لا "خطة لفلسطين" لأن إسرائيل لا تريد واحدة

بنيامين نتنياهو يعرض في الأمم المتحدة خريطة للشرق الأوسط من دون دولة فلسطينية - (أرشيفية)
بنيامين نتنياهو يعرض في الأمم المتحدة خريطة للشرق الأوسط من دون دولة فلسطينية - (أرشيفية)

جيفري أرونسون‏* - (ريسبونسيبل ستيتكرافت) 2024/5/16

 

واشنطن تتعامل على مستوى مختلف تمامًا عن تل أبيب التي لم تدعم أبدًا أي سيادة عربية في فلسطين.‏ نقطة.
*   *   *
‏منذ الأيام الأولى تقريبًا لحرب فلسطين الثانية، دعا المسؤولون الأميركيون إسرائيل إلى وضع خطة مقبولة لما يُدعى "اليوم التالي".‏ وتريد واشنطن، بقيادة وزير خارجيتها أنتوني بلينكن، رؤية خريطة طريق لما تنوي إسرائيل فعله بقطاع غزة وسكانه الذين يزيد عددهم على مليوني نسمة، الغالبية العظمى منهم أصبحوا الآن بلا مأوى في بقعة من فلسطين جُعلت الآن غير صالحة للسكن بسبب الحرب.

اضافة اعلان


‏أعلنت‏‏ واشنطن عن تفضيلاتها الاسمية الخاصة -عودة لـ"منظمة التحرير الفلسطينية" البائسة إلى غزة، وعدم الطرد القسري للفلسطينيين، وعدم الاحتلال العسكري الإسرائيلي للقطاع.‏


والأميركيون يحبون الخطط، على الرغم من أن خططهم الخاصة لإدارة الحروب الأخيرة وتداعياتها، من فيتنام إلى ليبيا والعراق وأفغانستان، ليست شيئًا يدعو للفخر. لكن ذلك لم يمنع إدارة بايدن من تقديم مشورة طموحة لحكومة بنيامين نتنياهو -بشأن قضايا تتراوح من السماح بدخول المستويات الضرورية للمساعدات الإنسانية إلى نشر خطة القتال في رفح، والحاجة إلى تمكين "منظمة التحرير الفلسطينية" بعد إصلاحها، والكشف عن تكتيكات "جيش الدفاع الإسرائيلي" في غزة.‏


‏لكنّ ‏حكومة نتنياهو، مع استثناءات طفيفة، إما رفضت أو تجاهلت هذه النصيحة الأميركية. وما تزال إسرائيل وجنرالاتها على استعداد للضحك من واشنطن وهي تقدم رؤى عملياتية مكتسبة من مغامراتها الفاشلة في أفغانستان ومنطقة "الجزيرة" السورية وخارجها، أو المزايا المشكوك فيها لـ"تقوية أبو مازن".

 

وهي تراقب بانتباه حذِر، وإن كان مُرتبكًا، إنشاء ‏‏ممر إنساني بحري بكلفة تبلغ 320 مليون دولار تقريبًا إلى غزة‏‏، والذي تثير إدارته شهية المقاولين الخاصين المحتملين. ‏


ولكن، مثل "الرصيف البحري" الذي يوشك الآن على الافتتاح على شاطئ غزة، تظل علاجات واشنطن لعلل غزة في العام 2024 بعيدة كل البعد عن التحديات والفرص، حيث تنظر إليها إسرائيل على أنها غير ذات صلة بإعادة بناء البيئة الأمنية والإنسانية في غزة، التي تبقى كلها في أيدي الإسرائيليين حصرياً.‏


‏في الواقع، كان هذا الانفصال سمة أساسية لنهج واشنطن تجاه الاحتلال الإسرائيلي منذ حزيران (يونيو) 1967. وتعِدُ جهود واشنطن الحالية بألا تكون أكثر نجاحًا من ما يقرب من نصف قرن من الخطط الأميركية الميتة لمعالجة نية إسرائيل الدائمة منع وجود سيادة فلسطينية في أي مكان غرب نهر الأردن.‏


ولنتأمل للحظة الطلب الأميركي، بل والدولي، بـ"خطة" إسرائيلية لحل الأزمة في غزة. ربما يحظى مثل هذا المفهوم بشعبية في العواصم الغربية، لكنه يظل فكرة غريبة تمامًا على صانعي السياسة الإسرائيليين اليوم، تمامًا كما كان الحال مع جيل من القادة الإسرائيليين الذين أشرفوا على الضفة الغربية وغزة بعد انتصار إسرائيل في حرب حزيران (يونيو) 1967.


‏‏لا علاقة على الإطلاق بين السياسة التي تحدد تصرفات إسرائيل في غزة اليوم وتجارب الولايات المتحدة في الفلوجة أو هلمند. كما أنه لن يكون من الحكمة أن تنظر إسرائيل إلى هذه التجارب كأمثلة يحتذى بها -أو حتى التعلم منها. وقد تطورت السياسة الإسرائيلية السارية اليوم في أعقاب حرب العام 1967، وأفضل وصف لها هو ما صدر عن مهندسها، موشيه دايان.

 

وقد أوضح دايان في العام 1977 أن التحدي الذي يواجه إسرائيل والمجتمع الدولي ليس التوصل إلى "حل" للاحتلال الإسرائيلي، وإنما تعلُّم العيش من دون حل.

 

وبهذه الطريقة فقط يمكن لإسرائيل أن تحتفظ بحرية العمل لضمان أمنها الاستراتيجي والأهداف القومية للاستيطان -لا سيادة عربية غرب نهر الأردن.


كان عدد المستوطنين في الضفة الغربية في ذلك الوقت أقل من 15.000، وطوال العقود التي تلت العام 1967، وفي غزة اليوم، أظهرت إسرائيل، التي تتجنب عن عمد عرض خططها الرئيسية من أجل تحقيق أهدافها العليا، نهجاً انتهازياً جنونياً لحكمها للضفة الغربية، حيث تفتخر الآن -من بين إنجازات أخرى- بتوطين أكثر من نصف مليون مستوطن يهودي.‏


‏على النقيض من التحذيرات الأميركية، تتمتع إسرائيل الآن بتجربة أكثر تنوعًا ونجاحًا في كيفية التخطيط لـ"اليوم التالي" في فلسطين من واشنطن، التي تشغل نفسها بوضع خطط أمنية ليست لها مرساة أمنية تُذكر وتأمر الشركاء العرب المترددين -بشكل مفهوم- بالانضمام إلى إدارة علل غزة التي لا حدود لها وتحمل المسؤولية عنها.‏


‏في قطاع غزة، يوضح وزير حكومة الحرب، بيني غانتس، أن إسرائيل ستصر على الاحتفاظ بسلطة أمنية بنسبة 100 في المائة، وإنما مع صفر في المائة مسؤولية عن المسائل المدنية. وتتعارض هذه السياسة مع دعوة واشنطن إلى انسحاب إسرائيلي بعد الحرب، ولكنها تتفق مع كتاب قواعد اللعبة الإسرائيلي "احتلال 101".


تتمسك واشنطن باحتمال عودة "منظمة التحرير الفلسطينية إلى غزة"، وهي سياسة قوضتها إسرائيل بدأب على مدى عقدين كاملين على الأقل.

 

وقد تعجّبَت معلقة تلفزيونية إسرائيلية مؤخرًا من تركيز واشنطن على "منظمة التحرير الفلسطينية" وحل الدولتين، الذي أعلنت المعلقة أن الإسرائيليين "بالكاد يفكرون فيه". 


‏وفي السياق نفسه، أوضح نائب وزير الخارجية الإسرائيلية، داني أيالون، مؤخرًا، أنه "إذا أرادت ’منظمة التحرير الفلسطينية‘ الانسحاب من الجهد، فإن إسرائيل ستبحث عن قوى دولية أو محلية لتولي مسؤولية ’السلطة الفلسطينية‘، وإذا لم تتمكن من العثور على هذه القوى وانهارت السلطة الفلسطينية، فلن تكون هذه نهاية العالم بالنسبة لإسرائيل".

 

(في الواقع، أصدر وزير الدفاع، يوآف غالانت، "خطته" الخاصة لـ"اليوم التالي" ‏‏قبل أيام، والتي تشمل، كما قال للكاتب ديفيد إغناتيوس، "جهات فاعلة فلسطينية محلية مدعومة من جهات فاعلة دولية").‏


تخوض إسرائيل اليوم ثلاث حروب وثيقة الصلة.

 

الأولى هي حرب ساحة المعركة الفعلية نفسها، التي أصبحت الآن في شهرها الثامن. والثانية هي الحرب حول الحرب -أي المعركة الدولية الخاصة بالرأي العام، من "محكمة العدل الدولية" في لاهاي إلى حرم الجامعات الأميركية، والتي أطلقتها الحرب الأولى نفسها.

 

وتعِدُ هذه المعركة بتحديد مكانة إسرائيل في المجتمع الدولي لجيل كامل، وتشهد على الثمن الذي ندفعه جميعًا مقابل الفشل الدائم للدبلوماسية والسياسيين في التوصل إلى مصالحة قابلة للتطبيق بين المطالب الإسرائيلية والفلسطينية.‏


‏والثالثة هي الحرب بعد الحرب -أي الحملة العسكرية المستمرة التي تقودها "حماس" ضد نية إسرائيل البقاء في موضع السيطرة الأمنية على قطاع غزة بأكمله. وليست غزة غريبة على مثل هذه الانتفاضات الفلسطينية، سواء في أوائل سبعينيات القرن العشرين، أو خلال الانتفاضة الأولى في العام 1988، أو خلال عقد "أوسلو".‏


يبقى البيت الأبيض في عهد بايدن مستعدًا دائمًا للإعلان عن احتمال نشوب مثل هذا الصراع كدليل على فشل الخطط الإسرائيلية الخاصة بغزة. وقد حذر بلينكن ‏‏من‏‏ أنه ما لم تتخذ إسرائيل إجراءات غير محددة، فإن الإسرائيليين "سوف يُتركون ليتحملوا وحدهم المسؤولية عن إثارة تمرد (فلسطيني) دائم".‏


‏قد يكون بلينكن يائسًا لتجنب مثل هذا الاحتمال، ولكن لا نتنياهو ولا السنوار يرتدعان. بالنسبة لكل منهما، تُفهم المعركة على أنها الثمن الذي يجب أن يكون المرء مستعداً لدفعه للانتصار في حرب لم تبدأ في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وإنما بدأت في العام 1948.‏

*جيفري أرونسون Geoffrey Aronson: كاتب ومحلل متخصص في شؤون الشرق الأوسط. كان مديرًا لـ"مؤسسة السلام في الشرق الأوسط" ومحررًا للتقرير نصف الشهري عن الاستيطان الإسرائيلي في الأراضي الفلسطينية المحتلة حتى حزيران (يونيو) 2014. يكتب حول مجموعة واسعة من القضايا السياسية والاستراتيجية المعاصرة بانتظام.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: There is no 'plan for Palestine' because Israel doesn't want one

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

الإحياء الغريب لحل الدولتين: كيف تجلب حرب غير متخيلة السلام الوحيد المتخيل؟ (2-2)