ما العمل مع عائلات المقاتلين الأجانب في "داعش"؟

عوائل عناصر تنظيم "داعش" في سورية - (أرشيفية)
عوائل عناصر تنظيم "داعش" في سورية - (أرشيفية)

ينطلق ثلاثة خبراء من البيانات الموثقة والملاحظات المكتسبة على الأرض والممارسات الفضلى للغوص في المسألة الشائكة المتمثلة في إعادة أطفال وزوجات الجهاديين المسجونين إلى أوطانهم.
*   *   *
في الأول من حزيران (يونيو)، عقد معهد واشنطن منتدى سياسات افتراضيًا مع كلٍّ من مارتن وار، وأوستن دكتور، وديفورا مارغولين. يدير وار خلية الاتصالات لمكافحة تنظيم  "داعش" في وزارة الخارجية وشؤون الكومنولث والتنمية البريطانية، في حين يشغل دكتور منصب مدير مبادرات أبحاث مكافحة الإرهاب في المركز الوطني للابتكار والتكنولوجيا والتعليم في مجال مكافحة الإرهاب (NCITE)، كما أنه أستاذ مساعد في العلوم السياسية في جامعة نبراسكا في أوماها، ومؤلف مشارك (مع مارغولين) للدراسة المعنونة "إعادة إدماج عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب: إطار من الممارسات الفضلى للولايات المتحدة.

اضافة اعلان

ومارغولين هي زميلة "بلومنستين-روزنبلوم" في معهد واشنطن، وأستاذة مساعدة في جامعة جورج تاون. وفي ما يلي ملخص المقررة عن تعليقاتهم.
*   *   *

مارتن وار

 


في الوقت الحالي، ما يزال الكثير من النساء والأطفال التابعين لتنظيم "داعش" في مخيمات تديرها "قوات سورية الديمقراطية" والوحدات العسكرية الدولية في شمال شرق سورية، ويمثل حلّ أوضاعهم أولوية بالنسبة للتحالف الدولي لمحاربة "داعش".

 

وعلى الرغم من هزيمة التنظيم إقليميًا، فإنه ما يزال يتمتع بدرجة من التأثير الأيديولوجي والقدرات العملياتية داخل هذه المعسكرات، ويستخدمها كأداة لغرس الفكر المتطرف وتجنيد العناصر وضمان الدعم. ويبقى الأطفال معرّضين بشكل خاص لمساعي التطرف هذه، في ما يعود جزئيًا إلى أنهم لا يتلقون التعليم الكافي، كما أن معلميهم الرئيسيين قد يكونون في أحيان كثيرة تابعين لـ"داعش".


بالإضافة إلى المخاوف الأمنية، يواجه المقيمون في المخيم ظروفًا إنسانية رديئة للغاية. وتتطلب معالجة هذه المشاكل من السلطات تقليص حجم المخيمات بأكبر قدر وفي أسرع وقت ممكن، الأمر الذي قد يساعد أيضًا في احتواء تهديد التنظيم عسكريًا ونفسيًا على المدى البعيد.


في أواخر العام 2022، جمع التحالف ممثلين بارزين عن جهات سياسية وعسكرية وإنسانية وحكومية وغير حكومية في العاصمة الأردنية لمناقشة جهود الإعادة إلى الوطن للمرة الأولى.

ومن الضروري تكرار هذا النوع من الاجتماعات الهادفة واسعة النطاق من أجل المضي قدمًا في الإعادة إلى الوطن. ومنذ ذلك التجمع، حققت جهود الإعادة إلى الوطن من مخيم الهول في سورية بعض النجاح، ومن المتوقع أن ينخفض عدد سكان المخيم خلال الأيام القليلة المقبلة إلى ما دون الخمسين ألفًا للمرة الأولى منذ آذار (مارس) 2019، عندما خسر التنظيم آخر أراضيه في الباغوز في سورية.

 

وسوف يواصل التحالف التركيز على هذه المسألة في اجتماعه الوزاري المرتقب قريبًا في الرياض، سعيًا إلى تأمين قدر أكبر من الأموال المخصصة لمساعدة الموجودين داخل تلك المخيمات وإعادتهم إلى أوطانهم، ودعم المجتمعات التي سيعودون إليها سواء في داخل سورية أو خارجها.
منذ العام 2022، أُعيد 4.200 عراقي من مخيم الهول، ولا يشمل هذا العدد الأشخاص الذين من المقرر إعادتهم إلى وطنهم في وقت لاحق من هذه الأيام، والبالغ عددهم 500-600 شخص.

 

وقد نجحت السلطات في بغداد إلى حدٍّ كبير في تحقيق هدفين رئيسيين، هما إعادة 150 عائلة شهريًا من مخيم الهول إلى مخيم "جدة-1" في العراق، وتمكين عدد مماثل من العائلات من مغادرة "جدة-1" والعودة إلى مجتمعاتها الأصلية. وتمت هذه الخطوة بدعمٍ من التحالف والأمم المتحدة ومختلف المنظمات غير الحكومية.


ومنذ مطلع العام 2022 في سورية، أُعيد إدماج 1.400 من سكان المخيم في المجتمعات المحلية في شمال شرق البلاد، ومن بينهم 219 شخصًا في منبج في 29 آيار (مايو). أما مواطنو البلدان الثالثة، فتمت إعادة نحو ألف منهم إلى ديارهم منذ العام 2022، وقد ارتفع هذا العدد في العام 2023، مدفوعًا إلى حدٍّ كبير بأعمال المناصرة والتسهيل التي وفرتها الولايات المتحدة.


يرى التحالف أن التواصل الاستراتيجي قد يساعد في تحسين الظروف الإنسانية والأمنية في المخيمات، كما أنه قد يزيد في الوقت نفسه من توافد السوريين والعراقيين العائدين إلى مجتمعاتهم بنجاح. ويُعد هذا المعيار الأخير جوهريًا لأن هؤلاء الأشخاص يواجهون في الغالب مشاكل في تقبّل المجتمع لهم عند عودتهم، ناهيك عن المشاكل المتعلقة بالناحية الأمنية وفرص العمل وإمكانية الوصول إلى الموارد. وفضلًا عن ذلك، من شأن التواصل الواضح أن يسهم في تحسين سمعة المخيمات وسكانها، وزيادة عدد الإدانات بحق عناصر "داعش" العائدين الذين يستحقون المحاكمة، وردع الأفراد الذين ربما ما يزالون يدعمون التنظيم، وإسماع صوت ضحاياه.
*   *   *

أوستن دكتور

 

لقد أعطت الولايات المتحدة وشركاؤها الأولوية في مجال السياسات لمسألة إعادة عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم. ويجمع الحزبان في واشنطن على ضرورة تنفيذ هذا المسعى على وجه السرعة.

 

وما يبرر التفاؤل الحذر بهذا الشأن هو أن جهود الإعادة إلى الوطن بدأت تحدث على نطاق واسع وفي كامل نطاق عمليات التحالف. مع ذلك، ما يزال يتوجب بذل الكثير من الجهود على هذا الصعيد. فقد أعادت الولايات المتحدة، مثلًا، نسبة مئوية صغيرة نسبيًا من رعاياها المحتجزين، أي 39 مواطنًا أميركيًا (15 بالغًا و24 قاصرًا)، ويوجد على الأرجح عدد إضافي من الأميركيين المحتجزين في شمال شرق سورية (مع العلم أن العدد الإجمالي غير معلن).


سعيًا إلى معالجة المسائل الحرجة حول إعادة عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب إلى أوطانهم وإعادة إدماجهم في المجتمعات، موّلت مديرية العلوم والتكنولوجيا التابعة لوزارة الأمن الداخلي برنامجًا مدته سنتان ويهدف إلى تحديد أفضل الممارسات لمثل هذه البرامج.

 

ولا تقتصر أهمية الإطار المنهجي والمبني على الأدلة على تسهيل عملية إعادة الإدماج بصورة مستدامة وشاملة، فهو يساعد أيضًا صنّاع السياسات والممارسين على الحد من المخاطر المرتبطة بالبرامج.


ومن أبرز الأمثلة عن الممارسات الفضلى، تكييف سياسات إعادة الإدماج لتناسب مواصفات العائدين إلى كل بلد، وتكييف إدارة حالات العائدين على المستوى الفردي مع الحفاظ على المبادئ الاستراتيجية المشتركة، وتسهيل التنسيق الوثيق بين الممارسين والشركاء من القطاع الخاص على مستوى الدولة والولاية والمستوى المحلي والقبائلي.

 

كما أن الممارسات الفضلى القائمة على الأدلة تساعد أيضًا على تجنب الأخطاء الشائعة في السياسات والممارسات الخاصة بعملية الإعادة إلى الوطن. فعلى سبيل المثال، لن تنجح برامج إعادة الإدماج من دون أهداف واضحة لما يعنيه النجاح وكيفية تقييمه. وعلاوة على ذلك، يجب على المسؤولين إسناد أدوار ومسؤوليات واضحة للدوائر والعمليات التنظيمية المعنية بهذه البرامج.


تتعلق إعادة الإدماج أساسًا بالعلاقة بين العائدين ومجتمعاتهم المحلية. وهي عبارة عن مجموعة من العمليات المنسقة لها هدفان رئيسيان هما، مساعدة العائدين على الشعور بالانتماء إلى مجتمعاتهم، والحد بشكل كبير من خطر عودتهم إلى التطرف العنيف.
*   *   *

ديفورا مارغولين

 

تؤثر التحيزات العمرية والجنسانية في كيفية فهم الاحتجاز والإعادة إلى الوطن والمساءلة وإعادة الإدماج، وتخلّف بالتالي تأثيرًا هائلًا على السياسات المتبعة تجاه عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب التابعين لتنظيم "داعش".

 

وفي حين نجح المجتمع الدولي في محاربة تمردات "داعش" منذ هزيمة التنظيم الإقليمية، إلا أن السلطات واجهت صعوبة في التوصل إلى توافق حول أدوات وسياسات الإعادة إلى الوطن والمساءلة وإعادة الإدماج.


وقد اكتسبت مسألة العودة إلى الوطن زخمًا في الآونة الأخيرة، كما يتضح من ارتفاع أعداد العائدين العراقيين ومواطني الدول الثالثة في هذا العام، ومن إعادة إدماج السوريين من مخيم الهول.

 

ومع ذلك، ما يزال عدد كبير من مواطني الدول الثالثة والعراقيين والسوريين محتجزين في شمال شرق سورية، ومعظمهم من النساء والقاصرين، لذلك يجب أن تتبع سياسة الإعادة إلى الوطن مناهج تراعي النوع الاجتماعي والعمر.


تحقيقًا لهذه الغاية، يجب على النقاشات بشأن برامج المساءلة وإعادة إدماج مواطني الدول الثالثة أن تعالج مجموعة واسعة من الفجوات والتحيزات المعرفية، بدءًا من التعرض للعنف والتدريب على الأسلحة، وصولاً إلى تأثير أدوار الجنسين وتوقعاتهما.

 

ومن الممكن لمس درجة معينة من التحيز في الطريقة التي يشير بها المسؤولون إلى هؤلاء الأفراد، بتسمية "عائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب"، وهو مصطلح يركز النقاش على المقاتلين والمرتبطين بهم، ويحد أحيانًا من دور الذين يدعمون التطرف العنيف ويسهلونه بطرق أخرى.


من أجل وضع مقاربة استراتيجية واستباقية مراعية لهذه التحيزات لإعادة هؤلاء إلى أوطانهم، يحدد برنامج أبحاث الأمن الداخلي المذكور سابقًا أفضل الممارسات في ثلاثة مجالات رئيسية: (1) صياغة استراتيجية اتصالات واضحة واستراتيجية لحشد الدعم المدني، (2) وتوفير الرعاية المراعية للصدمات لعائلات المقاتلين الإرهابيين الأجانب، (3) وإدماج آليات التقييم في البرامج والسياسات.


إن وضع المحتجزين في شمال شرق سورية مزعزع وهش حاليًا، وثمة عوامل قد تجعل الوضع أسوأ، ومنها استمرار تهديدات "داعش" ضد المخيمات والسجون، وخطر وقوع المزيد من الكوارث الطبيعية مثل الزلازل التي ضربت سورية وتركيا في شباط (فبراير)، والاحتمال المستمر لتدخل تركيا عبر الحدود، والمستقبل الغامض لـ"قوات سورية الديمقراطية"، والجهود الإقليمية الأخيرة لتطبيع العلاقات مع نظام الأسد. ويستوجب التخفيف من هذه المخاطر أن تواصل السلطات الحوار حول تنفيذ خطة الإعادة إلى الوطن في الوقت المناسب.


*أعدّت هذا الملخص كاميل جابلونسكي.


*مارتن وار Martyn Warr: هو دبلوماسي محترف في وزارة الخارجية والكومنولث والتنمية في بريطانيا، حيث يرأس خلية اتصالات مكافحة داعش. متخصص في مكافحة الإرهاب والمسائل الأخرى المتعلقة بالأمن، تم إرساله إلى المملكة العربية السعودية والبرتغال وإسبانيا ودول خليجية مختلفة.


*أوستن دكتور Austin Doctor: هو مدير المبادرات البحثية لمكافحة الإرهاب في المركز الوطني للابتكار والتكنولوجيا والتعليم لمكافحة الإرهاب (NCITE)، وأستاذ مساعد في العلوم السياسية بجامعة نبراسكا في أوماها.


*ديفورا مارغولين devorah margolin: زميلة باحثة رفيعة في "برنامج التطرف" بجامعة جورج واشنطن.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 عسكرة الأمومة: عودة نساء داعش الغربيات إلى الوطن