لغز بنغازي

روس دوثات — (النيويورك تايمز) 13/10/2012

 ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

بعد أربع وعشرين ساعة من مهاجمة المجمع الأميركي في بنغازي ومقتل سفيرنا، بدت المأساة وأنها أكثر ترجيحاً لمساعدة الرئيس أوباما في حملة إعادة انتخابه، وليس لإلحاق الضرر بها.
وكان البيت الأبيض متمتعاً أصلاً بقدر من المصداقية الشعبية حول السياسة الخارجية أكثر من أي موضوع آخر تقريباً. وعندما أصدر ميت رومني رد فعله على الهجوم في شكل وابل من الانتقاد الحزبي، مصوراً نشرة صحفية صدرت عن السفارة الأميركية في القاهرة قبل بدء أي عنف على أنها اعتذار من البيت الأبيض للمهاجمين، بدا في حينه مسار الرئيس إلى الأمام واضحاً: سوف يكون منضبطاً وحذراً ومظهراً الغضب والقوة، لكنه سيظهر البرود والكياسة أيضاً تحت الضغط، ويسمح للحشد حول العلم أن يقوم بعمله الطبيعي.
لكن ما حدث بدلاً من ذلك كان غريباً جداً. ولأنها عمدت أولاً إلى التنصل من اعتذار السفارة للمسلمين الذين انزعجوا من الفيلم المسيء لنبيهم، قررت إدارة أوباما تبني مسوغات الاعتذار والإصرار على أن الفيلم كان العنصر الحاسم للعنف في ذكرى 11 أيلول (سبتمبر).
وبعد أربعة أيام من الهجوم، أصبح من الواضح أكثر أن هجوم بنغازي كان عملية من تنفيذ تنظيم القاعدة أكثر من كونه احتجاجاً. واستمر مسؤولو البيت الأبيض في التأكيد على أهمية الشريط "المليء بالكراهية" و"المثير للاشمئزاز" ودوره المفترض كعامل مساعد لمّا أصرت سوزان رايس، السفيرة (الأميركية) لدى الأمم المتحدة، على وصفه بأنه هجوم تلقائي.
وتم الدفع بهذا السرد إلى برامج "صباح الأحد" وإلى البرامج الحوارية في وقت متأخر من الليل، وإلى مؤتمرات صحفية يعقدها الجميع، بدءاً من رايس، مروراً بهيلاري كلينتون وانتهاء بالرئيس نفسه. وعندما تحدث الرئيس أمام الأمم المتحدة بعد وقت قصير من الهجمات، تم الرجوع إلى الشريط ست مرات في النص: ولم تتم الإشارة إلى تنظيم القاعدة سوى مرة واحدة.
وفي نهاية المطاف، سمح البيت الأبيض لموضوع الشريط بالانزلاق بهدوء إلى خارج خطابه السياسي العام، معيداً التركيز على الإرهاب بدلاً من ذلك. لكن كل شيء آخر عن بنغازي بدا أكثر سوءاً بكثير، لأن الإدارة مارست نوعاً من الإنكار الغريب منذ البداية. فالتحذيرات التي لم يصغ إليها أحد، وحالات الضعف في الأمن وتقطير التفاصيل المحبوسة في الصنبور في التغطية الإعلامية، وجلسات الاستماع في الكونغرس —كل ذلك كان ليتم استقباله على نحو مختلف لو أن البيت الأبيض لم يمض أسبوعاً وهو يتصرف وكأن لديه شيئا كبيرا ليخسره إذا وصف الإرهاب بأنه إرهاب.
 ما الذي يفسر هذه الاستراتيجية المحبطة للذات؟ ثمة احتمال بأن اتهام رومني المكرر غالباً عن "جولة الاعتذار" صحيح، وأن هذا البيت الأبيض لا يستطيع مقاومة الإلحاح لإرضاء أعدائنا عندما تقع أميركا تحت هجوم. لكن تصوير رومني لأوباما على أنه "نيفيل تشامبرلين" كان دائماً مجرد رسم كاريكاتوري، ويجب على كل من تابع المؤتمر الديمقراطي أن لا يشك في ارتياح أوباما وهو يلف نفسه بعباءة الحرب على الإرهاب.
وثمة احتمالية قابلة أكثر للقبول، وهي على وجه التحديد أن هذا البيت الأبيض يريد أن يبدو وأنه شديد عندما يتعلق الأمر بالإرهاب، وهو يشمئز من الإقرار باحتمال أن يكون تنظيم القاعدة ما يزال طليقاً.
لكن، حتى هذا يبدو غير كافٍ لتفسير تخبط البيت الأبيض بخصوص حادثة بنغازي. ومن المؤكد أن الإقرار باستمرارية وجود تنظيم القاعدة لن يقوض تباهي الإدارة (محقة) بأنها قضت على زعيم التنظيم. وفي الحقيقة، إذا كان تنظيم بن لادن ما يزال موجوداً معنا، فلماذا لا يريد الأميركيون الحفاظ على الرئيس الذي أصدر أمر أبوت أباد بحيث يستطيع إنجاز المهمة؟
عندئذ، ربما يكون التفسير الحقيقي لقلق البيت الأبيض في وصف هجوم السفارة بأنه عمل إرهاب قليل الصلة بمسألة "من" منه مع "أين". إن هذه الحادثة لم تكن مجرد ضربة من القاعدة في أي مكان: إنها ضربة من القاعدة في ليبيا، البلد الذين شن فيه البيت الأبيض على وجه التحديد تدخلاً عسكرياً دستورياً ليست له صلة واضحة بالتأكيد بالمصلحة الوطنية.
وفي سيرة طويلة للرئيس أوباما نشرتها مؤسسة "فانيتي فير" في الشهر الماضي، أشار مايكل لويس إلى أن الرئيس خشي من تداعيات حتى التعرض لإصابة واحدة خلال العمل في ليبيا، خشية أن يخلق رواية ثيمتها: "كيف يمكن لرئيس انتخبناه لإخراجنا من حرب في بلد عربي أن يجعل الأميركيين يقتلون في بلد آخر".
إلى أي حد يمكن للرئيس عندها أن يخشى من رواية عن الكيفية التي ساعد بها تدخلنا في ليبيا في خلق فراغ أمني تستطيع فيه المجموعات الإرهابية العمل متمتعة بالحصانة؟ ذلك ما حدث بوضوح في مالي القريبة، حيث الآثار الارتدادية للإطاحة بمعمر القذافي تساعد في تمكين تنظيم تابع للقاعدة. وفي هذا السياق، من السهل رؤية السبب في أن الإدارة أملت بأن هجوم بنغازي كان مجرد عنف أقدم عليه رعاع بدلاً من كونه إشارة إلى تواجد متنامٍ للقاعدة في ليبيا ما بعد التدخل أيضاً.
لعل الأخبار الجيدة لأوباما في هذا الخضم، هي حقيقة أن رومني، العاقد العزم دائماً على استعراض القسوة، لم يهاجم القرار الأصلي بالذهاب إلى الحرب في ليبيا، أو أنه ربط التدخل نفسه بتقدم القاعدة في شمال إفريقيا.
 لو كان المرشح الجمهوري أقل صقرية، لكان البيت الأبيض قد واجه انتقاداً أكثر شمولاً يستحقه؛ ولن تكون القصة فقط حول محددات بنغازي، وإنما أيضاً حول احتمال أن تكون سياسة أوباما برمتها في المنطقة قد وضعت مصالح وأرواح الأميركيين تحت الخطر.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
The Mystery of Benghazi

اضافة اعلان

[email protected]