ماذا يحمل المستقبل للفلسطينيين؟

يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحماس بين أنصار الحركة في غزة - (المصدر)
يحيى السنوار، رئيس المكتب السياسي لحماس بين أنصار الحركة في غزة - (المصدر)

إذا حققت حماس انتصارًا في غزة، فعليها أن تحدد طرحا سياسيا لما بعد الحرب، تسوغ من خلاله هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر).
*   *   *
بصرف النظر عن الأمور الأخرى التي حققتها حرب غزة، فقد أسقطت القناع عن النوايا الإسرائيلية الحقيقية بشأن تقديم تنازلات جادة لتحقيق السلام مع الفلسطينيين.

اضافة اعلان

 

وفيما يواصل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو الجدل مع الرئيس جو بايدن بشأن حل الدولتَين، تبدو النتيجة واضحة: أن الطبقة السياسية الإسرائيلية بجميع أطيافها إما ترفض التنازل عن أي جزء من الأراضي، أو أنها تبدي ترددًا كبيرًا في الخروج عن نموذج الاحتلال القائم منذ أكثر من نصف قرن من الزمن.


وهذا النموذج يحرم الفلسطينيين من الحد الأدنى من مطالبهم اللازمة للتوصل إلى تسوية مع إسرائيل. وما يُعرض عليهم هو كيان مُجهض يفتقر إلى أي من مقومات السيادة يسمونه دولة فلسطينية؛ والذي يُضفي الشرعية على قيام إسرائيل، بصورة غير قانونية، بضم جزء كبير من الأراضي العربية التي احتلتها في العام 1967؛ ويمنح إسرائيل شيكا على بياض للتدخل عسكريا داخل المناطق الفلسطينية؛ ويتخلص بشكل نهائي من مشكلة اللاجئين الفلسطينيين.

 

وقد وردت هذه الأفكار كلها، صراحةً أو ضمنًا، في خطة ألون، التي شكلت خريطة الطريق المؤسِّسة للاحتلال.


ولكن ما الوضع على الجانب الفلسطيني؟ إذا تمكنت حماس من الحفاظ على الشعبية التي اكتسبتها بفعل هجماتها على إسرائيل في 7 تشرين الأول (أكتوبر)، وإذا أبدى الفلسطينيون استعدادًا للنظر أبعد من الدمار الذي خلفته إسرائيل في غزة نتيجةً لذلك، فربما يكون من الممكن القول إن حماس ستؤدي دورا أكبر بكثير في تحديد المسار السياسي المقبل للمجتمع الفلسطيني. لكن هذا يتطلب ضمنيا أن توضح الحركة نواياها الحقيقية.


لبعض الوقت، طرحت حماس فكرة اتفاق هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل، وكانت شكلا غامضا من أشكال السلام الذي لا يجرؤ على البوح باسمه.

 

وفي الآونة الأخيرة، خطت قيادة الحركة في الخارج خطوة أبعد، إذ أعلن رئيس المكتب السياسي لحركة حماس، إسماعيل هنية، في 1 تشرين الثاني (نوفمبر) الماضي: "نحن مستعدون للدخول في مفاوضات سياسية تقود إلى حل الدولتَين، على أن تكون القدس عاصمةً للدولة الفلسطينية".

 

مع ذلك، ونظرًا للانقسامات الظاهرة داخل قيادة حماس، من غير الواضح ما إذا كان هذا التصريح يحظى بالموثوقية ويتحدث باسم الحركة كاملةً.


لم تصدر تصريحات ذات أهمية كبيرة عن رام الله في الأشهر الأخيرة. ونادرًا ما كان هناك زعيم فلسطيني غير ملائم للقيادة بقدر رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس.

 

وعلى نحو مؤكد تقريبًا، ستنطوي الخطة الأميركية للمرحلة المقبلة في غزة على تنحية عباس جانبًا ليحل محله قائدٌ أصغر سنا وأكثر شعبية.

 

وقد تحدثت إدارة بايدن عن "سلطة فلسطينية محدثة"، في إشارة ضمنية إلى استبدال عباس. وكثيرًا ما يتم تداول اسم مروان البرغوثي، القابع في السجون الإسرائيلية منذ العام 2002، عند الحديث عن خلف عباس.


علاوة على ذلك، يواجه عباس مشاكل أخرى. فقد عمَد الإسرائيليون لسنوات طويلة إلى تقويضه وعزله، إذ لم يجدوا ما هو أكثر تهديدًا من شريك سلام قد ترغمهم جديته على التخلي عن أراضٍ يحتلونها.

 

وقبل المحادثات التي أجراها وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، مع الرئيس الفلسطيني، أكد، ضمنيا، على طريقة معاملة إسرائيل لعباس مؤخرًا، بقوله: "على إسرائيل أن تكف عن اتخاذ خطوات تقوض قدرة الفلسطينيين على حكم أنفسهم بفعالية".


أما في لبنان، فتواجه حركة "فتح" التي يتزعمها عباس تحديا متسقا من جانب حماس، ولا سيما في عين الحلوة الذي يعد أكبر مخيم للاجئين الفلسطينيين. وعَنَت أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) أمورًا كثيرة، من ضمنها سعي حماس إلى السيطرة على الحركة الوطنية الفلسطينية.

 

وربما نجحت هذه المحاولة إلى حد ما، ولكن سيكون من قبيل التبسيط المُفرط أن نفترض انحسار حركة "فتح". إنها ما تزال تتمتع بالدعم في أوساط الفلسطينيين، وتستفيد من كونها أكثر من مجرد حركة سياسية.

 

فهي تعد تجسيدًا لحالة فلسطينية نشأت على مدى عقود من الكفاح، ومن هذا المنطلق ما تزال تحتفظ بقاعدة متينة في أوساط المجتمع الفلسطيني. ولهذا السبب، يبدو خيار البرغوثي مغريًا للغاية.

 

فهو الشخص المثالي القادر على استنهاض حركة "فتح" وتحسين العلاقات مع حماس نظرًا لتعاونه معها خلال فترة اعتقاله، حين أعدا معًا، وبالتنسيق مع الفصائل الفلسطينية الأخرى، ما عُرف بـ"وثيقة الأسرى" في أيار (مايو) 2006، والتي طرحت رؤيةً لدولة فلسطينية في الأراضي التي احتلتها إسرائيل في العام 1967.


ولكن في الوقت الراهن، تسود حالة من البلبلة في الصف الفلسطيني. وحين نتجاوز الحديث التوافقي عن وحشية إسرائيل التي لا يمكن تخيلها، لا بد أن نجد نقاشا فلسطينيا حول ما كان يُؤمَل في تحقيقه من أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر). وقد أعادت إدارة بايدن وضع حل الدولتَين على نار حامية، مع أن تطبيق هذا الحل صعب بسبب امتناع نتنياهو عن تبني مثل هذه المحصلة التي يرفضها من حيث المبدأ، والتي قد تنفر الأحزاب الصهيونية اليمينية المتطرفة التي تُبقيه في السلطة.

 

كما أن الوقت ليس لصالح الرئيس الأميركي الذي يدخل عاما انتخابيا، ولن يكون أمامه هامشٌ واسع لطرح خطة سلام لما بعد حرب غزة، والتي ستؤول على الأرجح إلى الفشل على أي حال. إن أولويته هي وقف إطلاق النار، وتجنب اندلاع حرب إقليمية، والحرص على ألا يبدو وكأنه منع إسرائيل من إلحاق الهزيمة بحماس.


من هذا المنطلق، هل من موقف فلسطيني مقبول على نطاق واسع بشأن الأهداف السياسية المتوخاة إزاء إسرائيل؟ قد تشكل وثيقة الأسرى أساسا لموقف كهذا، ولكن المطلوب قبل ذلك هو قيادة فلسطينية موحدة لإضفاء الشرعية على استراتيجية سياسية واقعية، وهو أمر ما نزال بعيدين عنه.


قد تكون أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) أكدت للكثير من الفلسطينيين أن المقاومة المسلحة يمكن أن تحقق نتائج، ولكن بأي ثمن؟

 

هناك ما يقرب من 30,000 فلسطيني قُتِلوا في غزة، ومساحات واسعة من الأراضي دمرها الإسرائيليون بشكل منهجي، وحوالى مليونَي فلسطيني يعيشون في ظروف مروعة.

 

والمسؤولون الإسرائيليون، الحاليون منهم والسابقون، يتحدثون علنًا عن التطهير العرقي للفلسطينيين.

 

وحتى داخل حماس تُخاض على ما يبدو معركة صامتة على القيادة بين الجناح العسكري للحركة وقادتها خارج غزة.

 

وهذه ليست خطة مستدامة لتحقيق النصر. إذا كان الجناح العسكري لحماس في غزة قد سعى إلى ترسيخ الكفاح المسلح في الوجدان الفلسطيني باعتباره مسار عمل مقبولا للمستقبل، فرد إسرائيل الهمجي، وحقيقة أن الكثير من الدول لم تفعل شيئا طوال أسابيع لكبح جماح الإسرائيليين في معركة غزة، ينبغي أن يشكلا تحذيرا يجب أخذه في الاعتبار.


قد تحول حماس ما حدث إلى نفوذ أكبر داخل الصف الفلسطيني. ربما تنجح في تأمين موقع لها في منظمة التحرير الفلسطينية، وتصبح طرفا رئيسا في المفاوضات، وبالتالي أكثر قدرةً على التأثير في تقدم مسارها.

 

ولكن ما النتائج التي تريدها حماس؟ إذا كان يُفترَض في أحداث 7 تشرين الأول (أكتوبر) أن توضح الأمور، فما فعلته كان النقيض تمامًا. إن منح إسرائيل فرصة ذهبية لتطهير الفلسطينيين عرقيا في الضفة الغربية وغزة ليس بالفكرة الرابحة.

 

ولكن إذا كان هدف حماس، على العكس من ذلك، هو فرض ميزان قوى جديد مع إسرائيل، من شأنه أن يجعل المفاوضات في المستقبل أكثر توازنًا، فعلى الحركة إذن أن تشرح ما تريده من هذه المفاوضات.

 

إذا كانت حماس هي المنتصرة في غزة، كما قال يحيى السنوار على ما يبدو لمفاوضيها، فإن عليها أن تحدد كيف ترغب في ترجمة ذلك على المستوى السياسي.


لكن حماس تحتاج إلى موافقة منظمة التحرير الفلسطينية، وعلى الطرفَين أن يتحدا أخيرًا حول موقف تفاوضي يقبله كل منهما. وسوف يشكل العنف الذي تمارسه إسرائيل فرصةً لتحقيق ذلك.

 

فبعد أن دعمت الكثير من الدول الغربية إسرائيل في الأسابيع التي أعقبت هجمات 7 تشرين الأول (أكتوبر)، بدأت هذه الدول، وحتى الولايات المتحدة، في تغيير وجها نظرها بعد مشاهدتها المجازر في غزة. وقد بدأت دفة التعاطف دوليا تميل نحو الفلسطينيين.

 

ومن المرجح أن يتكبد الأميركيون ثمنًا لإفساحهم المجال أمام إسرائيل لمواصلة مذابحها، ولتسليحهم الإسرائيليين حتى وهم يرتكبون انتهاكات لحقوق الإنسان، ولذلك أصبحت واشنطن الآن أكثر حرصًا على الانتقال إلى مرحلة جديدة تؤدي إلى وقف إطلاق النار.

 

وينبغي على الفلسطينيين أن يستغلوا هذه الفترة الفاصلة، ويتجنبوا أن تأخذهم الحلول السياسية التي يعارضونها على حين غرة.

*مايكل يونغ: مدير تحرير في "مركز مالكوم كير-كارنيغي للشرق الأوسط" في بيروت، ومحرر مدونة "ديوان" في كارنيغي المعنية بشؤون الشرق الأوسط. كان سابقا كاتبا ومحرر صفحة الرأي في صحيفة "ديلي ستار" اللبنانية، وينشر راهنا مقالا أسبوعيا في كل من صحيفة "ذا ناشونال" الإماراتية، وفي الموقع الإلكتروني "ناو ليبانون".

 

وهو أيضا مؤلف كتاب "أشباح ساحة الشهداء: رواية شاهد عيان عن نضال لبنان من أجل البقاء" The Ghosts of Martyrs Square: An Eyewitness Account of Lebanon’s Life Struggle، الذي أدرجته صحيفة "وول ستريت جورنال" ضمن قائمة الكتب العشرة الأبرز للعام 2010، وحاز الجائزة الفضية في مسابقة "جائزة الكتاب للعام 2010" التي نظمها "معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى".

 

 

اقرا المزيد في ترجمات:

اتّساع هوة الانقسام حول فلسطين