لا مزيد من التذاكر، لا مزيد من الحفلات: موت التخطيط

تعبيرية للفنان أنطونيلو سيلفيريني – (المصدر)
تعبيرية للفنان أنطونيلو سيلفيريني – (المصدر)
ترجمة: علاء الدين أبو زينة آن رو* - (مجلة 1843) 19/11/2020 عندما هدد الإغلاق بالقدوم لأول مرة، انضممت إلى تلك الاندفاعة المجنونة للتخطيط الكبير: كيس بعد كيس من الفاصولياء المجففة، وأربعة خراطيش من الحبر الاحتياطي لطابعتي. وضعت قوائم للتخطيط لاستخدام كل رأس ملفوف وقطعة جبن. كان الأمر كما لو أن بالوسع إبقاء الفيروس على مبعدة بمجرد تنظيم الأمور فحسب. * * * أي خطط لعيد الميلاد؟ سألتني صديقة، بينما يحث الخريف الخطى. وكان السؤال، على الرغم من أنه لطيف بما يكفي، مثيراً للحفيظة. وقد لخص الموقف رسم كاريكاتيري أرسلته لي صديقة أخرى، لرجل يبدو قلقاً وهو يتحدث على الهاتف: "ألا نأتي إليكم، أو تأتون أنتم إلينا؟" كيف لي أن أعرف؟ وصلت بطاقات عيد الميلاد التي كنت قد طلبتها قبل أيام، وقمت بتخزينها في الخزانة مع الأضواء المتلألئة لشجرة الميلاد. وقد صدمني هذا باعتباره أبعد جزء من التخطيط قدُماً أقوم به منذ آذار (مارس) -والجزء الوحيد الذي سيكون تنفيذه في موعده مضموناً. والمفارقة غنية، لأنني كنتُ قد خططت، في بداية هذا العام، أكثر مما فعلت في أي وقت مضى. بعد الركود السياسي الذي لا يطاق في العام 2019، كان للرقم "2020" مظهر منظم ومنعش، مثل عجلات قطار متحرك. وكانت لدي على مكتبي، في حافظات بلاستيكية أنيقة، تذاكر طيران وتذاكر قطارات لإيطاليا وإسبانيا، متزامنة بطريقة رائعة. وعلى طاولة تحفي كانت موضوعة (بطريقة استعراضية متباهية) تذاكر غليندبورن ومهرجان برايتون. ومن بين كل هذه الأشياء، كان الناجي الوحيد بحلول شهر تموز (يوليو) هو حجز فندق لمبيت وإفطار على الساحل الذي كنتُ قد نتقلت إليه مرات عدة، وذهبت إليه بثبات خلال الكثير من الأشهر، حتى أنني عندما أصل إلى هناك في النهاية، لم أكن أحتاج إلى أن مزيد من التخطيط لزيارتي، فيما عدا التجوال بلا هدف والخربشة. كان الخريف، تقليديًا، فصلي المفضل، الوقت المناسب (حتى أكثر من مناسبة العام الجديد) للبدايات الجديدة والمضيّ قدُماً؛ التفصيل الأنيق للزي المدرسي الشتوي بعد تلك الفساتين الصيفية البشعة؛ الهواء القارس الذي يدفعك ولا يُقاوم. حسنًا، عادت المدارس، وأعيد تجميع البرلمانات، لكن ذلك التدوير السائغ لمحرك العالم لم يحدث. الأصدقاء الذين اختفوا لفترة وجيزة في الصيف انسحبوا الآن لفترة أطول إلى شققهم التي العصية على الزيارة. والمخططات التي سُمح لها بأن تنجرف في الحرارة والكسل ما تزال تنجرف، وصفحات دفتر اليوميات شبه فارغة. وليس ثمة في تشرين الثاني (نوفمبر) وكانون الأول (ديسمبر) سوى حجز واحد مأمول (على ذلك الساحل مرة أخرى)؛ وفحص دم واحد (رائع)! واجتماع على "زووم". وكلها مكتوبة بالقلم الرصاص وعليها علامات استفهام، لأن الحبر فيه الكثير من اليقين. وكما قال أحد الموسيقيين مؤخراً، متحدثًا عن الارتباطات المستقبلية: "قد لا يحدث شيء من هذا، أو أنه قد يحدث كله". هناك جزء مني يسخر من التخطيط. أعلم أنه حتى في الأوقات الهادئة والمتوقعة، قد يصبح كل شيء عديم الفائدة بسبب صاعقة من الأزرق أو حافلة هاربة. وأنا أسخر من الخطط الخمسية للأنظمة الاستبدادية، بمسحتها المصاحبة من الموسيقية العسكرية والعمال الفخورين الذين يسيرون إلى مصانع الصلب؛ وأنا أئن، كما يفعل الجميع، من استعداد الحكومات لتقديم وعود ببعض التحول بحلول في العام 2035 أو2050، بينما تركُل المشروع ميلاً بعد ميل في العشب الطويل. لكن الخطط الأكثر تواضعًا آملة، ومحفزة، ومهمة. إنها مثل نقاط مثلث في مشهد طبيعي، والتي يمكن أن يشكل الوقت حولها نفسه. سوف يُنهِضني يوم جيد التخطيط مثل النابض من الفراش؛ وسوف يجعلني واحد بلا تركيز أتمطط بشكل غير صحي تحت اللحاف. ومشروع كتابة بموعد نهائي أفرضه أنا نفسي، والذي يُنشئ نفسه تدريجيًا بالعناوين والرسوم التوضيحية، هو اللحم والشراب بالنسبة لي؛ والوقت الذي بلا مشروع يُقضى في البحث، مثل دجاجة تبنش، عبثاً، في التراب. في السنوات العادية، تتألق المناسبات الكبرى في تواريخ معينة من التقويم مثل منارات: حوافز لجعل شعري أنيقاً، وفقدان شيء من الوزن، وشراء ملابس جديدة. وما تزال الملابس الجديدة تغويني، ولكن من أجل ماذا؟ لا شيء في روزنامتي يدعو الآن إلى ارتداء هذه السترة المطرزة الجميلة أو تلك السراويل السوداء الأنيقة ذات الحزام اللامع. يمكنني أن أرتدي أيضًا سروال جينز وقميص، وقد أصبحت خزانة ملابسي فوضوية، غير مرتبة، مثل بقية حياتي. عندما هدد الإغلاق بالقدوم لأول مرة، انضممت إلى تلك الاندفاعة المجنونة للتخطيط الكبير: كيس بعد كيس من الفاصولياء المجففة، وأربعة خراطيش من الحبر الاحتياطي لطابعتي. وضعت قوائم للتخطيط لاستخدام كل رأس ملفوف وقطعة جبن. كان الأمر كما لو أن بالوسع إبقاء الفيروس على مبعدة بمجرد تنظيم الأمور فحسب. وعندما تم تخفيف تلك القيود قليلاً، تراجع مزاج الأزمة، ولكن لم يكن هناك تخطيط "عادي" يمكن أن يملأ الفجوة. إنه لا يستطيع. عندما أحاول التفكير في المستقبل، سرعان ما أستدير مبتعدة. إنه محض ضباب. ليس "كوفيد" هو الجاني الوحيد في قتل الخطط. قبلَه بفترة طويلة، كانت الهواتف المحمولة عاكفة على جعل الترتيبات الثابتة فائضة على الحاجة. سوف تشهدني خطة للقاء في ميدان بيكاديللي في الساعة 6 مساءً واقفًة هناك، مترقبة، عند النقطة المحددة، بينما الطرف الآخر يتجول في مكان ما في سوهو، غير مبالٍ، ويدردش معي بينما يسير، مقترحاً أن بإمكاني السير في اتجاهه وسوف نلتقي بالتأكيد، كما لو أن الأوقات والأماكن المحددة خرجت الموضة. ذلك الشعور بالمصادفة، بالترتيبات العائمة والمكسورة بلا عناء، شهد اختفاء الكثير من التخطيط قصير المدى. وهو يؤثر الآن على التخطيط طول المدى أيضاً. من بين الضحايا الواضحين للفيروس كانت العفوية: القبلة، العناق، الزيارة المفاجئة، تناول الوجبات الخفيفة في الشارع، السفر بلا ترتيب، تصفح الرفوف في المتاجر. ومع ذهاب نقيضها، التخطيط، إلى حد كبير الآن أيضًا، لا عجب أننا أصبحنا، في بعض الأحيان، بالكاد نعرف أين، أو ماذا، أو من نحن على ما يبدو. لكنني، على الأقل، اشتريت بطاقات عيد الميلاد. *Ann Wroe: مؤلفة وكاتبة عمود إنجليزية. كانت محررة في مجلة "الإيكونوميست" منذ العام 2003. تحمل درجة الدكتوراه في أدب العصور الوسطى من جامعة أكسفورد في العام 1975. عملت في خدمة "بي بي سي" العالمية في تغطية الأخبار الفرنسية والإيطالية. *نشر هذا المقال تحت عنوان: No more tickets, no more parties: the death of planningاضافة اعلان