كيف غير انهيار الاتحاد السوفياتي معالم الشرق الأوسط؟

الرئيسان الأسبقان الروسي ميخائيل غورباتشيف والأميركي جورج بوش الأب - (أرشيفية)
الرئيسان الأسبقان الروسي ميخائيل غورباتشيف والأميركي جورج بوش الأب - (أرشيفية)
آنا بورشفسكايا* - (ناينتين فورتي فايف) 21/12/2021 يوضح التفكير في الذكرى الثلاثين لانهيار الاتحاد السوفياتي أن موسكو ونهجها البراغماتي المناهض للغرب لم يغادرا الشرق الأوسط بالكامل. إن روسيا مستمرة في الحفاظ على مكاسبها، وهي تعمل حيثما أمكن لتعزيز نفوذها من دون ترتيب أي التزامات كبيرة على نفسها. * * * لم تندلع إحدى أولى المواجهات الرئيسية بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفياتي في أوروبا، بل في الشرق الأوسط. ففي ربيع العام 1946، رفض جوزيف ستالين لفترة وجيزة سحب الجيش الأحمر من إيران، منتهكاً بذلك الاتفاقات الموقعة مسبقاً. وشكّلت تلك الأزمة اختباراً مهماً للنظام الحديث الذي نشأ بعد الحرب العالمية الثانية، كما كشفت الأهداف العدائية والتوسعية للاتحاد السوفياتي. وفي وقت لاحق، برز الشرق الأوسط كميدان أساسي لمواجهة عالمية بين القوى العظمى. وأشار سقوط الإمبراطورية السوفياتية إلى نهاية حقبة من الاستبداد الشمولي، ووعد بنظام عالمي جديد، حيث اكتست سيادة الدول الصغيرة أهمية. وكان لا بد لهذه اللحظة الفاصلة أن تؤثر على الشرق الأوسط. الاتحاد السوفياتي، أرقد بسلام: التداعيات في الشرق الأوسط في الواقع، انسحبت روسيا ما بعد الاتحاد السوفياتي لفترة وجيزة -وجزئياً- من الشرق الأوسط. وشكّل ذلك انحرافاً في مسار التاريخ، حيث كانت لروسيا مصالح متعددة في المنطقة بشكل عام خلال معظم فترة قيامها ككيان سياسي مستقل. وقد بقيت العديد من هذه المصالح قائمة بعد انهيار الاتحاد السوفياتي. ومع ذلك، لا يمكن فصل الأثر المترتب على الشرق الأوسط عقب سقوط الاتحاد السوفياتي عن الوضع المحلي في روسيا وعلاقتها مع الغرب. وعلى الرغم من أن انهيار الاتحاد السوفياتي كان حدثاً فريداً وتاريخياً، إلا أنه شكّل في الوقت نفسه عملية تفكك إمبريالي ما تزال قائمة حتى اليوم، حيث يشجب الكرملين النظام العالمي "القائم على القواعد" ويؤكد أن القوى العظمى تحتاج إلى مناطق نفوذ متميزة. منح بوريس يلتسن، أول رئيس روسي منتخب ديمقراطياً، الأولوية للاعتبارات المحلية وتوطيد الروابط مع الغرب، ولا سيما في أوائل تسعينيات القرن الماضي، إلّا أن السياسة الخارجية الروسية بشكل عام كانت غير مترابطة. فعندما تعلق الأمر بالشرق الأوسط، اعتمد الكرملين مقاربة عملية -وإن كانت مفككة- والتي ركزت بشكل أساسي على التجارة والدبلوماسية. وبقيت العلاقات مع تركيا وإيران مهمة. كما حافظت موسكو على تواصلها مع عملاء تقليديين مثل العراق وسورية و"حزب الله" اللبناني، على الرغم من تراجع هذا التواصل بشكل ملحوظ، ولم يعد بإمكان موسكو توفير الرعاية لهم. وكذلك، بدأت روسيا بتحسين علاقاتها مع إسرائيل، التي كان الكرملين قد أعاد إقامة علاقات دبلوماسية معها قبل شهرين فقط من انهيار الاتحاد السوفياتي. وفي غضون ذلك، واصلت روسيا دعم البرنامج النووي الإيراني وبيع الأسلحة إلى الجمهورية الإسلامية. لكن الشرق الأوسط لم يكن من أبرز الأولويات الروسية. خلال هذا العقد، كان اهتمام روسيا الرئيسي ينحصر في نفسها، أي في التركيز على هويتها وتحديد فكرة وطنية جديدة. وتؤكد محفوظات بيل كلينتون الرئاسية التي تمّ كشف النقاب عنها مؤخراً وعياً كبيراً بضعف موقف روسيا تجاه الغرب، وتركيزها على أن تتمّ معاملتها على أنها كيان موازٍ له. فكانت روسيا مصممة على العودة إلى المشهد العالمي بشكل أو بآخر. وبدءاً من تشرين الأول (أكتوبر) 1992، كتب وزير الخارجية الروسي الموالي للغرب، أندريه كوزيريف، في صحيفة "موسكوفسكي نوفوستي"، أن روسيا ستصبح "حكماً" قوة عظمى، وهي نقطة كررها بعد نحو عامين في معرض تأييده على صفحات مجلة "فورين أفيرز" لإقامة شراكة أميركية-روسية استراتيجية في سياق عالم "متعدد الأقطاب". تحوّل في المقاربة في نهاية المطاف، خسرت الأصوات الموالية للغرب ذات الميول الليبرالية موثوقيتها لصالح تلك التي فضلت موقفاً أكثر صرامة تجاه الغرب وعلاقات أكثر قرباً مع الشرق. وبالتالي، بحلول العام 1996، حل يفغيني بريماكوف محل كوزيريف. وصاغ بريماكوف رسمياً رؤية لعالم متعدد الأقطاب. ولكن، بينما سعى كوزيريف إلى توطيد الشراكة مع الغرب، وضع بريماكوف تصوراً لمثلث يجمع روسيا- الهند- الصين من أجل إقامة قوة موازنة. وكان بريماكوف، وهو مستعرب ماهر، مدركاً بشكل خاص لحقيقة أن روسيا فقدت نفوذها في الشرق الأوسط وحاول إعادتها إلى المنطقة، وهي رسالة تركت أثراً لدى الكثير من الأشخاص الذين أعربوا عن أسفهم على هذه الخسارة. وعلاوةً على ذلك، منحت رؤية بريماكوف الأوسع نطاقاً لروسيا التركيز الذي افتقرت إليه خلال النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، وهي رؤية تبناها فلاديمير بوتين. من ناحية أخرى، استمرت علاقات روسيا مع الغرب في التدهور. ففي آذار (مارس) 1999، استقل بريماكوف طائرة من موسكو متوجهاً إلى واشنطن، لكنه ألغى الرحلة في منتصف الطريق احتجاجاً على قصف حلف "الناتو" لمواقع عسكرية صربية في كوسوفو رداً على حملة التطهير العرقي ضد ألبان كوسوفو. وبعد تلك الحادثة بوقت قصير، اعترضت موسكو بشدة على الغزو الذي قادته الولايات المتحدة للعراق في العام 2003. وفي هذا الإطار، قال أحد المحللين للشؤون الروسية في نيسان (أبريل) من ذلك العام إن "الصراع الأميركي-العراقي أخرج على ما يبدو إلى العلن مطلباً (روسياً) باستعادة مكانتنا كقوة عظمى". وبعد هجمات 11 أيلول (سبتمبر) 2001، أصبحت مكافحة الإرهاب أولوية رئيسية للولايات المتحدة. أما بالنسبة للكرملين، فقد بقيت العوامل الجيوسياسية ميزة أبدية للنظام العالمي. هنا يأتي بوتين منذ تسلّمه السلطة، عمل بوتين بتأنٍ -بل بثبات- لإعادة روسيا إلى الشرق الأوسط. وتماشياً مع رؤية بريماكوف، سعى إلى إقامة علاقات عملية مع الجهات الفاعلة الرئيسية كافة في المنطقة، حتى وسط تقرّبه في النهاية من جهات فاعلة معادية للغرب. وكانت تلك مقاربة ذات محصلة صفرية معادية للغرب يكون فيها فشل الولايات المتحدة ثمن نجاح روسيا. كما أنها كانت أكثر عملية ومرونة مقارنة مع الغموض الإيديولوجي المتصلّب للاتحاد السوفياتي -وقد أثبتت أنها أكثر نجاحاً. وكان الحلفاء والمنافسون الأميركيون على حد سواء أكثر استعداداً للتعاون مع روسيا في عهد بوتين، إذ تصوّروا أن نسبة التعارض بين العمل مع موسكو وواشنطن في وقت واحد أقل في هذه الفترة. وفي الأعوام اللاحقة، اتسع الصدع بين الغرب وروسيا. وفي خطاب مشهور ألقاه بوتين بعد الحصار الإرهابي لمدرسة في بيسلان في أوسيتيا الشمالية في العام 2004، ألقى باللوم بشكل غير مباشر على الغرب لمحاولته إضعاف روسيا، حيث قال: "روسيا ما تزال إحدى القوى النووية الكبرى في العالم، وهي على هذا النحو ما تزال تمثل تهديداً لهم. وهذا هو السبب لضرورة التخلّص من هذا التهديد. وبالطبع فإن الإرهاب مجرد أداة لتحقيق هذه الأهداف". وتم إلى حدّ كبير فهم مصطلح "لهم" على أنه يعنى الولايات المتحدة والغرب. وفي السياق نفسه، صرّح وزير الخارجية سيرغي لافروف بعد أعوام، قائلاً: "ندرك أن روسيا قوية وواثقة لا تروق للجميع". عودة روسيا واصل الكرملين رؤية يد الغرب في كل زاوية، من الثورات الملونة في مرحلة ما بعد الاتحاد السوفياتي التي جاءت في العام نفسه، مروراً بـ"الربيع العربي" ووصولاً إلى الاحتجاجات داخل روسيا نفسها بعد أعوام عدة. وكانت حملة ليبيا التي نظمها حلف "الناتو" الشكوى الأخيرة في لائحة طويلة من المظالم ضد الإملاءات الأميركية المتصورة. صحيح أن الأسباب وراء تدخل بوتين في سورية كثيرة، لكنه كان يتعلق بشكل أساسي باتخاذ موقف في وجه النظام العالمي بقيادة الولايات المتحدة ومنع هذه الأخيرة من الإطاحة بديكتاتور آخر. لقد عادت روسيا إلى الساحة العالمية وهي تتصرف كما ينبغي. وأعاد هذا التدخل رسمياً روسيا إلى الشرق الأوسط. ومن هذا المنطلق، كان بالتأكيد عاملاً في تغيير قواعد اللعبة، ولكنه أيضاً شكّل خاتمة منطقية لأعوام من بناء النفوذ في المنطقة وعجز الغرب عن رؤية الأهمية الكاملة لهذه التطورات. وبالفعل، اعتقد الغرب، ولفترة طويلة جداً، أن روسيا يمكن أن تكون جزءاً من الحل في سورية وفي أماكن أخرى من المنطقة؛ فالمنافسة الجيوسياسية لروسيا في فترة ما بعد الحرب الباردة في الشرق الأوسط كانت أحادية الجانب. وكانت المنطقة بحدّ ذاتها قد تقرّبت على نحو متزايد من روسيا على مرّ السنين، حيث أدركت صعود نفوذها وتأرجح الغرب، إلى جانب تحويل أولويات السياسة الخارجية الشاملة بعيداً عن المنطقة. روسيا موجودة في الشرق الأوسط لكي تبقى بعد ثلاثين عاماً على سقوط الاتحاد السوفياتي، سيستمر وجود روسيا في الشرق الأوسط لكي تحافظ على مكاسبها وتعمل حيثما أمكن لتعزيز نفوذها من دون أي التزامات مفرطة. ومع استمرار الولايات المتحدة في تغيير أولوياتها، ستجد روسيا المزيد من الفرص لكسب موطئ قدم وترسيخ وجودها بشكل أكبر. وقد سمح غياب الغرب لروسيا بملء الفراغ ودعم القادة الذين تؤيدهم مع إفلاتهم من العقاب على ما يقومون به، الأمر الذي لا يمكن أن يؤدي إلا إلى مزيد من عدم الاستقرار والعنف في المستقبل. إن التاريخ لم ينته بعد، ومنافسة القوى العظمى لا تنتظر أحداً، والاتحاد السوفياتي ما يزال يتداعى. *آنا بورشفسكايا: هي زميلة أقدم في معهد واشنطن ومؤلفة الكتاب الجديد "حرب بوتين في سورية: سياسة روسيا الخارجية وثمن غياب أميركا". الترجمة العربية لمعهد واشنطن.اضافة اعلان