لماذا يشعر السنة في الشرق الأوسط بأنهم ضحية؟

شعارات سياسية واحتجاج شعبي عند أحد المساجد - (أرشيفية)
شعارات سياسية واحتجاج شعبي عند أحد المساجد - (أرشيفية)

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 3/11/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

ذات مرة، كان المسلمون الشيعة، الذين يشكلون الفئة الأصغر من فرعي الإسلام الرئيسي، هم الذين يندبون وضعهم بوصفهم الجانب الأضعف والمطارد، ويبتهلون من أجل عودة "المهدي" لاستعادة مجدهم الغابر. وكان الشيعة هم الذين نفذوا أولى التفجيرات الانتحارية في الثمانينيات، معتقدين بأن العالَم القادم سيشكل تحسناً بالنسبة لقضيتهم. أما في العقود الأخيرة، فإنهم السنة، الذين يشكلون 85 في المائة من مسلمي العالم البالغ عددهم 1.6 مليار نسمة، هم الذين أصبحوا يعرضون شعوراً بأنهم الضحية. فكيف حدث أن الطائفة المهيمنة في ثاني أكبر دين في العالم، أصبحت تشعر بمثل هذا الرثاء للذات.اضافة اعلان
منذ أواسط القرن التاسع عشر، عندما سيطر سلطان الإمبراطورية العثمانية السني على أراضٍ في ثلاث قارات، أصبح التاريخ حكاية تراجع سني. وفي أحد الأوقات، أصبح 9 من كل 10 مسلمين يعيشون في حكم غير إسلامي. وحتى عندما انسحب الأوروبيون، فإنهم غالباً ما سلموا السلطة لأتباع غير سنيين. وفي البداية، سعت فرنسا إلى نحت جيوب علوية ودرزية ومارونية ومسيحية في سورية الكبرى. وقد أحبطت خططها في هذا الصدد بسبب ثورة، لكن ثورة موازية فشلت في نسف وعد بريطانيا بمنح فلسطين لليهود.
بعد انسحاب قوى الاستعمار، جلب الاستقلال وسيطرة دول الخليج على كميات وفيرة من النفط، القليل من الغيث. فقد تحولت القبائل البدوية إلى دول ذات سيادة، لكن سكانها كانوا قليلين جداً بحيث اعتمدوا على القوى الاستعمارية السابقة لتأمين ثرواتهم الهائلة. ومنذ ذلك الحين، شكلت العقوبات الاقتصادية الغربية تذكيراً بالسيطرة الباقية التي ما يزال الغرباء يمارسونها على المنطقة. وقام الحكام العسكريون في العالم العربي باحتكار السلطة في المعاقل السابقة للعالم الإسلامي، وعاملوا الإسلام غالباً على أنه عقبة تقف في سبيل مشاريعهم التحديثية. وقد ذهبت مئات الآلاف من الأرواح وأُهدر الكثير من ثروات المنطقة في خوض النزاعات الحدودية مع إسرائيل وبين الدول الإسلامية المتنافسة نفسها. ومن الناحية اللاهوتية، كافح الإسلام السني من أجل التصالح مع خسرانه السلطة السيادية، ومع تأكيده الذاتي المتواصل لنفسه كدين. وكان النبي محمد قد احتل الجزيرة العربية، ثم قام خلفاؤه في غضون عقود بتوسيع العالم الإسلامي عبر شمال أفريقيا والشرق الأوسط، بطريقة ترمز إلى النمو الروحي والمادي للإسلام على حد سواء. وقد فُهم انحسار تلك الإمبراطورية باعتبار أنه ينطوي على محو الدين نفسه. وتصاعد ذلك الشك عندما أطاحت أميركا، خلال 18 يوماً فقط في العام 2003، بأقوى حاكم سني في منطقة الهلال الخصيب، واستبدلت حكم صدام حسين بحكومة من الأغلبية الشيعية، وفتحت حدود البلد –على الأقل أمام خصمها الشيعي في الشرق، إيران. وعندما قامت الولايات المتحدة بسحب قواتها بعد ثماني سنوات من ذلك، جاءت إيران والقوى التي تدور في فلكها لملء الفراغ. وفي غمرة الأعراض التي عادة ما تصاحب الشيخوخة، كشف قادة السعودية ومصر، كبار رؤساء الأغلبية السنية في العالم العربي، عن مقاومة ضعيفة أمام هذا المد.
على هذه الخلفية، صعدت الميلشيات السنية لتحل محل هذه القيادات، في العراق وسورية، في محاولة لوقف زحف النفوذ الإيراني. واتخذت المحاولات المتعاقبة لاستعادة القوة السنية أشكالاً تزداد قسوة ودموية باطراد، والتي بلغت ذروتها في شكل "الدولة الإسلامية" التي أعلنت نفسها "خلافة". ولبعض الوقت، كان "الربيع العربي" قد عرض بديلاً، باعثاً الأمل في تحقق شكل مدني من التجدد. واقترح البعض أن العرب السنة، وقادتهم، ربما يحصلون على الاستقلال في نهاية المطاف. لكن ذلك العصر الجديد كان ميتاً قبل أن يولد. وقامت القوى القديمة نفسها بعملية عودة دموية، وكذلك فعلت أيضاً مواطن السخط  القديمة ذاتها. ومع إحساس بانعدام اليقين إزاء كيفية المضي قُدُماً، أدار زعماء الغرب ظهورهم في البداية، وتعاملوا فقط مع التداعيات في أوروبا. لكن الدعوات إلى التدخل الغربي تصاعدت بينما تراكمت العواقب والتداعيات، وهو ما حدث بالكاد للمرة الأولى. كان في العام 1920 حين أمر وزير الحرب البريطاني في ذلك الوقت، ونستون تشرشل، قوات سلاح الجو الملكي البريطاني بقصف العراق، في محاولة لإخماد ثورة هناك. ومن المعروف أن العادات القديمة لا تموت بسهولة. وكذلك أيضاً، مواطن الأحزان والشكوى.
*نشر هذا التقرير تحت عنوان: Why the Middle East's Sunnis feel they are victims