ليبيا: اصطياد الرجل العصي على الاصطياد

الجهادي الجزائري وزعيم تنظيم "المرابطون" مختار بلمختار - (أرشيفية)
الجهادي الجزائري وزعيم تنظيم "المرابطون" مختار بلمختار - (أرشيفية)

تقرير خاص – (الإيكونوميست) 15/6/2015

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

خلال السنوات الأربع التي مرت منذ ساعدت الضربات الجوية الغربية في الإطاحة بالزعيم الليبي معمر القذافي، سقطت البلاد في حرب أهلية محيرة. وقد عمل الصراع في ليبيا على نزع استقرار الدول المجاورة، ووفر فراغاً مفيداً للجهاديين لكي يملؤوه. ومن بين هؤلاء، كان مختار بلمختار، الجهادي الجزائري المخضرم المرتبط بتنظيم القاعدة. وكان بلمختار قد دبر في العام 2013 غارة على منشأة غاز يشغلها الغرب في الجزائر، والتي أسفرت عن مقتل 35 من الرهائن، بمن فيهم ثلاثة أميركيين. وفي 17 حزيران (يونيو) كان السيد بلمختار هو الهدف المقصود لضربة جوية أميركية نفذت في سواحل أجدابيا في شرق ليبيا. وما يزال من غير الواضح حتى كتابة هذا التقرير ما إذا كان بلمختار قد قتل في تلك الغارة.اضافة اعلان
من المرجح أن تخيب آمال أولئك الذين يأملون بأن تؤذن تلك الغارة بإعادة انخراط أميركية في ليبيا بعد أربع سنوات من المراقبة من الهوامش. فإدارة أوباما حريصة تماماً على التقليل من حجم التزامها في الشرق الأوسط. وهي تعتبر ليبيا مشلكة أوروبية بشكل أساسي، ولذلك، فإن من المرجح أن يكون عملها هناك مقتصراً على عمليات مكافحة الإرهاب. وعلى سبيل المثال، أرسلت الولايات المتحدة في العامين 2013 و2014 وحدات من القوات الخاصة لإلقاء القبض على متشددين في ليبيا، والذين كانوا قد استهدفوا البعثات الدبلوماسية الأميركية في بنغازي وتنزانيا.
من جهة أخرى، تبدو الدول الأوروبية غير راغبة في القيام بالعمل الذي لا تريد الولايات المتحدة القيام به في ليبيا، مفضلة اتخاذ تدابير محدودة أحادية الجانب لحماية مصالحها الخاصة بدلاً من المصالح الليبية. وقد سعت القوات الفرنسية في النيجر وتشاد المجاورتين إلى قطع خطوط إمداد الجهاديين التي تمر عبر منطقة الصحارى إلى الساحل الليبي على البحر المتوسط. وتسعى دول أخرى إلى استصدار تفويض من الأمم المتحدة للقيام بعمل عسكري ضد المهربين الليبيين الذين يساعدون قوارب المهاجرين على الوصول إلى الشواطئ الأوروبية. لكن هناك القليل من الحديث عن بذل جهود أكثر جرأة لاستعادة الحكم الذي ساعدت الدول الأوروبية في إسقاطه إلى ذلك البلد.
ما تزال ليبيا ممزقة بين تحالفين من القبائل والميليشيات، واللذين لكل منهما برلمانه ورعاته الأجانب. في الجزء الغربي من البلاد، تتلقى حكومة "فجر ليبيا" الدعم إلى حد كبير من تركيا، وقطر، والمجموعات الإسلامية. وفي الشرق، تتمتع حكومة "الكرامة"، وقيادتها في البيضا، باعتراف المجتمع الدولي، وهي تقاتل من أجل استعادة السيطرة على البلد في ظل قائدها الرئيسي، خليفة حفتر. وتتلقى حكومة الكرامة الدعم العسكري من مصر والإمارات العربية المتحدة، والمعارضين الشرسين للإسلاميين من أي نوع.
كان السيد بلمختار، رئيس المجموعة المتشددة التي تسمي نفسها "المرابطون"، قد استخدم ليبيا كنقطة انطلاق لوجستية لعملياته في منطقة الساحل الإفريقي. وربما يكون قد سعى أيضاً إلى تعزيز حضوره بالقرب من المنشآت النفطية في منطقة الساحل. وقد موّل السيد بلمختار، المعروف محليا باسم "رجل المارلبورو"، حركته عن طريق تهريب السجائر من مستودع في البلقان إلى مشترين في عمق أفريقيا، عن طريق شرق ليبيا. (تأخرت رحلة كاتب هذا التقرير من بنغازي إلى مصراتة لمدة ثلاث ساعات، بينما كان الموظفون على الأرض يقومون بتحميل صناديق المارلبورو على متن الطائرة).
باعتباره محارباً قديماً شارك في الحرب الأفغانية ضد الاتحاد السوفياتي، ثم في الحرب التي وقعت في الجزائر ضد حكومتها العسكرية، ساعد السيد بلمختار ذي العين الواحدة في تأسيس منظمة "القاعدة في بلاد المغرب"، والتي مولت نفسها من خلال التهريب واختطاف الأجانب. وكان مطلوباً منذ وقت طويل لأجهزة مكافحة الإرهاب الأميركية والجزائرية. وقد دعاه الفرنسيون "العصي على الصيد".
عندما انقسمت الجماعات الجهادية في شمال أفريقيا، انفصل السيد بلمختار عن القاعدة في بلاد المغرب ليشكل مجموعته الخاصة. لكنه عارض مع ذلك المقاتلين الذين تركوا تنظيم القاعدة من أجل مبايعة تنظيم "الدولة الإسلامية". وإذا كان قد قتل، كما يزعم المسؤولون في شرق ليبيا، فإن المراقبين المحليين يقولون أن مقاتليه ربما يندفعون الآن إلى أحضان "الدولة الإسلامية".
لا أحد يعرف كيف ستؤثر الضربة الأميركية الأخيرة على جهود الوسطاء الرامية إلى دق إسفين بين المنظرين الجهاديين والقوى الليبية الأخرى. وقد ضربت الولايات المتحدة منطقة تحتفظ فيها قبيلة المغاربة بالنفوذ، وحيث عرض بعض شيوخها الحماية على الجماعات الجهادية كما يبدو.
يأتي هذا الهجوم الأخير في وقت يشيد فيه وسطاء الأمم المتحدة بنجاحهم في توسيع التحالف المضاد للإسلاميين. وفي الآونة الأخيرة، أعلن قادة من مصراتة، المدينة الميناء التجارية ومعقل ميليشيات "الفجر" الليبية، عن قطع روابطهم مع الجماعات الجهادية. ومن دون دعم مصراتة، يشك البعض في قدرة حكومة "فجر ليبيا" على الاحتفاظ بحكمها في غرب البلاد. وقد شرع الخصوم السابقون مسبقاً بالتفاوض على اتفاقيات وقف نار محلية.
في حين يحجم المتشددون عن المشاركة، يتحدث الدبلوماسيون بتفاؤل عن آفاق تشكيل حكومة وطنية ومجلس تشريعي لجسر الفجوة القائمة في ليبيا. وسوف يخدم المجلس التشريعي في الشرق كمجلس للنواب، بينما سيشكل البرلمان في الغرب الجزء الأكبر من "مجلس استشاري للدولة"، والذي ينظر إليه البعض على أنه مجلس شيوخ وليد. وإلى جانب المحادثات، توقف القتال في الغرب وعاد إنتاج النفط ليصل إلى نحو نصف مليون برميل يومياً.
في حين تبدو التوترات بين التحالفين الشرقي والغربي في طور الهبوط، تزداد التوترات بين المجموعات الجهادية في البلاد. وفي 13 حزيران (يونيو)، زعمت المجموعة التابعة للقاعدة، التي تدعى "لواء شهداء أبو سليم"، بأنها تمكنت من طرد مقاتلي "الدولة الإسلامية" من درنة، المدينة الميناء الشرقية الواقعة تحت سيطرة الجهاديين. وقالت المجموعة أنها استولت على مبنى المحكمة في المدينة وألقت القبض على قائد مجموعة "الدولة الإسلامية" اليمني. كما قامت قوات ليبية تحت قيادة الجنرال حفتر أيضاً بمهاجمة مواقع "الدولة الإسلامية" في الجوار القريب. وتضيف الضربة الأميركية تعقيداً جديداً إلى الوضع المعقد أصلاً. فهل سيضعف الجهاديون، أم أنهم سُيدفعون إلى رص الصفوف وتوجيه الهجمات نحو الغرب؟ في مجتمع قبلي بشكل كبير، ولَّدت أربع سنوات من القتال الآلاف من أسباب الثأر الجديدة. ولن تتخلى الميليشيات المحلية بسهولة عن المناطق التي كسبتها.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان:
 Catching "The Uncatchable" one