ليبيا لا تستطيع أن تنقذ نفسها

حي دمرته المعارك مع "داعش" في مدينة سِرت الليبية الساحلية -(أرشيفية)
حي دمرته المعارك مع "داعش" في مدينة سِرت الليبية الساحلية -(أرشيفية)

كريم مزران، وماتيا توالدو — (فورين بوليسي) 2017/3/23

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يبدو أن السنة الجديدة جلبت قطعة بعد القطعة من الأخبار السيئة لليبيا، مهددة بافتتاح مرحلة جديدة من هبوط البلد المتواصل إلى أتون الفوضى. ويبدو أن الآمال التي رافقت هزيمة "داعش" العام الماضي في "إمارته" المعلنة ذاتياً في سرت، واحتمال أن يبدأ ذلك فترة من الهدوء النسبي، قد تبددت نظراً لتصاعد وتيرة القتال مؤخراً في أربعة أجزاء مختلفة من البلد. اضافة اعلان
تغيرت الجهات المسيطرة على "هلال النفط"، حيث تمر نسبة 60 في المائة من انتاج النفط الليبي، مرتين في آذار (مارس) الحالي، من جانب الجيش الوطني الليبي المعادي للإسلاميين بقيادة الجنرال خليفة حفتر -الضابط السابق في حقبة القذافي والذي انقلب على الدكتاتور السابق وتسيطر قواته حالياً على شرق البلد- ومن جانب المجلس الرئاسي المدعوم من الأمم المتحدة، والممثلة في رئاسة جماعية للدولة تتخذ من العاصمة مركزاً لها، حيث تقاتل المليشيات الموالية اسمياً للمجلس ضد مجموعات منافسة -وعلى نحو متزايد ضد بعضها البعض أيضاً. وفي الجنوب، اشتبك الجيش الوطني الليبي بقيادة حفتر مراراً مع مجموعات مسلحة من مدينة مصراطة الساحلية. وفي الشرق، ومنذ العام 2014، لم يتوقف القتال أبداً بين الجيش الوطني الليبي ومجالس الشورى المحلية في بنغازي وفي درنة.
يشهد البلد منذ العام 2014 انقساماً بين حكومات متنافسة: واحدة في الشرق واثنتان في طرابلس. وفي أيار (مايو) من ذلك العام، بدأ الجنرال حفتر عملية العزة والكرامة، وهو حركة معادية للإسلاموية، والتي ركزت بداية على مدينة بنغازي الشرقية. وبعد شهر، تشكل ائتلاف من مليشيات مدن في غربي ليبيا، باسم "فجر ليبيا"، وغزا طرابلس. وتحول الصراع بين القوات التي هزمت معمر القذافي منذئذٍ إلى كفاح مرير على السلطة والموارد والسيطرة على القطاع الأمني الممزق في البلد.
في كانون الأول (ديسمبر) من العام 2015، أفضت وساطة بعثة الأمم المتحدة في ليبيا إلى التوقيع على الاتفاقية السياسية الليبية التي هدفت إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية من أعضاء البرلمان المتنافسين من شرق وغرب ليبيا. ولكن، بينما كانت البعثة الأممية مكلفة بمهمة التفاوض على تنفيذ الاتفاقية، فقد أصبحت اليوم بلا رئيس من الناحية الفعلية. فقد وصل تفويض الممثل الخاص للأمم المتحدة في ليبيا، مارتن كوبلر، إلى نهايته هذا الشهر، فضلاً عن أنه فقد ثقة لاعبين رئيسيين في ليبيا منذ طويل وقت. واصطدمت محاولة الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريس، بتعيين رئيس الوزراء الفلسطيني السابق، سلام فياض، كممثل خاص له هناك، باستخدام إدارة الرئيس الأميركي ترامب لحق النقض "الفيتو".
كما فشلت مسارات تفاوض منافسة قادتها قوى إقليمية، خاصة مصر والجزائر، في التوصل إلى انفراج. ونتيجة لذلك، انهارت معظم قنوات الاتصال بين شرقي وغربي ليبيا.
في الغضون، أصبحت روسيا منخرطة على نحو متزايد في محاولة منها لملء الفراغ الذي تركه انهيار المسار الأممي، وغياب اهتمام كل من إدارة ترامب والأوروبيين. ومن غير الواضح ما الذي تريده موسكو فعلاً في ليبيا، ولكن يبدو أنها تنتهج استراتيجية تقر بتقسيم الأمر الواقع للبلد، وتعِد بالدعم السياسي والعسكري لمعركة حفتر في الشرق، بينما يتم التوقيع على عقود نفط وبحث فرص تجارية تتمثل في الاتجار بالسلع ومشروعات الإنشاء المستقبلية مع المؤسسات في طرابلس. وفي حين أن هناك تقارير تتحدث عن احتمال أن تساعد قوات روسية خاصة حفتر، فإنها ليست هناك حتى الآن أي أدلة تثبت وجود دعم عسكري روسي حاسم للجيش الوطني الليبي، ومن الإنصاف القول بأن الكرملين يقوم بتنويع استثماره السياسي في البلد من خلال التحدث مع كل الأطراف.
قوى الدعم السياسي الروسي المتزايد والرياح المعادية للإسلامويين التي تعصف في واشنطن من اعتقاد حفتر بأنها لا فائدة ترجى من التفاوض على حل سياسي مع القوات في غربي ليبيا. وعلى الرغم من ممارسة ضغط ثقيل من جانب الراعيين المصريين، فقد رفض حفتر حتى مجرد اللقاء مع رئيس مجلس الرئاسة الليبي، فايز السراج، في القاهرة يوم 14 شباط (فبراير) الماضي لبحث خريطة طريق للمفاوضات. بل إنه أعاد إلزام نفسه بتحقيق هدفه الرئيس المتمثل في "محاربة الإرهاب" من خلال تصعيد الضغط على قوات مصراطة في الجنوب، ومن خلال الإعلان عن "تحرير" وشيك لطرابلس –على الرغم من كونه غير مرجح.  في الأثناء، يتعرض غربي ليبيا لخطر المزيد من التقسيم. فقد تم اختزال المجلس الرئاسي من الناحية الفعلية في عضوين من أصل أعضائه الأصليين التسعة -السراج ونائبه أحمد معيتيق- وهو يفتقر إلى السيطرة الفعلية على الديناميات على أرض الواقع. وتهيمن على العاصمة عصبة من المليشيات التي تقاتل حالياً ضد مجموعات مسلحة موالية لحكومة منافسة. وخارج طرابلس، ثمة أرخبيل مشابه من المجموعات المسلحة المحلية التي تسيطر على مجريات الأمور على الأرض.
على ضوء الافتقار إلى الرغبة في التوصل إلى تسوية في الشرق، والافتقار إلى محاورين موثوقين في الغرب، تبدو التسوية السياسية التي تعيد توحيد البلد أشبه بسرابٍ على الأرجح. وإذا كانت ليبيا والمجمتمع الدولي يأملان في تجنب فصل دموي جديد في الحرب الأهلية، فيجب عليهم التركيز على ثلاثة مسارات لاتباعها على المدى المنظور، بالتوازي مع مفاوضات على الصورة الأكبر.
أولاً، تحتاج ليبيا إلى آلية وقف الصراع لتجنب التصعيد. وإذا كان مبعوث الأمم المتحدة لا يستطيع فعل ذلك، فيجب على أحد آخر في الغرب فعله. أي فرصة أفضل من هذه أمام بريطانيا لإظهار أهميتها بعد الـ"بريكسيت"؟ أو لماذا لا يقوم بذلك وزير الخارجية الفرنسية بحيث يستطيع تغذية شرعيته قبل أسابيع وحسب من مغادرته لمنصبه؟ يجب أن يكون هذا بديلاً مؤقتاً لبعثة كاملة الأداء من الأمم المتحدة، والتي قادرة على العمل لتحقيق المصالحة وتثبيت حالات وقف إطلاق النار ومراقبة انتهاكات حقوق الإنسان. ويستطيع كل من مفاوض مؤقت والأمم المتحدة العمل على عدد من إجراءات بناء الثقة، مثل تأسيس قنوات اتصال دائمة وتحرير السجناء وإعادة فتح الطرق والمشاركة في تقديم المساعدات الإنسانية.
ثانياً، يحتاج البلد إلى ما تدعوه الاقتصادية هالة بوقعيقيص "اتفاقية اقتصادية ليبية" حول كيفية اقتسام ثروة البلد النفطية. والمعروف أن ليبيا تجلس على أضخم احتياطيات هيدروكربونية إفريقية. وفي الفترة التي سبقت حرب العام 2011، كانت نتتج نحو 1.6 مليون برميل يومياً، وراكمت أكثر من 100 مليار دولار كاحتياطيات –وهو مبلغ كبير لمواطنين يبلغ عددهم 6 ملايين نسمة. ودار الكثير من القتال في السنوات القليلة الماضية حول المنشآت النفطية أو ملاذات التهريب. وقد يستغرف التفاوض على عقد اجتماعي جديد بعض الوقت، لكن هناك إجراءان يمكن أن يشكلا بداية جيدة: يجب على الحكومة في طرابلس أن تقوي دعمها المالي المقدم لكل بلديات ليبيا، بما في ذلك في المناطق الخاضعة لسيطرة حفتر، ويجب وضع المرافق والمنشآت النفطية تحت سيطرة مؤسسة النفط الوطنية المستقلة في طرابلس، مع محاولات لتأسيس مؤسسات اقتصادية موازية تكون عرضة للعقوبات الدولية.
وأخيراً، يجب أن تكون طرابلس قلب الجهود الدولية. وتكمن الحاجة الأكثر إلحاحاً في وضع خطة لتخليص المدينة من الأسلحة الثقيلة ودفع المليشيات إلى خارج المناطق المأهولة بالمدنيين. وهذا شرط مهم للسماح للحكومة الليبية بتشغيل وتسهيل المساعدات الدولية.
تبقى هذه المهام بالغة الصعوبة. لكن البديل هو تصعيد جديد من شأنه تدمير القليل الذي تبقى من المؤسسات في ليبيا، وخلق ظروف مواتية لإعادة صعود المجموعات الجهادية.
تحتاج هذه الجهود إلى قوى ذات وزن ثقيل مثل الولايات المتحدة لدفع ليبيا نحو السلام. وتستطيع واشنطن، بقوتها الناعمة والصلبة على حد سواء، ممارسة الضغط على كافة الأطراف وحملها على الاتفاق، بينما تثني لاعبين خارجيين عن التدخل في البلد. والسؤال الكبير هو: هل تتوفر الإرادة لدى إدارة الرئيس ترامب للتدخل في ليبيا؟ ومن جهته، وبينما يعيد مجلس الأمن القومي النظر في السياسة الأميركية في مناطق مختلفة، يجب عليه دراسة أدوات النفوذ التي تملكها الولايات المتحدة في ليبيا وأهمية البلد في التصدي للإرهاب وعدم الاستقرار.
خلال أحدث إدارة جمهورية، تحت قيادة جورج دبليو بوش، انتهجت الولايات المتحدة سياسة براغماتية في ليبيا، والتي نجحت من خلالها في القضاء سلمياً على مخزونات البلد من أسلحة الدمار الشامل. ومن الصعب تصديق أن ترامب سيكون قادراً على نسخ ذلك النموذج. ومع ذلك، ومن دون عمل دولي سريع، تبدو ليبيا مقبلة على جولة أخرى من العنف. ويحتمل كثيراً أننا سننظر وراء إلى هذه اللحظة في ليبيا، ونقول أن الدواء كان موجوداً، وإنما لم يملك أي طبيب الجرأة لاستخدامه.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Libya Can’t Save Itself