ماذا يعني الدفاع عن أوروبا؟

قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة لبحث الأزمة الأوكرانية، فرساي، فرنسا - (المصدر)
قمة الاتحاد الأوروبي الطارئة لبحث الأزمة الأوكرانية، فرساي، فرنسا - (المصدر)

سلافوي جيجيك - (موقع قنطرة) 16/3/2022

بعد الهجوم الروسي على أوكرانيا، أعلنت الحكومة السلوفينية على الفور استعدادها لاستقبال آلاف اللاجئين الأوكرانيين. وكمواطن سلوفيني، لم يشعرني ذلك بالفخر فحسب، بل بالخجل أيضا. فعلى أي حال، عندما سقطت أفغانستان في أيدي طالبان قبل ستة أشهر، رفضت هذه الحكومة نفسها قبول اللاجئين الأفغان، بحجة أنه ينبغي عليهم البقاء في بلدهم والقتال. وقبل شهرين، عندما حاول آلاف اللاجئين، معظمهم من الأكراد العراقيين، دخول بولندا من بيلاروسيا، عرضت الحكومة السلوفينية على بولندا مساعدة عسكرية لدعم جهودها الدنيئة لإبعادهم، مدعية أن أوروبا تتعرض للهجوم.اضافة اعلان
في جميع أنحاء المنطقة، ظهر نوعان من اللاجئين. وأوضحت الحكومة السلوفينية الفرق بينهما في تغريدة نشرتها في 25 شباط (فبراير) 2022، والتي تقول فيها: "يأتي اللاجئون الأوكرانيون من بيئة تختلف تماما في معناها الثقافي والديني والتاريخي عن البيئة التي يأتي منها اللاجئون من أفغانستان". وبعد انتقادات واسعة، سرعان ما تم حذف التغريدة؛ لكن الحقيقة الدنيئة انكشفت، وهي أن أوروبا يجب أن تدافع عن نفسها من كل ما ليس أوروبيا.
سيكون لهذا النهج تأثير كارثي على أوروبا في الصراع العالمي المستمر من أجل النفوذ الجيوسياسي. وتقوم وسائل الإعلام والنخب المحلية بتأطير الصراع الدائر الآن على أنه صراع بين المجال "الليبرالي" الغربي والمجال "الأوراسي" الروسي، متجاهلين مجموعة تضم عددا أكبر من البلدان، بما في ذلك دول أميركا اللاتينية، والشرق الأوسط، وأفريقيا وجنوب شرق آسيا، التي تراقبنا ما يجري عن كثب.
وحتى الصين ليست مستعدة لتقديم الدعم الكامل لروسيا، على الرغم من أن لديها خططها الخاصة. وفي رسالة وجهها الرئيس الصيني، شي جين بينغ، إلى زعيم كوريا الشمالية، كيم جونغ أون، بعد يوم من غزو روسيا لأوكرانيا، قال الرئيس الصيني إن بلاده مستعدة للعمل على تطوير علاقات الصداقة والتعاون بين الصين وكوريا الديمقراطية "في ظل الوضع الجديد". وهناك خوف من أن الصين سوف تستخدم "الوضع الجديد" من أجل "تحرير" تايوان.
تطرف بوتين
إن ما يجب أن يقلقنا الآن هو أن التطرف الذي نراه، وبصورة أوضح في سياسة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، ليس مجرد خطاب بلاغي. إن عددا كبيرا من اليساريين الليبراليين، ممن كانوا مقتنعين بأن روسيا وأوكرانيا كلتيهما لا تستطيعان تحمل حرب كاملة، اعتقدوا أن بوتين كان يخادع عندما حشد القوات على حدود أوكرانيا. وحتى عندما وصف بوتين حكومة الرئيس الأوكراني، فولودومير زيلينسكي، بأنها "عصابة من مدمني المخدرات والنازيين الجدد"، توقع معظمهم أن تقوم روسيا فقط باحتلال "الجمهوريتين الشعبيتين" المنشقتين اللتين يسيطر عليهما الانفصاليون الروس المدعومون من الكرملين، أو، على الأكثر، تمديد الغزو ليشمل منطقة دونباس في شرق أوكرانيا بأكملها.
والآن يلوم البعض ممن يطلقون على أنفسهم وصف "اليساريون" (الذين ليسوا كذلك في رأيي) الغرب على اعتبار الرئيس الأميركي جو بايدن، محقا بشأن نوايا بوتين. والحجة معروفة جيدا، وهي أن الناتو كان يطوق روسيا ببطء، ويثير ثورات ملونة في المناطق المجاورة لها، ويتجاهل المخاوف المعقولة لبلد تعرض لهجوم من الغرب في القرن الماضي.
بطبيعة الحال، هناك عنصر من الحقيقة في هذه الحجة. لكن الاحتجاج بها وحدها يشبه تبرير سياسة هتلر بإلقاء اللوم على معاهدة "فرساي" غير العادلة. والأسوأ من ذلك أنها تقر بأن للقوى الكبرى الحق في أن تكون لها مناطق نفوذ يجب على الآخرين الخضوع لها من أجل الاستقرار العالمي. وينعكس افتراض بوتين بأن العلاقات الدولية عبارة عن صراع بين القوى العظمى في ادعائه المتكرر بأنه لا خيار أمامه سوى التدخل عسكريا في أوكرانيا.
هل هذا صحيح؟ هل تكمن المشكلة حقا في الفاشية الأوكرانية؟ من الأفضل أن يوجه هذا السؤال إلى روسيا بقيادة بوتين. إن مصدر الإلهام الفكري لبوتين الفكري هو إيفان إيلين، الذي أعيد طبع أعماله وقدمت لأعضاء الدولة والمجندين العسكريين. وكان إيلين، بعد طرده من الاتحاد السوفياتي في أوائل عشرينيات القرن الماضي، قد دعا إلى اعتماد نسخة روسية من الفاشية: الدولة كمجتمع عضوي يقوده الملك الأب، حيث تعرِّف الحرية مكانة المرء. والغرض من التصويت لإيليين (وبوتين) هو التعبير عن الدعم الجماعي للقائد، وليس إضفاء الشرعية عليه أو اختياره.
ويتبع ألكسندر دوغين، فيلسوف بلاط بوتين، أسلوب إيلين إلى حد بعيد، مع إضافة "مقبلات" ما بعد الحداثة المتعلقة بالنسبية التاريخية، والتي حددها كما يلي:
"ما تسمى بالحقيقة هي مسألة إيمان. لذلك نحن نؤمن بما نقوم به، ونؤمن بما نقوله. وهذه هي الطريقة الوحيدة لتحديد الحقيقة. لذلك لدينا حقيقتنا الروسية الخاصة بنا والتي يجب أن تقبلها. فإذا كانت الولايات المتحدة لا تريد بدء الحرب، عليك أن تدرك أنها لم تعد قائدا مميزا. وتقول روسيا أنه (نظرا) للوضع في سورية وأوكرانيا، فإن "لا، لم تعد الزعيم الآن"، وهو ما يطرح السؤال بشأن من سيحكم العالم. والحرب فقط هي من يمكن أن يقرر ذلك حقا".
ماذا عن شعبي سورية وأوكرانيا؟
ولكن، ماذا عن شعبي سورية وأوكرانيا؟ هل يمكنهما أيضا اختيار حقيقتهما أم أنهما مجرد ساحة معركة لحكام العالم المحتملين؟ إن فكرة أن كل "أسلوب حياة" له حقيقته الخاصة هي ما يجعل بوتين محبوبا لدى الشعبويين اليمينيين، شأنه في ذلك شأن الرئيس الأميركي السابق دونالد ترامب الذي أشاد بغزو روسيا لأوكرانيا ووصفه بأنه عمل "عبقري". والشعور متبادل: عندما يتحدث بوتين عن "نزع النازية" في أوكرانيا، يجب أن نضع في اعتبارنا دعمه للتجمع الوطني لمارين لوبان في فرنسا، وماتيو سالفيني ليغا في إيطاليا، وغيرها من الحركات الفاشية الجديدة الفعلية.
إن "الحقيقة الروسية" ليست سوى أسطورة مناسبة لتبرير رؤية بوتين الإمبريالية، وأفضل طريقة لأوروبا لمواجهتها هي بناء جسور إلى البلدان النامية والناشئة، التي لدى العديد منها قائمة طويلة من المظالم المبررة ضد الاستعمار والاستغلال اللذين يمارسهما الغرب في حقها. ولا يكفي "الدفاع عن أوروبا"؛ بل تكمن المهمة الحقيقية في إقناع الدول الأخرى بأن الغرب يمكن أن يعرض عليها خيارات أفضل مما يمكن أن تعرضه روسيا أو الصين. والطريقة الوحيدة لتحقيق ذلك هي تغيير أنفسنا عن طريق اقتلاع الاستعمار المحدث بصرامة، حتى لو كان ذلك عن طريق الدعم الإنساني.
هل نحن مستعدون لإثبات أننا بالدفاع عن أوروبا إنما نناضل من أجل الحرية في كل مكان؟ إن رفضنا المشين لمعاملة اللاجئين على قدم المساواة يرسل للعالم رسالة مختلفة تماما.
*سلافوي جيجك: فيلسوف وناقد ثقافي سلوفيني، قدم مساهمات في النظرية السياسية، ونظرية التحليل النفسي والسينما النظرية، وهو أحد كبار الباحثين في معهد علم الاجتماع بجامعة ليوبليانا، يلقي محاضرات عادةً في مدرسة Logos في سلوفينيا، وهو أستاذ في كلية الدراسات العليا الأوروبية، ويوصف بأنه "أخطر فيلسوف سياسي في الغرب". ترجمت المقال لموقع قنطرة نعيمة أبروش.