ماذا وراء عودة ديفيد كاميرون؟

وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون - (المصدر)
وزير الخارجية البريطاني ديفيد كاميرون - (المصدر)

إعادة بعث رئيس الوزراء السابق إلى الحياة السياسية ليس مصالحة، وإنما هي عمل غير ديمقراطي ينم عن يأس.
*   *   * 
فيما كان الشعب البريطاني يحتفل أخيراً بعملية طرد وزيرة الداخلية سويلا برافرمان، يظهر فجأة ديفيد كاميرون كوزير خارجيتنا الجديد، والجميع يتعجب الآن. فقد أُعطي لنا بيد وأُخذ منا باليد الأخرى.

اضافة اعلان


إعادة إحياء دور كاميرون، وهو من ضمن شخصيات قليلة في الحياة السياسية البريطانية المكروهة أكثر من وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، هو بلا شك ضرب من الجنون. وإذا لم تكونوا مقتنعين بذلك فجربوا أن تطرحوا على أنفسكم الأسئلة الآتية:


هل كان كاميرون هو الذي قام بطرح إجراء استفتاء حول علاقة بريطانيا بالاتحاد الأوروبي؟ هل حدد خيارات ذاك الاستفتاء لتكون عملياً "عضوية في الاتحاد الأوروبي" أو "أي علاقة أخرى بين المملكة المتحدة بالاتحاد الأوروبي؟". هل كان مفروضاً على المملكة المتحدة أن تُمضي عدداً من الأعوام وهي تتجادل مع نفسها ومع الاتحاد الأوروبي حول الشكل المفترض للعلاقة الجديدة؟ وبعد سبعة أعوام، هل تمت الإجابة عن هذا السؤال؟ أم أنه السبب في عدم وجود حكومة في إقليم إيرلندا الشمالية لمدة عامين تقريباً، لأن الحزب الديمقراطي الاتحادي DUP المؤيد لعملية "بريكست" رفض العلاقة الجديدة؟


ألم يستقل كاميرون مانحاً أناساً مثل بوريس جونسون شيكاً على بياض كي يقرر ما ستكون عليه علاقات المملكة المتحدة مع الاتحاد الأوروبي، ومن خلال ذلك موقع بلادنا في العالم؟


ألم يتبع جونسون نهجاً سياسياً أكثر شعبوية مشابها لطريقة ترامب في المملكة المتحدة؟ وألم تلعب برافرمان دوراً أساساً في ذلك؟


بحلول هذه الأوقات، يجب أن تكونوا قد حسمتم ما إذا كنتم من المعجبين بالوزيرة برافرمان، أم أنكم لم تفعلوا؟ وبالنسبة للمجموعة القليلة منكم التي لم تحسم أمرها بعد، لدي سؤالان آخران لأضيفهما:


ألم تعلن وزيرة الداخلية السابقة أخيراً نيتها معاقبة المؤسسات الخيرية التي تقوم بتوزيع خيام على الأشخاص المشردين، لأن الإقامة في الشوارع بالنسبة للكثيرين هي شيء يتعلق "باختيارهم طريقتهم الخاصة في الحياة؟".


وألم ترفض برافرمان تقديم اعتذار لأحد الناجين من المحرقة اليهودية بعد قيامه بانتقاد الوزيرة لاختيارها الإشارة إلى طالبي اللجوء على أنهم يقومون باجتياح الجزر البريطانية؟


إذن، هل تشعرون بأن طرد وزيرة الداخلية وإعادة كاميرون يوحي بأن "المحافظين" يقومون بحل المشكلة؟ أم يوحي ببساطة بأنهم يقومون باستبدال المشكلة بالشخص الذي خلق المشكلة من الأساس؟


تكفي الإشارة إلى أنه وفقاً لاستطلاع "يوغوف" للآراء، فإن البريطانيين كانوا يريدون من رئيس الحكومة، ريشي سوناك، أن يطرد برافرمان بنسبة اثنين لواحد، ويفصح ذلك كثيراً عن كيفية تفكير أعضاء حزب المحافظين؛ هذه هي المرة الثانية خلال عامين التي يكون فيها حزب المحافظين في هذه الحالة من الفوضى. وقاموا بالطلب من إحدى أكثر الشخصيات تأييداً للبقاء في الاتحاد الأوروبي في الإدارة التي كانت تمسك بزمام السلطة العام 2015، أن يساعد في السيطرة على دفة سفينة حكمهم.


في العام 2016، قام وزير المالية الحالي، جيرمي هانت، بالتحذير في منشور له من أن هيئة خدمات الصحة الوطنية "أتش أن أس" تتلقى التمويل من تلك العائدات الضريبية التي ستتبخر بعد عملية "بريكست"، وأن ثمن ذلك "سيدفعه الأكثر فقراً والأكثر تهميشاً في المجتمع". وكان هانت هو الشخص الذي جيء به في العام الماضي وعُين وزيراً للخزانة بعد أن قامت رئيسة الوزراء السابقة، ليز تراس، ووزير ماليتها المؤيد لعملية "بريكست" في حينه بالتسبب بانهيار قيمة الجنيه الاسترليني.


ولا تدعوا الشك يساوركم. لم يغير الوزير هانت آراءه بخصوص "بريكست"، وهو ما يزال يقول إن من شأن الاقتصاد أن ينمو بصورة أسرع في السوق الموحدة في الاتحاد الأوروبي. والآن بعد أن قامت الوزيرة برافرمان بتحريض المئات من صغار المجرمين من أنصار اليمين المتطرف للتظاهر خلال مناسبة عطلة نهاية الأسبوع الخاصة بـ"يوم الهدنة"، وكأنه نوع مشابه ومنقول عن أحداث تمرد السادس من كانون الثاني (يناير) في الكابيتول الأميركي، وقام حزب المحافظين بإعادة توظيف ديفيد كاميرون، رئيس المروجين لحملة البقاء في الاتحاد الأوروبي، ليقوم بإدارة وزارة الخارجية البريطانية.


وهذا دليل إضافي واعتراف بأن حكومات "فلننجز عملية ’بريكست‘" التي تحملتها البلاد لأعوام كانت تعرف أن برنامجها كان مسيئاً لمصلحة المملكة المتحدة، وأنها تحتاج إلى الجماعة المؤيدة للبقاء في أوروبا للمساعدة في إصلاح ما تم تخريبه.
كانت "بريكست" نقطة التحول بالنسبة لحزب المحافظين. ففي العام 2018، قال خبراء حكوميون إنه وبمعزل عن شكل صيغة "اتفاق بريكست" الذي يجري التفاوض عليه، فإن عملية الخروج ستجعل الناس أكثر فقراً.


وبذلك، من خلال دعمهم لعملية "بريكست" بغض النظر عن صيغته، تخلى حزب "المحافظين" عن صورته "التي تقول إنه يتعاطى عادة بمسؤولية مع الملف الاقتصادي"، وبدلاً من ذلك ألحقوا الضرر به وبصورة مقصودة، وإذاً ربما تشكل عودة كاميرون والإبقاء على الوزير هانت في موقعه في وزارة الخزانة، إشارات على عودة تدريجية لقيم المحافظين التقليدية لكنه سيكون من الصعب علي تصديق ذلك إن لم يقم الحزب بإدارة ظهره والتخلي عن عملية "بريكست" (برمتها).


وبغض النظر عن الدوافع، إلا أن كاميرون ليس عضواً في مجلس النواب حالياً ولم يجر انتخابه وليس أمامه مسؤولية الخضوع للمحاسبة من قبل الشعب البريطاني، كما أن لديه سجلاً حافلاً من التهور لمسؤوليته عن إطلاق العنان لعملية "بريكست" ولجونسون وفرضهما على المملكة المتحدة، لكنه اليوم يصبح مسؤولاً عن ملف السياسة الخارجية للمملكة المتحدة، فيما نحن معنيون بصورة كبيرة في نزاعين دوليين رئيسين، ومن خلال ترفيع كاميرون وتسميته نبيلاً في مجلس اللوردات حصراً من أجل موافاة المعايير القانونية التي تتيح له الجلوس على طاولة الحكومة، يقوم سوناك بتجاهل التطلعات الشعبية بأن يكون الوزير منتخباً.


ويقوم بكل ذلك حزب يتمتع بأقلية من الأصوات من خلال رئيس للحكومة لم يصادق أحد من الناخبين على التصويت له، والذي جرى رفضه (كمرشح لرئاسة الحزب والحكومة) في البداية حتى من قبل أعضاء حزبه.


وهنا إليكم سؤالي الأخير: هل ما تزالون تعتقدون أن الديمقراطية في المملكة المتحدة بصحة وعافية؟

*فايمي أولوولي: هو ناشط متحمس يعمل ضد "بريكست"، ومؤسس مشارك في مجموعة تحمل لواء تأييد الاتحاد الأوروبي تسمى "مستقبلنا وخيارنا".

 

اقرأ أيضاً: 

كاميرون: "إسرائيل" لن تكون آمنة دون أمن واستقرار الشعب الفلسطيني