لماذا تنظر طالبان إلى التعليم كسلاح

فتيات أفغانيات لدى وصولهن إلى مدرستهن في كابول في 23 آذار (مارس) 2022 – (المصدر)
فتيات أفغانيات لدى وصولهن إلى مدرستهن في كابول في 23 آذار (مارس) 2022 – (المصدر)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

فاضل من الله قزيزاي* - (نيو لاينز) 4/4/2022

اضافة اعلان

بعد أكثر من سبعة أشهر على انتهاء الحرب، ما تزال مدارس البنات مغلقة في أفغانستان، والانقسامات داخل الحكومة تشرع في الظهور. وقد غطيت، كصحفي، الكثير من الأحداث المروعة في السنوات الأخيرة: الهجمات الانتحارية، والغارات الجوية، وحوادث الخطف، وإطلاق النار، والاغتصاب، ومداهمات المنازل، والتفجيرات على جوانب الطرق، والسطو المسلح. ومثل كل الأفغان، فقدت أصدقاء وأقارب في الحرب. ولكن، يمكنني القول بصدق إن إغلاق مدارس الفتيات في 23 آذار (مارس)، في ما كان ينبغي أن يكون يوم سلام، كان واحدة من أسوأ اللحظات التي مررت بها على الإطلاق.

  • * *
    كان صباح يوم 23 آذار (مارس) مشرقًا وصافياً، ولأول مرة منذ أشهر كان ثمة شعور بالتفاؤل في الهواء. كان الكثير من الناس هنا في كابول قد انتهوا للتو من الاحتفال بعيد النوروز، رأس السنة الفارسية الجديدة. وبعد شتاء طويل وقاس، بدا أن بداية الربيع هي التغيير الذي كنا في أمس الحاجة إليه. كانت الاحتفالات بالعيد أكثر هدوءًا من المعتاد لأن طالبان قرروا ألا تكون المناسبة عطلة رسمية، لكن الأطفال كانوا ما يزالون في الشوارع يلعبون بهداياهم: الطائرات الورقية والبالونات والبنادق والدمى. وخلف الأبواب المغلقة، تمكن الناس من زيارة الأصدقاء والجيران لتهنئتهم والتحدث على طبق من حساء المعكرونة أو الفاكهة المجففة وكوب من الشاي. وربما لم تكن هذه أعمال الفرح والكياسة الصغيرة هذه كثيرة، لكنها كانت شيئًا على أي حال.
    لم يسبق لطالبان وأن أخذت عيد النوروز بأي قدر من الاعتبار لأنه لا يستند إلى التقويم الإسلامي، ويفضل الكثير من الأفغان المحافظين أيضًا ترك المناسبة تنسرب من دون أن تُلحظ. ومع ذلك، لم يتم فرض حظر على احتفال الناس بالعام الجديد على انفراد، وقد يكون هذا في حد ذاته بادرة مصالحة من الحكومة في وقت نحتاج فيه جميعًا إلى العمل معًا والمضي قدمًا بالبلد. ففي النهاية، تظل كابول مدينة عالمية متعددة الأعراق، وأولئك الذين عاشوا هنا منا لفترة كافية يعرفون أننا نكون أفضل حالًا مع احترام الاختلافات الثقافية لبعضنا بعضا بدلاً من تركها تفرقنا. والعائلات هنا مختلطة بين البشتون، والطاجيك، والهزارة والأوزبك، وهي نقطة قوة وليست نقطة ضعف.
    كان أحد الأشياء التي يمكن أن نتفق عليها جميعًا هذا العام هو أن النوروز كان مقدمة لحدث أكثر أهمية بكثير: إعادة فتح مدارس البنات. كان كل الذين أعرفهم، بغض النظر عن خلفياتهم العرقية أو آرائهم السياسية، ينتظرون الثالث والعشرين من آذار (مارس) حتى تتمكن بناتهم وأخواتهم وبنات إخوتهم وأخواتهم من استئناف تعليمهن كما وعدت الحكومة. ولطالما أصرت حركة طالبان على أن قرار إغلاق مدارس البنات هو إجراء مؤقت تم تبنيه على أساس مخاوف أمنية غير محددة. وكان عليهم الآن إظهار أنهم كانوا مخلصين لوعدهم بشأن هذه القضية الرئيسية. وبصفتي شخصًا حائزًا على شهادة جامعية في الشريعة الإسلامية، فإنني لم أستطع بالتأكيد التفكير حتى في سبب شرعي واحد لمواصلة حرمان ملايين الأفغان من التعليم على أسس دينية؛ على العكس من ذلك، لطالما اعتبرتُ دائمًا أنه من واجبنا كمسلمين ضمان حصول الفتيات في جميع أنحاء البلاد على فرصة لتعلم حتى المواضيع التي لن يتم تدريسها في المدارس.
    غمرتني السعادة عندما غادرت المنزل في ذلك الصباح لتغطية إعادة الافتتاح، ولكن بحلول الوقت الذي وصلت فيه إلى مدرسة في شمال المدينة، كان من الواضح أن هناك شيئًا ما يحدث خطأ. في البداية اعتقدت أن الطالبات كُن يشعرن بالاستياء لأنهن فوتن الكثير من الدراسة وكن يكافحن لإعادة التكيف مع الفصول الدراسية. لكنني سمعت بعد ذلك أن أوامر جديدة صدرت تقضي بإغلاق جميع المدارس مرة أخرى بعد ساعات فقط من إعادة فتحها. وكانت المديرة والمعلمات والطالبات في الفناء يحاولن فهم الموقف؛ كان هناك صراخ وبكاء. وسارعت بعض الفتيات إلى المغادرة وكأنهن شهدن لتوهن جريمة وكن يحاولن الفرار بيأس قبل وقوع الصدمة. ومع ذلك، بقيت معظمهن في المدرسة على أمل أن تكون الأخبار سوء فهم فحسب. وكان عند حوالي الساعة 10:30 صباحًا فقط، بعد أربع ساعات من افتتاح المدرسة، حين تقبل الجميع أن الكابوس كان حقيقيًا.
    قمت، كصحفي، بتغطية الكثير من الأحداث المروعة في السنوات الأخيرة: الهجمات الانتحارية، والغارات الجوية، وحوادث الخطف، وإطلاق النار، والاغتصاب، ومداهمات المنازل، والتفجيرات على جوانب الطرق، والسطو المسلح. ومثل كل الأفغان، فقدت أصدقاء وأقارب في الحرب. ولكن، يمكنني القول بصدق إن إغلاق مدارس الفتيات في 23 آذار (مارس)، في يوم ينبغي أن يكون يوم سلام، كان من أسوأ اللحظات التي مررت بها على الإطلاق. في الأساس، يمكن تفسير أعمال العنف، ولو أنه لا يمكن تبريرها دائمًا؛ أما هذا فكان قطعة من التخريب الذاتي على نطاق وطني، وخنقاً لمستقبل كل واحد منا. وما أزال أحاول معرفة الأسباب الحقيقية وراء ذلك العمل.
    بطبيعة الحال، لطالما استُخدم التعليم دائمًا كسلاح في الصراعات. في الثمانينيات من القرن الماضي، أنتجت جامعة نبراسكا أوماها الأميركية كتبًا مدرسية تم توزيعها على اللاجئين الأفغان في باكستان كجزء من جهود المساعدة الأميركية لدعم المقاومة المناهضة للسوفيات. وكانت تلك الكتب تمجد الحرب علانية من خلال ربط الحروف الأبجدية بمصطلحات مثل "الجهاد" و"المجاهد". وفي الوقت نفسه، استخدم النظام الشيوعي الأفغاني المدارس لنشر أجندته السياسية الخاصة بينما قام المتمردون المدعومون من الولايات المتحدة بإحراقها. وفي الحرب الأهلية في التسعينيات التي أعقبت الانسحاب السوفياتي، أبقت حكومة المجاهدين مدارس البنات مفتوحة في كابول، لكن معظم الناس كانوا خائفين جداً من السماح لأطفالهم بالذهاب إلى الفصول الدراسية. كانت الميليشيات المسلحة تجوب الشوارع، وسمعنا جميعًا كيف أنهم اختطفوا الفتيات والفتيان للاعتداء عليهم جنسياً. ثم تغير الوضع مرة أخرى في ظل نظام طالبان الأول. فقد سُمح للأولاد بالذهاب إلى المدرسة لدراسة مواد تشمل أدب الباشتو والداري، واللغة الإنجليزية، والرياضيات، والجغرافيا، والتاريخ، وعلم الأحياء، والكيمياء، والفيزياء، والخط. وفي المدرسة الابتدائية، طُلب منهم ارتداء قبعة بيضاء وفي المدرسة الثانوية كان يُطلب منهم ارتداء عمامة سوداء كجزء من زيهم الرسمي. وتم حظر الفتيات رسميًا من جميع المدارس، لكن تعليم بعضهن استمر سراً أو في مناطق خارجة عن سيطرة الحكومة.
    ما مِن شك في أن نظامنا التعليمي قد تحسن بشكل كبير خلال فترة الاحتلال الأميركي. وقد استفاد الأفغان في جميع أنحاء البلاد من قدرتهم على الالتحاق بالمدارس العامة والخاصة، وكذلك الجامعات. وكانت المشكلة هي أن هذه التحسينات جاءت بتكلفة بشرية هائلة. وربما نكون بصدد دفع ثمن ذلك الآن. وإذا علمتنا الحرب وجعلتنا أكثر تقدمًا، فقد أصابتنا أيضًا بالصدمة وجعلتنا أكثر رجعية. وقد جعلت البعض منا ممرضين وممرضات وأطباء وطبيبات، لكنها جعلت من آخرين أرامل وأيتاماً. والآن جمدت الولايات المتحدة أصول مصرفنا المركزي، فيما جاء في جزء منه، كما تقول، بسبب عناد طالبان بشأن تعليم الفتيات. ومن المرجح أن يسفر ذلك عن نتائج أكثر مأساوية في الأشهر والسنوات المقبلة.
    أوضحت حكومة طالبان قرارها بإبقاء مدارس البنات مغلقة بادعاء أن لديها مخاوف بشأن أسلوب الزي الرسمي الحالي. ولا أحد أعرفه، بمن في ذلك العديد من أعضاء طالبان نفسها، يعتقد أن هذا هو السبب الحقيقي. قد يكون الزي الرسمي -الذي يتكون من بلوزة سوداء وسروال فضفاضين ووشاح رأس أبيض- متبقياً من تركة الاحتلال الأميركي، لكنه صمم بما يتماشى مع الفقه الحنفي ومن الواضح أنه إسلامي. فبعد كل شيء، يُسمح للنساء اللائي يؤدين فريضة الحج في الحرم المكي بإظهار وجوههن وإبقاء أيديهن وبعض أجزاء من أرجلهن ظاهرة. ولا تتصرف فتياتنا بشكل مختلف.
    أصدر مركز للعلماء الحنفيين في هرات غربي أفغانستان فتوى ردًا على قرار طالبان تؤكد ضرورة تعليم الفتيات، وهنا في كابول خرجت النساء في المدينة للاحتجاج على استمرار الحظر. وعبر الإنترنت وفي الحوارات الشخصية، يتجادل أعضاء طالبان الآن فيما بينهم حول ما إذا كان من الصواب إبقاء مدارس الفتيات مغلقة.
    طوال فترة الاحتلال الأميركي، قيل لنا دائمًا إن طالبان لن تنتصر أبدًا لأنها منقسمة. ولكن لم يتم تقديم أي دليل حقيقي يدعم هذه المزاعم، وفي النهاية، كان الأميركيون وحلفاؤهم الأفغان هم الذين تعرضوا للإذلال. والآن، ولأول مرة يتساءل حتى الموالون لطالبان عما إذا كانت الحركة قد أصبحت تحت خطر الانقسام. ويبدو أن قرار مجلس الوزراء بإعادة فتح المدارس في 23 آذار (مارس) قد ألغي بأمر غير مكتوب صادر من قندهار. وحدث هذا على ما يبدو بعد اجتماع بين كبار مسؤولي طالبان برئاسة المرشد الأعلى، هبة الله أخوندزاده، لكن من غير الواضح من هو الذي كانت له الكلمة الأخيرة بالضبط.
    دعونا لا ننسى أن أفغانستان كانت في حالة حرب أو اضطراب سياسي منذ العام 1978 على الأقل. وقد نشأت أجيال كاملة في هذه البيئة. وبالنسبة للبعض، مثل الفتيات اللاتي ذهبن إلى المدرسة خلال الأعوام العشرين الماضية، كان التعليم وسيلة للخروج من مأساتنا الوطنية. لكن هذا كان، بالنسبة لآخرين، سبباً لهذه الفوضى. وعلى الرغم من أننا يجب أن نحزن على قرار طالبان، فإننا ربما لا ينبغي أن نندهش كثيراً.
    أخبرني أحد مصادري الذي يعرف أخوندزادا جيدًا عن وقت كان فيه معه قبل أن يصبح المرشد الأعلى، عندما كان مجرد عضو بارز في طالبان. كان أخوندزادا، الذي يتمتع بخلفية كعالم وقاضٍ، يتحدث عن قيمة التعليم في مسجد في كوتشلاك في مقاطعة بلوشستان الباكستانية. وقال للجمهور: "سوف يتخرج مجاهد من مدرسة. وسوف يتخرج كرزاي من المدرسة". وبالقدر الذي ما يزال يعني الكثير من أعضاء طالبان، أدى التعليم إلى الاحتلال، ولم يؤد إلى الاستقلال. وتحقق الفوز بالحرية بالقرآن والبندقية، ولا شيء غير ذلك. *فاضل من الله قزيزاي Fazelminallah Qazizai: هو مراسل أفغانستان في New Lines. وهو صحفي أفغاني حاصل على إجازة في الشريعة الإسلامية من جامعة كابول ، وشارك مع كريس ساندز في تأليف كتاب "رسائل ليلية: قلب الدين حكمتيار والإسلاميون الأفغان الذين غيروا العالم". لقد عاش دائمًا في أفغانستان.
    *نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why the Taliban View Education as a Weapon