كيف يرتبط تطوير غاز بحر غزة بالاجتياح الإسرائيلي‏ للقطاع؟

1706350268426397800
منصة حفر في حقل "غزة مارين" للغاز قبالة سواحل قطاع غزة - (المصدر)

باتريك مازا‏ - (ذا ريفِن) 2024/1/24

"غزة مارين" هو حقل غاز قبالة سواحل غزة من المفترض أن يكون خاضعا للولاية الفلسطينية، لكن إسرائيل منعت تطويره.

                      *   *   *
 يبدو أن ثمة خيطا مُشتركا ينتظم الصراعات الكبرى التي يشهدها العالم اليوم، هو الوصول إلى مصادر الوقود الأحفوري. أوكرانيا غنية بالفحم والنفط والغاز.

اضافة اعلان

 

ويحتوي بحر الصين الجنوبي على احتياطيات كبيرة تحت سطح البحر من النفط والغاز.

 

وليس الصراع الجاري حاليًا في غزة استثناء. ثمة رواسب كبيرة من الغاز توجد في منطقة بحرية من المفترض أن تكون تحت الولاية الفلسطينية، لكن إسرائيل سيطرت على المنطقة وأعاقت تطويرها واستخراج مخزوناتها.‏


‏‏يقع حقل "غزة مارين" الذي يقدر حجم محتوياته بنحو 1.4 تريليون قدم مكعب من الغاز على بعد 17 إلى 21 ميلاً من الشاطئ.

 

وقد تم وضع المنطقة، بمسافة تصل إلى 20 ميلاً من الساحل، تحت ولاية "السلطة الوطنية الفلسطينية" بموجب "اتفاقات أوسلو الثانية" التي أُبرمت في العام 1995.

 

لكن إسرائيل منعت تطوير هذا المشروع، ولعبت السياسة المعقدة بين حركة "حماس" التي تسيطر على غزة، و"فتح" التي تسيطر على السلطة الوطنية الفلسطينية، دورًا في خلق مسار ملتوٍ من المفاوضات المتقطعة التي راوحت بين الاتفاق والاختلاف حول الحفر.‏


‏اكتشفت "مجموعة الغاز البريطانية" (BGG) الحقل في العام 1999 ووقعت عقدًا لمدة 25 عاماً مع "السلطة الوطنية الفلسطينية" لاستغلاله. ورأت "السلطة" في ذلك فرصة لتوفير الطاقة الخاصة بها، بما في ذلك الطاقة الكهربائية، والحصول على عائدات التصدير.

 

وتمت الموافقة على الحفر في الموقع في عهد رئيس الوزراء الإسرائيلي، إيهود باراك. وسعت "مجموعة الغاز البريطانية" إلى التفاوض على صفقة شراء مع "شركة الكهرباء الإسرائيلية"، لكن رئيس الوزراء التالي، أرييل شارون، ألغى كل ذلك. ثم تم إلغاء قرار شارون مرة أخرى في العام 2002 بتدخل من المملكة المتحدة، ووافق شارون على بدء مفاوضات حول اتفاق كان من شأنه أن يوفر 0.05 تريليون قدم مكعب من الغاز لمدة 10-15 عامًا.

 

لكن همة شارون فترت بشأن المشروع وأوقفَ المفاوضات. وزعم أن الأموال التي يجنيها الفلسطينيون من المشروع يمكن أن تستخدم لتمويل الإرهاب.‏


‏بعد ذلك، أعادت حكومة جديدة بقيادة إيهود أولمرت إحياء الاتفاق في نيسان (أبريل) 2007. ومن بين 4 مليارات دولار كان من المتوقع أن تتدفق من الصفقة، كان من المقرر أن يذهب 1 مليار دولار إلى "السلطة الوطنية الفلسطينية".

 

لكن عناصر من الحكومة الإسرائيلية كانت تثير الاعتراضات. وعمل استيلاء "حماس" على قطاع غزة في العام 2007، وانفصالها عن "السلطة الفلسطينية" التي تسيطر عليها "فتح" في الضفة الغربية، على تغيير الصورة. وكانت حماس تضغط من أجل التوصل إلى اتفاق أفضل.‏


‏حسب "لجنة الأمم المتحدة للتجارة والتنمية" (أونكتاد) UNCTAD، فإنه "في أيلول (سبتمبر) 2007، نصح رئيس أركان إسرائيلي سابق بشدة حكومة إسرائيل بعدم إبرام اتفاق مع "مجموعة الغاز البريطانية"، على أساس أن تحويل إسرائيل مبلغ 1 مليار دولار "إلى حسابات مصرفية محلية أو دولية نيابة عن [السلطة الفلسطينية] سيكون بمثابة قيام إسرائيل بتمويل الإرهاب ضد نفسها"".

 

وتحولت الحكومة الإسرائيلية نحو إبرام صفقة مع "مجموعة الغاز البريطانية" يكون من شأنها أن تبقي الأموال بعيدا عن أيدي "السلطة الوطنية الفلسطينية"، بحيث تدفعها بدلاً من ذلك في شكل سلع وخدمات، مما يلغي فعليًا اتفاقية العام 1999.‏


انسحبت "مجموعة الغاز البريطانية" من المفاوضات في نهاية العام 2007. وحاولت إسرائيل، من دون جدوى، إعادة إشراك الشركة في العام 2008 لإبرام صفقة كان قد تم التفكير فيها على أساس عاجل قبل التوغل العسكري الإسرائيلي المخطط له في غزة، "عملية الرصاص المصبوب"، في كانون الأول (ديسمبر) 2008.

 

و"في أعقاب العملية، تم وضع حقول الغاز الطبيعي الفلسطينية فعليا تحت السيطرة الإسرائيلية من دون أي اعتبار للقانون الدولي"، كما تقول (أونكتاد).‏


‏الكلفة على الشعب الفلسطيني‏

 


في تقريرها الصادر في العام 2019 بعنوان "التكاليف الاقتصادية للاحتلال الإسرائيلي على الشعب الفلسطيني: إمكانيات النفط والغاز الطبيعي غير المتحققة"، الذي أُخذت منها الاقتباسات أعلاه، خلصت (أونكتاد) إلى أنه "‏‏في العام 2018، ‏‏‏مرت 18 عامًا منذ حفر حقلي "مارين 1" و"مارين 2".

 

وبما أن السلطة الوطنية الفلسطينية لم تتمكن من استغلال هذه الحقول، فإن الخسائر المتراكمة للجانب الفلسطيني تقدر بمليارات الدولارات.

 

وبناء على ذلك، حُرم الشعب الفلسطيني من فوائد استغلال هذا المورد الطبيعي واستخدامه لتمويل التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وتلبية احتياجاته من الطاقة خلال هذه الفترة بأكملها".‏


ولاحظت (أونكتاد) أنه "تم اكتشاف احتياطيات حقلي "مارين 1" و"مارين 2" في العام 1999 وقامت "مجموعة الغاز البريطانية" بالتنقيب عن الغاز في العام 2000. وكان بإمكان الفلسطينيين –افتراضيًا- تسييل نواتج هذه الحقول إلى نقود واستثمار القيمة الصافية البالغة 4.592 مليار دولار لمدة 18 عامًا حتى الآن.

 

وبافتراض انخفاض معدل العائد الحقيقي السنوي البالغ 2.5 في المائة، فقد خسر الفلسطينيون بالفعل ما يقرب من 2.570 مليار دولار من خلال منعهم من ممارسة حقهم في الاستفادة من استغلال مواردهم الطبيعية، الذي يكفله القانون الدولي.

 

وكلما طالت مدة منع إسرائيل الفلسطينيين من استغلال احتياطياتهم من النفط والغاز الطبيعي، زادت تكاليف الفرصة البديلة لهذه الاحتياطيات وزادت التكاليف التي يرتبها الاحتلال على الفلسطينيين".‏


‏تتضاءل أهمية وعوائد حقول "غزة مارين" أمام مورد آخر، هو "حقل مجيد" للنفط والغاز الواقع إلى حد كبير تحت الضفة الغربية.

 

وكان قد تم العثور على الحقل في ثمانينيات القرن العشرين، وبدأ الإنتاج منذ العام 2010. وقدرت (أونكتاد) قيمة احتياطيات الحقل المقدر حجمها بنحو 1.5 مليار برميل، عند 99 مليار دولار بمعدل 65 دولارًا للبرميل.

 

وبحذف تكاليف الإنتاج، قُدرت خسائر الفلسطينيين بنحو 68 مليار دولار. وبسعر (أوبك) الحالي البالغ 79 دولارًا للبرميل، ستكون القيمة الإجمالية للحقل حوالي 120 مليار دولار، وسوف يكون صافي الخسائر عندئذ 84 مليار دولار.‏


‏إن احتياطيات الوقود الأحفوري في منطقة فلسطين/ إسرائيل هائلة. وتلاحظ (أونكتاد) أن ""منطقة حوض بلاد الشام" تشمل حوالي 83.000 كيلومتر مربع من شرق البحر الأبيض المتوسط... وقدرت هيئة المسح الجيولوجي الأميركية معدلًا (متوسطًا) من 1.7 مليار برميل من النفط القابل للاسترداد، ومتوسط 122 تريليون قدم مكعب من الغاز القابل للاسترداد في "منطقة حوض بلاد الشام". وهذا يعني أن هذا الحوض هو واحد من أهم موارد الغاز الطبيعي في العالم".‏


‏تقع بعض هذه الموارد في المياه الدولية، لكنّ الأرقام الإجمالية تؤكد أن استيلاء إسرائيل على أراضٍ وموارد كانت مملوكة للفلسطينيين في السابق قد حرم الفلسطينيين من فرص اقتصادية كبيرة.

 

ويمكن للمرء أن يجادل فيما إذا كان ينبغي تطوير هذه الموارد من حيث المبدأ في وقت يشهد كل هذه الفوضى المناخية. لكن الحقيقة هي أنه يجري تطويرها فعليًا، بينما يتم استبعاد الفلسطينيين من الصفقة.‏


"غزة مارين" يعود‏

 


على مدى السنوات القليلة الماضية، تم إحياء آفاق "غزة مارين" بطريقة أثارت الشكوك بأن السلطات الإسرائيلية تجاهلت عمدًا التحذيرات بشأن هجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، لأن تطوير الحقل تستلزم إبعاد "حماس" عن الطريق في غزة.

 

وكان "صندوق الاستثمار الفلسطيني"، وهو فرع من فروع "السلطة الوطنية الفلسطينية"، قد وقّع في آذار (مارس) 2021 مذكرة تفاهُم مع الحكومة المصرية تهدف إلى تطوير الحقل واستغلاله. ‏‏لكن ممثلي "حماس" أثاروا اعتراضات حول هذه الصفقة‏‏.‏


قال حازم قاسم، المتحدث باسم حماس: "من حق شعبنا أن يعرف كيف تتصرف "السلطة" في القضايا الكبرى، لأن السوابق تؤكد أنها تتصرف من دون أدنى درجة من الشفافية، وتقرر أفعالها وعلاقاتها على أساس مصالح حزبية وفئوية الضيقة".‏


‏‏وقال موسى أبو مرزوق، نائب رئيس المكتب السياسي لحركة "حماس"، في تغريدة على تويتر: "يجب أن تكون غزة حاضرة في أي تفاهمات حول حقول الغاز الموجودة عند شواطئها.

 

إذا كانت غزة مضطرة إلى استيراد الغاز الطبيعي من الاحتلال [إسرائيل] لمحطة توليد الكهرباء الوحيدة في القطاع، فلا ينبغي أن نقف مكتوفي الأيدي بينما يتم تصدير مواردنا الطبيعية إلى أراضٍ بعيدة. إننا نحتاج إلى معرفة تفاصيل الاتفاقية التي تم توقيعها مع "صندوق الاستثمار"".‏


‏(هذه المحطة مغلقة الآن بسبب الحصار الذي تفرضه إسرائيل على وصول الوقود إلى قطاع غزة).‏


‏ثم في 18 حزيران (يونيو) 2023، قبل أقل من 4 أشهر بقليل من الهجوم في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، بعد سنوات عديدة من تهميش موضوع حقول "غزة مارين"، أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، عن خطط للمضي قدمًا في تطوير الحقول بالتعاون مع "السلطة الوطنية الفلسطينية" ومصر.

 

وقد أفيد بأن محادثات سرية بشأن التطوير كانت تجري بين إسرائيل والسلطة الوطنية الفلسطينية في الشهر السابق.‏


‏وذكرت ‏‏صحيفة "ذا كرادل‏‏‏‏" أنه ‏‏"وفقا لمكتب نتنياهو، سوف تؤكد الخطة على "التنمية الاقتصادية الفلسطينية والحفاظ على الأمن والاستقرار في المنطقة". والخطة "تخضع للتنسيق بين الأجهزة الأمنية والحوار المباشر مع مصر، بالتنسيق مع "السلطة الفلسطينية"".

 

وكانت الخطط لتطوير الحقل من بين المواضيع الرئيسية التي نوقشت خلال الاجتماعات الأمنية الأخيرة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية في العقبة".‏


‏من الواضح أن إسرائيل كانت مهتمة ببناء قدرات "السلطة الوطنية الفلسطينية"، التي تُعتبر متواطئة مع الاحتلال الإسرائيلي، كخيار مناهض لـ"حماس".

 

وتعزز الصفقة التي تضع المال في جيب السلطة الوطنية الفلسطينية هذا الهدف، وتشتري المزيد من التواطؤ. لكنّ من الواضح بنفس القدر أن تطوير حقول الغاز قبالة ساحل غزة لا يمكن أن يمضي قدمًا في ظل اعتراضات "حماس". وتريد حماس حصة من العائدات، وهو أمر غير مقبول بالنسبة لإسرائيل. وكان يتعين بطريقة ما إخراج "حماس" من الصورة. ‏


‏تبقى حقول "غزة مارين" صغيرة نسبيًا مقارنة بحقول الغاز البحرية الأخرى التي تطورها إسرائيل، التي يبلغ حجم احتياطياتها نحو ‏‏38 تريليون قدم مكعب.‏‏ لكن تطوير "غزة مارين" لزيادة شراء تواطؤ "السلطة الفلسطينية" هو المكان الذي تبدو فيه التحركات الأخيرة نحو التطوير مرتبطة بالغزو ومحاولة القضاء على "حماس".

 

هذه هي الصلة الواضحة للوقود الأحفوري بهذا الصراع. وبالنظر إلى ذلك على أنه جزء من إستراتيجية أكبر لتحسين وضع، وشراء "السلطة الوطنية الفلسطينية" مع القضاء على "حماس"، سيكون هذا حافزًا آخر لتجاهل التحذيرات والتقارير الاستخباراتية التي‏‏ تنبأت بدقة بهجوم "حماس" في 7 تشرين الأول (أكتوبر).‏


‏*باتريك مازا ‏Patrick Mazza: ‏ناشط تقدمي في مجالات الدفاع عن البيئة، وصحفي منذ العام 1981. وهو محلل ومنظِّم، مع تركيز على الاستدامة البيئية واسعة النطاق. خلال خبرته التي تزيد عن 30 عامًا، عمل في الحفاظ على الغابات والمدن المستدامة والطاقة النظيفة.

 

وهو مؤسس ومدير أبحاث سابق لموقع "حلول المناخ" Climate Solutions، ويعمل الآن في ممارسة الاستدامة الخاصة به. عاش في سياتل في الولايات المتحدة منذ العام 1998، وفي منطقة كاسكاديا في شمال غرب المحيط الهادئ منذ العام 1977. ‏ 


*نشر هذا المقال تحت عنوان: How is Gaza offshore gas development tied to the Israeli invasion?

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

  ‏فلسطين: أعظم قضية أخلاقية في عصرنا‏