اضافة اعلان
                         *   *   *
أصدر الجيش الإسرائيلي يوم الاثنين الفائت توجيهات لنحو 100.000 شخص في شرق مدينة رفح، بوجوب إخلاء المنطقة، والانتقال إلى نقاط ساحلية مكتظة أساساً بالناس وتفتقر إلى الأماكن الكافية لإيوائهم وإلى المواد الإنسانية الأساسية اللازمة لإعالتهم. وفي وقتٍ لاحق، كثفت القوات الإسرائيلية غاراتها على المدينة الواقعة جنوب قطاع غزة، واستولت على معبر رفح في الجانب الفلسطيني، في ما يبدو بداية لتوغل عسكري كارثي في رفح.
كنتُ قد شاهدت خلال زيارتي إلى غزة الشهر الماضي مشهدا أشبه بجحيم على الأرض. هناك أكثر من مليوني إنسان محاصرون في مساحة صغيرة، يتعرضون لقصف متواصل منذ أكثر من 200 يوم، بينما يتضورون جوعا بطريقة لم يشهد لها العالم مثيلاً ، وسط تدمير المقومات الأساسية للحياة، كالمنازل والمستشفيات والمدارس والجامعات والمساجد، التي سوي غالبيتها بالأرض.
كانت حصيلة هذا الصراع حتى الآن هي فقدان نحو 35.000 شخصٍ حياتهم، وإصابة قرابة 76.000 بجروح. وما رأيته في الجهة المقابلة لمعبر رفح، كان مثيراً للذهول، وتمثل في أكوام مكدسة من الإمدادات الطبية الأساسية المطلوبة بشدة التي تم منع دخولها إلى القطاع، بما فيها عكازات، وكراس متحركة، ومعدات تخدير، وأجهزة أشعة سينية وغيرها من المعدات التي هناك حاجة ماسة إليها لتخفيف معاناة المتضررين من الصراع.
لا توجد كلمات يمكنها أن تعبر بشكل كاف عن حجم معاناة الناس والأزمة الإنسانية التي تتكشف في غزة. وقد أظهر العاملون في مجال الإغاثة داخل القطاع من جانبهم، وعلى الرغم من تهجيرهم من منازلهم هم أيضاً، تفانياً كبيرا في تقديم المساعدة والرعاية الطبية للذين هم في أمس الحاجة إليها، وهم يكافحون ويتحملون مصاعب لا يمكن تصورها، وفي بعض المناطق الشمالية، يلجأ البعض إلى أكل البذور المخصصة لإطعام الطيور من أجل البقاء على قيد الحياة.
لقد شاهد هؤلاء الموظفون بيأس على مدى الأشهر السبعة الأخيرة قيام الجيش الإسرائيلي بتفكيك البنية التحتية للرعاية الصحية بشكلٍ منهجي، بعد أن كانوا قد عملوا لأعوام على بنائها وتطويرها. ومن بين 36 مستشفى، ما يزال 12 مستشفى فقط يعمل بشكل جزئي. وفي رفح، هناك ثلاثة مستشفيات فقط تجد صعوباتٍ كبيرة في تلبية حاجات أكثر من مليون شخص، مع عددٍ محدود للغاية من الأسرّة. حتى أن أحد الأطباء أخبرني بأنه لا يوجد سوى 18 حاضنة متاحة لـ58 طفلا حديثي الولادة. كما أن التدفق المستمر للمرضى والمصابين يفوق طاقتهم بسبب تفاقم معدلات سوء التغذية الحاد الناجم عن عرقلة إسرائيل وصول مساعداتٍ كافية إلى المنطقة.
أوامر الإخلاء التي أصدرتها السلطات الإسرائيلية في رفح، بثت الخوف والارتباك في صفوف المدنيين الذين يعانون أساساً من ظروفٍ مزرية داخل المدينة. وكان أكثر من ثلثي سكان قطاع غزة البالغ عددهم مليونان و300 ألف نسمة -بمَن فيهم أكثر من 600.000 طفل- قد لجأوا إلى مدينة رفح. 
وتتسبب النفايات البشرية غير المعالجة في تفشي الأمراض وتكاثرها في بحيراتٍ متاخمة لخيام النازحين، حيث يكافح هؤلاء الأطفال وأسرهم من أجل البقاء على قيد الحياة. وتمتد هذه الملاجئ المؤقتة على طول الساحل، ولا توفر سوى القليل من الحماية، ما يترك النازحين محاصرين من جهة بالبحر، ومن الجهة الأخرى بجيش معادٍ يواجه اتهامات بارتكاب إبادة جماعية أمام أعلى محكمة في العالم. أما المرفق الطبي الرئيس في رفح، مستشفى "أبو يوسف نجار"، فلا يعمل إلا بشكلٍ جزئي في الوقت الراهن، ويقع في المنطقة التي صدر الأمر الإسرائيلي بإخلائها، مما يجعل نقل المرضى المصابين بأمراض خطيرة بأمان أمرا شبه مستحيل.
لا توجد عملياً خطة إخلاء قابلة للتطبيق في رفح يمكنها حماية المدنيين من الهجوم الوشيك. فمن شمال قطاع غزة إلى جنوبه، ما من مكان آمن، ولا حتى تلك الأماكن التي تم تحديدها على أنها "مناطق آمنة". وقد استُهدف، حتى "فريق الطوارئ الطبي" Emergency Medical Team المشترك بين منظمتنا "المساعدات الطبية للفلسطينيين" Medical Aid for Palestinians (MAP)، و"لجنة الإنقاذ الدولية" International Rescue Committee (IRC) بغارةٍ جوية إسرائيلية في كانون الثاني (يناير)، على الرغم من أن أفراده كانوا موجودين في مبنى معزولٍ داخل محددة في ذلك الوقت على أنها "منطقة آمنة". وتظل غزة أحد أكثر الأمكنة خطورةً على وجه الأرض بالنسبة للعاملين في مجال الرعاية الصحية والإغاثة وللأطفال والمدنيين، على حد سواء.
وكان ما زاد الأمر سوءاً أن الهجوم الأخير الذي شنته إسرائيل، أدى إلى تعطيل معبري رفح وكرم أبو سالم، وهو ما تسبب في خنق وصول المساعدات المحدودة أساساً، والمسموح بدخولها إلى غزة. ويأتي هذا التطور في أعقاب تقييم أجراه رئيس "برنامج الأغذية العالمي" World Food Program، نبه إلى أن شمال غزة يعاني من "مجاعةٍ شاملة"، وهي "تنتقل تدريجاً الآن نحو جنوب القطاع".
وحتى لو أُعيد فتح هذه المعابر قريبا، فلا توجد خطة محددة توضح بالتفصيل كيفية توزيع المساعدات بشكل آمن وسط العمليات العسكرية الإسرائيلية المستمرة في المنطقة، ومن المؤكد أن هذه المساعدات ليست بالمستويات المطلوبة لتلبية الحاجات اللازمة.
وإذا ما استمر الهجوم الإسرائيلي على رفح، فلا شك في أن عدد الضحايا المدنيين سيرتفع بوتيرة أسرع، وسيشهد ما تبقى من البنية الأساسية في غزة المزيد من الدمار.
عندما كنتُ في أحد المستشفيات الرئيسة في غزة، اقتربت مني إحدى الأمهات متوسلة أن أنقل إلى العالم طبيعة الواقع الذي يعيشه الناس في القطاع. وقد افترضت أن الخارج لا يعرف بما يدور هناك، لأنه لو كنا نعلم فمن المؤكد أنه كان سيتم اتخاذ إجراءات حاسمة لوقف تلك الفظائع. كيف تقولون لأم يطغى عليها اليأس أن العالم غير مبالٍ بمعاناة أطفالها، وأن بعض الدول، بما فيها بلدنا، تواصل تقديم الأسلحة نفسها التي تزيد من قسوة هذه المعاناة؟
لا بد أن يحكم التاريخ في النهاية على جميع المتواطئين في المعاناة والفظائع التي ارتُكبت بحق الفلسطينيين في غزة، ويحاسبهم. من غير المقبول إطلاقاً أن تواصل حكومة المملكة المتحدة بيع أسلحةٍ لإسرائيل وسط هذه الأزمة. ومن الضروري اتخاذ إجراء عاجل من أجل التوصل إلى وقفٍ فوري ودائم لإطلاق النار. ويتعين على زعماء العالم التدخل لمنع تصعيد الغزو في رفح، ولجم التصعيد الكارثي للأزمة الصحية والإنسانية هناك ووصولها إلى مستويات غير مسبوقة.
*ميلاني وارد: الرئيسة التنفيذية لمنظمة "المساعدات الطبية للفلسطينيين"، وكانت قد زارت غزة ما بين الثامن والعاشر من نيسان (أبريل) الماضي.