كيف أصبحت احتجاجات الطلاب من أجل غزة عالمية‏؟

1715432581158033100
مخيم احتجاجي مؤيد للفلسطينيين في حرم جامعة أكسفورد البريطانية – (المصدر) ‏

‏‏‏جيل فيليبوفيتش‏ - (نيو ستيتسمان) 2024/5/8

تنتشر الاحتجاجات المؤيدة لفلسطين في الجامعات الغربية -لكن الولايات المتحدة فقط هي التي ردت بعنف الشرطة من الدرجة العسكرية.‏
                      *   *   *
‏‏‏الاحتجاجات المؤيدة للفلسطينيين‏‏ التي تأججت في حرم الجامعات في الولايات المتحدة عبرت المحيط الأطلسي. وأقام الطلاب في جامعتي كيمبريدج وأكسفورد البريطانيتين مخيمات "منطقة تحرير" الخاصة بهم، بينما ينتشر المزيد من هذه المخيمات في الجامعات في مختلف أنحاء المملكة المتحدة. وحتى الآن، كانت الاحتجاجات سلمية إلى حد كبير، وصغيرة نسبيا مقارنة بنظيراتها الأميركية.‏

اضافة اعلان


‏لبت العديد من المؤسسات البريطانية مسبقا أحد المطالب الرئيسية للمتظاهرين الأميركيين -توقف جامعتهم عن الاستثمار في الشركات التي تصنع الأسلحة، لكن المحتجين في المملكة المتحدة ما يزالون يطالبون بمزيد من الشفافية.

 

كما يدعو نشطاء جامعة أكسفورد إلى سحب الاستثمارات من أي شركة "متواطئة في الإبادة الجماعية والفصل العنصري الإسرائيليين واحتلال فلسطين"، وقطع جميع العلاقات الأكاديمية مع الجامعات الإسرائيلية، وأن تدفع الجامعة للمساعدة في إعادة بناء مؤسسات التعليم العالي في فلسطين.‏


ويقوم الطلاب في فرنسا، وألمانيا، وإيطاليا، وهولندا، ‏‏وأستراليا‏‏ وكندا وأماكن أخرى بإقامة مخيمات احتجاجية واحتلال المباني الجامعية.

 

وقد تم استدعاء الشرطة إلى بعض الجامعات، لكن أيا منها لم يتحول إلى الفوضى والعنف المطلقين اللذين شوهدا في جامعات الولايات المتحدة.‏


‏تبقى الولايات المتحدة مكانا من نوع خاص -أكثر عنفا وامتلاء بالأسلحة النارية من أقرانها، وغالبا ما تكون شرطتها مسلحة بطريقة تجعل عناصرها أقرب إلى الجنود منهم إلى ضباط إنفاذ القانون. ويجعل ادعاءها بأنها أرض الأحرار، والأمة التي تحتضن المعارضة وحرية التعبير، من قمع الاحتجاجات فيها أكثر فظاعة.‏


‏تضع بعض هذه الاحتجاجات مديري الجامعات في جميع أنحاء الغرب في موقف صعب. في "معهد العلوم السياسية" في باريس، على سبيل المثال، احتل المحتجون المبنى الرئيسي.

 

وبعد انهيار الحوار مع الإدارة، رفضوا التفرق على الرغم من أنهم كانوا يؤثرون في قدرة الجامعة على عقد الامتحانات، وفقا للإدارة.

 

يجب منح الطلاب حرية كبيرة للتعبير عن مظالمهم، ولكن لا ينبغي أن يكون لهم الحق في إعاقة تعليم أقرانهم. ولكن، عندما جاءت الشرطة لتفريق الاحتجاجات، لم يكن ذلك غارة فوضوية بأسلحة من المرتبة العسكرية.‏ 


كما لا ينبغي السماح للطلاب المحتجين بتقييد قدرة أقرانهم على استخدام المساحات المشتركة، أو تعريضهم لاختبارات أيديولوجية للسماح بدخولهم إلى المساحات المشتركة كما حدث في الولايات المتحدة. في جامعة كولومبيا، استولى بعض المتظاهرين على المساحات المشتركة وأعلنوها "خالية من الصهيونية".

 

وفي جامعة ييل، طلب المنظمون من أي شخص يسير عبر مخيم أقاموه في حديقة الجامعة أن يتعهد بالولاء لمبادئ سياسية، بما فيها "التحرير الفلسطيني".

 

يجب أن يواجه الطلاب الذين يستخدمون مثل هذه الأساليب إجراءات تأديبية، وكذلك أولئك الذين ينتهكون قواعد عدم التمييز.‏


‏لكن استدعاء الشرطة، كما فعلت جامعات مثل ‏‏كولومبيا‏‏ وإيموري وجامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس (UCLA)، هو تصعيد ساذج وخطير.

 

إن الشرطة في الولايات المتحدة تقتل في كثير من الأحيان أكثر من الشرطة في فرنسا، وهي الدولة الدولة التي لديها مشكلة وحشية الشرطة الخاصة بها. في العام 2022، أطلق ضباط الشرطة الأميركية النار وقتلوا أكثر من 1.100 شخص. وفي نفس العام، أطلق ضباط الشرطة في إنجلترا وويلز النار وقتلوا ثلاثة أشخاص.‏


‏الواقع أن من شأن الدرجة التي تبدو بها الشرطة الأميركية أشبه بأفراد الجيش منها بعناصر إنفاذ قانون أن تصدم العديد من الأوروبيين -حتى أولئك الذين اعتادوا على رؤية الشرطة المسلحة في شوارعهم. على مدى العقود الثلاثة الماضية، تم إرسال أكثر من 7 مليارات دولار من المعدات العسكرية من الجيش الأميركي إلى أجهزة إنفاذ القانون.

 

ولا تمتلك الشرطة في الولايات المتحدة المسدسات والبنادق والشارات والدروع فحسب. إنها تمتلك مركبات مقاومة للألغام ودبابات وطائرات عسكرية ومتفجرات. وتمتلك وكالات إنفاذ القانون الأميركية ما يقدر بنحو مليون قطعة سلاح ناري.‏


‏كما تتمتع الشرطة الأميركية أيضا بمستوى لا مثيل له من الحصانة القانونية.

 

وتعني "الحصانة المشروطة" أنه حتى الضباط الذين يَقتلون أو يجرحون المواطنين الذين يُفترض أن رجال الشرطة يتقاضون رواتبهم لخدمتهم وحمايتهم يتمتعون بحماية قانونية واسعة النطاق، ويفلتون من المحاكمة بشكل عام. وهذا يخلق ثقافة أكثر تساهلا، حيث يتصرف بعض رجال الشرطة مع شعور بالحصانة.‏


‏يرجع الإفراط المتطرف في تسليح أجهزة إنفاذ القانون المحلية جزئيا إلى مشكلة الأسلحة التي فرضتها الولايات المتحدة على نفسها. فنظرا لأن المواطنين الأميركيين يمكنهم تسليح أنفسهم بسهولة، يصبح كونك ضابط شرطة هناك وظيفة أكثر خطورة مما هي عليه في بريطانيا، مثلا: توفي 47 ضابط شرطة أميركي بالرصاص أثناء أداء واجبهم في العام 2023. أما في المملكة المتحدة، فإن مقتل ضابط شرطة واحد يُعتبر حدثا نادرا بشكل مذهل. وهذا يخلق حلقة مفرغة، حيث يصنع السكان المسلحون جيدا بالضرورة طلبا على أجهزة إنفاذ قانون أفضل تسليحا.

 

وعندما يتم تدريب الشرطة على الاعتقاد بأن كل شخص يصادفونه ربما يحمل سلاحا فتاكا (كما هو الحال في الولايات المتحدة)، فإنهم سيكونون أكثر عرضة للرد باستخدام القوة المفرطة.

 

ويستمر أثر هذا التدريب حتى عندما يسير ضباط الشرطة في مخيم أقامه أولاد جامعيون يساريون يحرصون على تجنب حساسية الموز والجوز، والذين من غير المرجح أن يكونوا مسلحين وخطرين.

 

وقد أوضحت طلبات المتظاهرين التي قدموها لإداراتهم أنهم مهتمون بالحصول على وجبات خفيفة خالية من الغلوتين أكثر من اهتمامهم بحمل الأسلحة، وأخمن أن عدد المتظاهرين الذين يمتلكون طبول بونغو يفوق بكثير عدد كل أولئك الذين تعاملوا مع المسدسات منهم في أي وقت.‏


سوف يجعل الجمع بين إنفاذ القانون العسكري والقليل من المساءلة القانونية من استدعاء الشرطة لضبط الطلاب المحتجين أمرا بالغ الخطورة في الولايات المتحدة.

 

‏‏صحيح أن الجامعات‏‏ ملزمة قانونا بتوفير التعليم لطلابها وضمان عدم إعاقته بأشكال مختلفة من التمييز. لكن لدى الجامعات أيضا التزام أساسي بالحفاظ على سلامة طلابها جسديا.‏


‏ثمة القليل من الأدلة على أن المتظاهرين المؤيدين للفلسطينيين عرَّضوا السلامة الجسدية لأي أحد للخطر. وعلى النقيض من ذلك، يبدو أن الذي حرض على أكبر مشاجرة كان حشد يميني من أشخاص معظمهم من الذكور في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، في حين فشل ضباط الشرطة في التدخل.

 

وفي جميع أنحاء البلاد، انتشرت شكاوى المتظاهرين من معاملة الشرطة لهم بعنف من دون داع. وقد تصرف وكلاء إنفاذ القانون الأميركيون "بشكل مهني" وفقا لمعظم الروايات -لكن عمل الشرطة المهني في الولايات المتحدة ينطوي على ما يبدو على إطلاق الغاز المسيل للدموع على الطلاب، وإطلاق النار عليهم بالرصاص المطاطي، وإلقاء الأكاديميين على الأرض، مما يصنع مشاهد تبدو عموما أكثر شبها بمناطق الحرب منها بمساحات خضراء ريفية المظهر في حرم جامعي.‏


يحدث هذا في بلد يعرف نفسه بأنه المكان الأكثر حبا للحرية على هذا الكوكب، وفي المؤسسات التي لا تقدس حق الاحتجاج وحرية التعبير فحسب، وإنما شجعت النشاط المناصر للقضايا المختلفة واعتناق موقف "أستطيع تغيير العالم" بين الطلاب وأعضاء هيئة التدريس وأولئك الذين يريدون أن تتم دعوتهم إليها ذات يوم.‏


‏لا يمكن أن تصبح الجامعات مكانا للاحتجاج الحر والمجاني للجميع. في الحقيقة، تبدو بعض مجموعات الاحتجاج في الحرم الجامعي أقل اهتماما بالتفاوض من اهتمامها بالفدية: عندما لا تحصل على ما تريد، فإنها تعمد إلى التصعيد، مما يجعل الحياة الجامعية غير مقبولة على نحو متزايد.

 

لكن استدعاء الشرطة لقمع الاحتجاجات ليس مجرد جلب مسدس إلى شجار بالسكاكين -إنه يعني جلب أسلحة من الدرجة العسكرية إلى موقع التخييم.‏


مع ذلك، ‏لم يتمكن تدخل أجهزة إنفاذ القانون من قمع الاحتجاجات. وأنا أتساءل عما إذا كانت الاحتجاجات -لو لم تقم جامعة كولومبيا باستدعاء الشرطة لتفكيك مخيمها- ستكون قد انتشرت إلى كل هذه المسافة وبهذه السرعة.

 

لقد أصبح الطلاب المتظاهرون البريطانيون والفرنسيون والأستراليون وغيرهم يرفعون أصواتهم وينصبون خيامهم ويحتلون مباني جامعاتهم تضامنا مع كل من الفلسطينيين الذين يتعرضون لمعاملة وحشية في غزة، والطلاب الذين يتم اعتقالهم في أميركا على حد سواء.

 

ولدى قادة هذه المؤسسات غير الأميركية الفرصة لإثبات أن هناك مسارا أقل عنفا وأكثر انفتاحا يمكن سلوكه. دعونا نأمل أن يفعلوا -وأن قادة الجامعات الأميركية يراقبون.‏


‏*جيل فيليبوفيتش Jill Filipovic: صحفية ومحامية ومؤلفة، تكتب عن السياسة الأميركية لمجلة "نيو ستيتسمان".


 

*نُشر هذا المقال تحت عنوان: How the student Gaza protests went global

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

  التضامن مع فلسطين في أميركا: من الاحتجاج إلى المقاومة‏