كيف تغير الحرب بين إسرائيل وحماس العالم

‏متظاهرون يدعون إلى وقف إطلاق النار في غزة، أمام البيت الأبيض في واشنطن - (أرشيفية)
‏متظاهرون يدعون إلى وقف إطلاق النار في غزة، أمام البيت الأبيض في واشنطن - (أرشيفية)

أتول سينغ؛‏‏ ‏‏وغلين كارل*‏‏ ‏- (فير أوبزيرفر) 9/2/2024
‏يلعب العالم لعبة شطرنج جيوسياسية كبيرة بينما تصبح التحولات الدراماتيكية، على المستويين الإقليمي والعالمي، حتمية.

اضافة اعلان

 

وكان التغيير يختمر منذ فترة طويلة، لكن الحرب الأخيرة بين إسرائيل وحماس هي الشرارة التي أوقدت الشعلة. وقد امتد الصراع بين إسرائيل وحماس من الإقليم إلى الساحة العالمية.‏
*   *   *
‏لطالما كان الكفاح من أجل تشكيل ديناميات القوة في الشرق الأوسط طويلاً ومستمراً. في العام 2020، توسطت إدارة الرئيس الأميركي السابق، دونالد ترامب، في إبرام "اتفاقيات إبراهيم" -اتفاقيات التطبيع بين إسرائيل والدولتين العربيتين؛ البحرين والإمارات العربية المتحدة.

 

كما وقّع كل من المغرب والسودان اتفاقيات تطبيع في وقت لاحق أيضًا. وبدا أن الاختراق الكبير التالي قد أصبح في الأفق حيث كانت المملكة العربية السعودية، وإسرائيل، والولايات المتحدة تتفاوض على اتفاق سلام.‏


‏دفع اتجاه التطبيع العربي مع إسرائيل كلاً من فلسطين وإيران إلى الهامش. وسعت حماس، المدعومة من إيران، إلى تغيير ذلك الواقع، فقامت بشن هجومها على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023.

 

ولم يقتصر الأمر على أن ذلك الهجوم والحرب التي تلته جلبا القضية الفلسطينية إلى مقدمة ومركز الخطاب مرة أخرى فحسب، بل أعادا أيضًا إدخال إيران في لعبة الصراع من أجل النفوذ الإقليمي.‏


الآن، أصبحت أمام إيران انفراجة لم يكن لديها مثلها من قبل. وبطبيعة الحال، كما يقولون في عالم الأعمال: "لا تستثمر أبدًا بأموالك الخاصة".

 

وقد استخدمت إيران حماس للاقتحام والانخراط في القتال من أجل النفوذ الإقليمي، وسوف تستمر في اتباع هذا التكتيك.

 

وتقدم الجماعات الآخرى الموالية، مثل الحوثيين في اليمن و"حزب الله" في لبنان، فرصة لإيران لقلب الديناميات الإقليمية الهشة.

 

وليس هذا فحسب، بل يمكن لإيران أيضًا أن تهدد التجارة العالمية التي تصبح أكثر هشاشة باطراد.


ليست سراً حقيقة أن القوة غير المتمركزة جغرافياً تفوز غالباً على الدول المتمركزة جغرافياً. ولذلك، يمكن لإيران أن تضرب من أماكن عديدة في وقت واحد، مما يمدّد انتشار قوة الولايات المتحدة ويعقد قدرتها على الرد.

 

وكما كان الحال مع الحرب بين الولايات المتحدة وفيتنام، أثبتت الحرب غير المتكافئة نجاحها إلى حد كبير في إقلاق ما بدا أنه دينامية قوة أحادية الجانب.

 

ومن خلال دعم وتمويل جماعات مثل حماس والحوثيين، تعمل إيران الآن على توسيع مركز الانتباه.

 

وفي الواقع، لم يعد العالم يركز على الحرب بين إسرائيل وحماس فحسب، وإنما أصبح التركيز ينصب بشكل متزايد على إيران أيضًا كلاعب مهم يتمتع بنفوذ متزايد.‏


‏تجد القوى الكبرى في الشرق الأوسط نفسها، إلى حد كبير، مثل بحارة أوديسيوس، عالقة بين "سيلا" و"كاريبدس". وتشعر الدول العربية المهمة خصوصًا بالضغط. فمن ناحية، تبقى الحرب مع إسرائيل آخر ما تريده هذه الدول. ولكن من ناحية أخرى، يرى سكانها، وأغلبهم من المسلمين السنة، أن القادة يتجاهلون مشاعر مواطنيهم.

 

وبطبيعة الحال، تقف قلوب الشارع العربي مع إخوانهم المسلمين في فلسطين.

 

وبذلك، يخاطر القادة الإقليميون بأن يُنظر إليهم على أنهم إما ضعفاء أو فاسدون. هكذا وضعت إيران العصا في دواليب خطط النظام العربي.


‏في الحقيقة، انتشرت الارتدادات المتموجة التي تحدثها إيران إلى ما هو أبعد من الحدود الجغرافية للشرق الأوسط أيضًا. فالحوثيون الذين ترعاهم إيران يهاجمون سفن الشحن في البحر الأحمر من قاعدتهم في اليمن. ومن خلالهم، تلحق إيران الضرر بالتجارة العابرة للقارات، وبالتالي بالاقتصاد العالمي بأكمله.‏


‏وقد بدأت الولايات المتحدة تشعر بالتوتر بينما تشن إيران وحلفاؤها ضربات في البحر الأحمر وسورية والعراق وباكستان. وقد تغتنم روسيا والصين الفرصة للتحرك إلى داخل المنطقة بينما تدير الولايات المتحدة ظهرها.

 

وحتى الهند استشعرت التوتر المتصاعد. وفي حين أنها تعلم وجوب محافظتها على صلات مع إيران، فإنه يجب عليها أيضًا أن تتمسك بمبدأ التجارة الحرة في أعالي البحار الذي تهاجمه إيران. ولذلك، بدأت الهند ودول أخرى خارج المنطقة في التوتر.‏


من عالم أحادي القطب إلى مناطق نفوذ متعددة‏

 


‏قد تكون للحرب بين إسرائيل وحماس عواقب دائمة على مستوى العالم. فقد خسرت أوكرانيا، على وجه الخصوص، الكثير في أعقاب 7 تشرين الأول (أكتوبر).

 

وبينما تحوِّل الولايات المتحدة مساعداتها إلى إسرائيل والبحر الأحمر، لا يمكن أن يشق العون طريقه إلى أوكرانيا. وتجد إدارة بايدن صعوبة متزايدة في تقسيم دعمها بين إسرائيل وأوكرانيا.
‏كما تؤثر الاضطرابات في الشرق الأوسط على الولايات المتحدة محلياً أيضاً. فالشعب الأميركي منقسم بين دعم إسرائيل أو فلسطين.

 

وينتقد اليسار الإدارة لرفضها الدعوة إلى وقف لإطلاق النار في قطاع غزة. ويتهم اليمين الإدارة بالتواطؤ مع حماس. ومرة أخرى، يبدو أن الانقسام بين الحزبين قد أضعف تماسك الولايات المتحدة وأفعالها ونفوذها.


‏ليس ضعف النفوذ هو الخطر الوحيد الذي يأتي مع انقسام الرأي العام الأميركي. الآن، يكافح الجمهور لفهم لماذا يجب أن تتورط الولايات المتحدة في أي صراعات في الشرق الأوسط. وهذا يثير الإغراء الذي يواجهه قادة الولايات المتحدة بفك الارتباط عن المنطقة -أو حتى عن العالم بأسره.

 

وسوف يضمن فك الارتباط الفوضى. وسوف تشكل مناطق النفوذ بحكم الأمر الواقع التعاملات الدولية بدلاً من نظام أحادي القطب مدعوم من الغرب.‏


بعبارة أخرى، ما نعرفه عن النظام المعياري أصبح ينهار الآن أمام أعيننا. ‏


‏وسوف تغير هذه الفوضى الوشيكة كل شيء، من سعر أقلام الرصاص إلى كيفية شن الحرب. والحرب بين إسرائيل وحماس هي قطعة انتُزعت من النظام العالمي ليقع فيه الضرر. لن نواجه بعد الآن نظامًا عالميًا أحادي القطب حيث الولايات المتحدة على القمة. بدلاً من ذلك، أصبحنا نواجه الآن نظامًا ‏‏متعدد الأقطاب‏‏. ‏


‏لقد بدأت بالفعل لامركزية السلطة. فقد شرع نفوذ الولايات المتحدة في الشرق الأوسط، الذي خلف الاستعمار الأوروبي في المنطقة، في فقدان مبرره في نظر المواطنين الأميركيين والعالم. وكانت الحرب بين إسرائيل وحماس هي القشة التي قصمت ظهر البعير. وقد انتقل تأثير الدومينو الآن من المنطقة إلى المسرح العالمي.‏


والآن يجري استبدال النظام المعياري، ولا أحد يعرف كيف سيكون النظام متعدد الأقطاب القادم.‏

‏*أتول سينغ Atul Singh: المؤسس والرئيس التنفيذي ورئيس تحرير موقع "فير أوبزيرفر "Fair Observer. درَّس الاقتصاد السياسي في جامعة كاليفورنيا، بيركلي، وكان أستاذًا زائرًا للعلوم الإنسانية والاجتماعية في المعهد الهندي للتكنولوجيا، غانديناغار. عمل ضابطًا في المناطق الحدودية المتقلبة في الهند حيث كانت لديه بعض تجارب الاقتراب من الموت.


‏*غلين كارل Glenn Carle: مؤلف مشهور وقارئ نهم وضابط متقاعد في وكالة المخابرات المركزية يتمتع بخبرة غنية. بصفته نائب ضابط الاستخبارات الوطنية، قاد غلين 17 وكالة في مجتمع الاستخبارات في إعداد أعلى تقييمات الحكومة الأميركية للتهديدات العابرة للحدود للرئيس وأعضاء مجلس الوزراء وكبار القادة العسكريين في البلاد. خلال حياته المهنية، عمل في المكتب التنفيذي للرئيس، ولديه خبرة واسعة في التفاوض والسياسة.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: How the Israel–Hamas War Is Now Changing the World
**سيلا Scylla: هي وحش بحري، نصفه امرأة والنصف سمكة، تنمو من وسطها رؤوس كلاب. كاريبديس Charybdis:‏ هي وحش أسطوري من ملحمة الأوديسة التي كتبها الشاعر الإغريقي هوميروس إبان القرن 8 قبل الميلاد،

وهي من تمتص مياه البحر ثم تلفظها بقوة عاتية تجعل الاقتراب منها ضرباً من الانتحار. وقد كلفت أوديسيوس في الملحمة الكثير من رجاله.

 

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

الحرب بين إسرائيل و"حماس" والسياسة الأميركية