لماذا فشلت الكولونيالية الغربية في أفغانستان؟

المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر مع الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، 2003 - (أرشيفية)
المستشار الألماني السابق غيرهارد شرودر مع الرئيس الأفغاني السابق حامد كرزاي، 2003 - (أرشيفية)
دارون عاصم أوغلو* - (موقع قنطرة) 31/8/2021 إسطنبول- قبل عشرين عاما، غزت الولايات المتحدة أفغانستان على أمل إعادة بناء دولة، في ما تحول إلى مشكلة ألَمَّت بالعالم أجمع وبشعبها نفسه. وكما أوضح الجنرال ستانلي ماكريستال في الفترة التي سبقت زيادة القوات الأميركية هناك في العام 2009، فقد كان الهدف يتلخص في "تمكين حكومة أفغانستان من فرض سيطرتها بالقدر الكافي على أراضيها لدعم الاستقرار الإقليمي، ومنع استخدامها لنشر الإرهاب الدولي". الآن، بعد مقتل أكثر من 100 ألف إنسان وإنفاق نحو تريليوني دولار، لم تقدم لنا أميركا أي نتيجة لجهودها غير المشاهد التي رأيناها الشهر الماضي من التدافع اليائس للخروج من أفغانستان -وهو انهيار مُذِل يذكرنا بسقوط سايغون في العام 1975. فما الذي أدى إلى هذه النتيجة المشينة؟ كل شيء تقريباً، ولكن ليس بالطريقة التي يتصورها أغلب الناس. ففي حين أسهم التخطيط الرديء والافتقار إلى المعلومات الاستخباراتية الدقيقة في هذه الكارثة بكل تأكيد، فإن المشكلة كانت في حقيقة الأمر في طور التكوين طوال عشرين عاماً. أدركت الولايات المتحدة في وقت مبكر أن الطريقة الوحيدة لإنشاء دولة مستقرة تتسم ببعض مظاهر القانون والنظام تتلخص في إنشاء مؤسسات دولة قوية. وبتشجيع من العديد من الخبراء، ونظريات صارت بائدة الآن، تعاملت المؤسسة العسكرية الأميركية مع هذا التحدي على أنه مشكلة هندسية: حيث كانت أفغانستان تفتقر إلى مؤسسات الدولة، وقوة أمنية عاملة، ومحاكم، وجهاز بيروقراطي حسن الاطلاع، وبذلك فإن الحل يتمثل في ضخ الموارد ونقل الخبرات من الأجانب. وكانت المنظمات غير الحكومية -ومجمع المساعدات الخارجية الغربي بشكل عام- حاضرة للمساعدة بطريقتها الخاصة (سواء كان السكان المحليون راغبين في تلقي هذه المساعدة أم لا). ولأن عمل هذه المنظمات كان يتطلب درجة من الاستقرار، كان من الضروري نشر جنود أجانب -قوات حلف شمال الأطلسي بشكل أساسي، ولكن أيضا قوات تتألف من متعاقدين من القطاع الخاص- للحفاظ على الأمن. انطلاقا من نظرتهم إلى بناء الدولة على أنها عملية تجري من القمة إلى القاعدة، "الدولة أولا"، كان صناع السياسات الأميركيون يتبعون "تقليدا محترماً" في العلوم السياسية. والافتراض الأساسي هو أنك إذا تمكنت من فرض هيمنتك العسكرية بشكل ساحق على منطقة من الأرض وإخضاع جميع مصادر القوة الأخرى، فسيمكنك حينئذ أن تفرض إرادتك. مع ذلك، كانت هذه النظرية في معظم الأماكن نصف صحيحة فقط، في أحسن الأحوال؛ وفي أفغانستان كانت خاطئة تماما. بطبيعة الحال، كانت أفغانستان في حاجة إلى دولة فاعلة. لكن الافتراض بأن هذه الدولة يمكن أن تفرضها من أعلى قوات أجنبية كان في غير محله. وكما زعمت أنا وجيمس روبنسون في كتابنا الصادر في العام 2019 بعنون "الممر الضيق"، يفتقر هذا المنهج إلى أي منطق عندما تكون نقطة البداية لتطبيقه مجتمعا شديد التجانس ومنظماً حول عادات وأعراف محلية، حيث كانت مؤسسات الدولة غائبة أو معطلة لفترة طويلة. صحيح أن نهج بناء الدولة من القمة إلى القاعدة نجح في بعض الحالات (مثل سلالة تشين في الصين أو الإمبراطورية العثمانية). لكن أغلب الدول لم تُبنَ بالقوة، وإنما عن طريق التسوية والتعاون. وتنطوي مركزية السلطة الناجحة في ظل مؤسسات الدولة بشكل أكثر شيوعا على الرضا والتعاون من جانب رعايا هذه الدولة. وفي هذا النموذج، لا تُفرَض الدولة على مجتمع ضد رغبته؛ بل تعمل مؤسسات الدولة على بناء الشرعية من خلال تأمين الحد الأدنى من الدعم الشعبي. وهذا لا يعني أن الولايات المتحدة كان يجب أن تعمل مع طالبان. إنه يعني أنه كان يجب عليها أن تعمل بشكل وثيق مع مجموعات محلية مختلفة، بدلا من ضخ الموارد في النظام الفاسد غير التمثيلي بقيادة أول رئيس لأفغانستان بعد طالبان، حامد كرزاي، وشركاه. في العام 2009، شارك أشرف غاني، الرئيس الأفغاني المدعوم من الولايات المتحدة الذي فَرَّ إلى الإمارات العربية المتحدة قبل أيام، في تأليف كتاب يوثق كيف تسببت هذه الاستراتيجية في تغذية الفساد، وفشلت في تحقيق هدفها المعلن. ولكن، بمجرد وصوله إلى السلطة، واصل غاني على الطريق نفسه. الواقع أن الوضع الذي واجهته الولايات المتحدة في أفغانستان كان أسوأ حتى من الوضع المعتاد الذي يواجه بناة الأمم الطموحين. فمنذ البداية، كان الشعب الأفغاني ينظر إلى الوجود الأميركي على أنه عملية أجنبية تسعى إلى إضعاف مجتمعهم. ولم تكن هذه صفقة يريدون إبرامها بطبيعة الحال. ولكن، ما الذي يحدث عندما تسير جهود بناء الدولة من القمة إلى القاعدة ضد رغبات المجتمع؟ في العديد من الأماكن، يكون الخيار الجذاب الوحيد هو الانسحاب. في بعض الأحيان، يأتي الانسحاب على هيئة رحيل جماعي مادي، كما يوضح جيمس سكوت في دراسته حول شعب زوميا في جنوب شرق آسيا بعنوان "فَن ألّا تُحْكَم". أو قد يعني التعايش المشترك بلا تعاون، كما في حالة الأسكتلنديين في بريطانيا أو الكتالونيين في إسبانيا. ولكن في مجتمع مستقل بشدة، وجيد التسليح، ويراعي تقليدا قديما من صراعات الدم والثأر، ولا يخلو تاريخه الحديث من حرب أهلية، فإن الاستجابة الأكثر ترجيحا هي الصراع العنيف. ربما كانت الأمور لتتخذ منحى مختلفا لو لم تقدم وكالة الاستخبارات الباكستانية الدعم لحركة طالبان بعد هزيمتها عسكريا، ولو لم تتسبب هجمات الناتو بالطائرات من دون طيار في إبعاد وتنفير السكان، ولو لم تكن النخب الأفغانية التي دعمتها الولايات المتحدة فاسدة إلى حد الإسراف. لكن أوراق اللعب كانت دوما ضد استراتيجية "الدولة أولا" التي انتهجتها أميركا. الحقيقة هي أنه كان يجب على قادة الولايات المتحدة أن يدركوا الواقع على الأرض بشكل أفضل. وكما توثق ميليسا دِل وبابلو كويروبين، فقد تبنت أميركا استراتيجية مماثلة من القمة إلى القاعدة في فيتنام، وأفضى ذلك إلى نتائج عكسية إلى حد مذهل. وأصبحت المناطق التي قُصفت لإخضاع الفيتكونغ أشد دعما للتمرد ضد أميركا. كانت تجربة المؤسسة العسكرية الأميركية الحديثة في العراق أكثر دلالة. فكما يوضح بحث من تأليف إيلي بيرمان، وجاكوب شابيرو، وجوزيف فيلتر، عملت "زيادة القوات" هناك بشكل أفضل كثيرا عندما حاول الأميركيون الفوز بالقلوب والعقول من خلال حشد دعم الجماعات المحلية. وعلى نحو مماثل، كما أشرت في بحثي مع علي شيما، وعاصم خوجة، وجيمس روبنسون، يلجأ الناس في المناطق الريفية في باكستان إلى القوى الفاعلة غير التابعة للدولة على وجه التحديد عندما يعتقدون أن مؤسسات الدولة غير فعالة وغريبة عنهم. لا يعني أي من هذا أنه لم يكن من الممكن إدارة الانسحاب على نحو أفضل. ولكن بعد عشرين عاما من الجهود المضللة، كان من المحتم أن تفشل الولايات المتحدة في تحقيق هدفها المزدوج المتمثل في الانسحاب من أفغانستان وترك مجتمع مستقر قائم على القانون هناك. كانت النتيجة مأساة إنسانية هائلة. وحتى لو لم تعد حركة طالبان إلى أسوأ ممارساتها، فسوف يدفع رجال أفغانستان، ونساؤها بشكل خاص، ثمنا باهظا لإخفاقات أميركيا، في السنوات والعقود المقبلة. *أستاذ الاقتصاد في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا، والمؤلف المشارك (مع جيمس روبنسون) لكتاب "لماذا تفشل الأمم: أصل القوة والرخاء والفقر"، وكتاب "الممر الضيق: الدول والمجتمعات ومصير الحرية".اضافة اعلان