متى تصادق تركيا على انضمام السويد وفنلندا إلى الناتو؟

الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث في مقر الناتو في بروكسل - (أرشيفية)
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يتحدث في مقر الناتو في بروكسل - (أرشيفية)
سونر جاغابتاي* - (منتدى دلفي الاقتصادي) 25 (1 (2023 يكمن مفتاح التوصل إلى اتفاقية تشمل بيع "طائرات "إف -16" الأميركية لتركيا مقابل توسّع حلف "الناتو"" في صلب تسلسل الأحداث، حيث يواجه الرئيس بايدن معارضةً في الكونغرس الأميركي ويتعامل الرئيس أردوغان مع التحديات الاقتصادية والانتخابية... وإذا لم يحدث أي انهيارٍ في العلاقات الأميركية-التركية، أو التركية-السويدية، فمن المرجح أن تصادق أنقرة على عملية التوسّع التالية لحلف الناتو شمالًا. ويبقى السؤال ما إذا كان ذلك سيحدث قبل أن يحلّ البرلمان التركي نفسه أو بعد إجراء الانتخابات وانعقاد مجلس تشريعي جديد في أواخر العام 2023. * * * دفع الهجوم الروسي الذي شُن على أوكرانيا في شباط (فبراير) 2022 كلاً من السويد وفنلندا إلى السعي للحصول على عضوية حلف شمال الأطلسي، "الناتو"، في أيار (مايو) الماضي. وسرعان ما عارضت تركيا هذه العملية، مشيرةً إلى موقف السويد من "حزب العمال الكردستاني" -الذي يصنّفه أعضاء "الناتو" كجماعةٍ إرهابية- ومن "حزب الاتحاد الديمقراطي" -وهو الفرع السوري من "حزب العمال الكردستاني"، وغيرهما. ووقّع كبار الدبلوماسيين الأتراك والسويديون والفنلنديون مذكّرةً ثلاثيةً في حزيران (يونيو) 2022 خلال قمة حلف "الناتو" التي انعقدت في مدريد من أجل تهدئة المخاوف التركية، حيث التزمت ستوكهولم وهلسنكي بموجب هذه المذكّرة بـ"عدم تقديم الدعم لحزب العمال الكردستاني وحزب الاتحاد الديمقراطي، بينما اعترفتا أيضاً بتصنيف حزب العمال الكردستاني كجماعة إرهابية. فهل ستعطي أنقرة الضوء الأخضر لانطلاق الموجة التالية من عملية توسّع "الناتو"؟ وفي هذه الحالة، متى يُحتمَل أن يصادق البرلمان التركي على هذا التوسّع التاريخي نحو دول الشمال؟

الخلفية: مطالب أنقرة من السويد

يتمثل الهدف الأكبر الذي تسعى أنقرة إلى تحقيقه فيما يخص توسّع حلف "الناتو" بضمّ دول الشمال في اتخاذ أعضاء الحلف، بدءاً من السويد وفنلندا كعضوَين قادمَين، إجراءاتٍ أكثر صرامةً ضد "حزب العمال الكردستاني" وقطع الصلات بكافة فروعه. وفي هذا الصدد، تولي أنقرة اهتماماً خاصاً لـ"وحدات حماية الشعب"، التي تعتبر الجناح العسكري التابع لـ"حزب الاتحاد الديمقراطي" في سورية. وقد تعاونَ بعض أعضاء حلف "الناتو" مع "وحدات حماية الشعب"، التي انضمت إلى "قوات سورية الديمقراطية" منذ العام 2015، من أجل محاربة تنظيم "داعش". وتريد أنقرة أن ينتهي هذا التعاون الآن بعد إلحاق الهزيمة بالتنظيم. في المقابل، أعلنت السويد وفنلندا عن التزامهما باحترام المطالب التركية الواردة في مذكرة مدريد. وفي حين أن عدد المغتربين الأكراد ليس كبيراً في فنلندا التي لا تواجه معارضةً تُذكَر من أنقرة فيما يتعلق بمسألة "حزب العمال الكردستاني" أو "وحدات حماية الشعب"، فقد اتخذت السويد، التي تبلغ نسبة الأكراد من سكانها واحداً في المائة، خطواتٍ ملموسة منذ العام الماضي من أجل تلبية توقعات أنقرة. إلا أن بعض العلامات ظهرت مؤخراً والتي تشير إلى أن أنقرة قد لا تكون في عجلةٍ من أمرها للمصادقة على توسّع "الناتو" إلى الشمال.

... ومن الرئيس بايدن

تكمن المشكلة المباشرة في الحوار الجاري بين الولايات المتحدة وتركيا اليوم في طلب أنقرة شراء أسطولٍ جديد من طائرات "إف-16" المقاتلة من واشنطن، فضلاً عن تحسين أسطولها الحالي من الطائرات الأميركية. وتولي النخبة التركية وعامة الشعب التركي أهميةً كبيرة لطلب أنقرة، خشية أن تجد البلاد نفسها مع قوة جوية ضعيفة للغاية بحلول نهاية العقد. لكن هذه العملية الشرائية متعثرة حالياً في الكونغرس الأميركي بسبب الاعتراضات التي يبديها بعض الأعضاء الرئيسيين عليها في مجلس الشيوخ الأميركي. تحقيقاً لهذه الغاية، قد يعرض البيت الأبيض على أردوغان الحصول على مقابل (ضمني) -هو تأمين مكسبٍ في السياسة الخارجية للرئيس جو بايدن على صعيد توسّع "الناتو"، مع تعزيز حظوظ أردوغان في الانتخابات التركية. وقد يقدم بايدن وعدًا لأردوغان بأنه سوف "يزود" طائرات "إف-16" لأنقرة قبل الانتخابات التركية المزمع إجراؤها في العام 2023. وستشمل هذه الصفقة إجراء مقايضة تتمثل في بيع طائرات "إف-35" لليونان، وهي طائرات مقاتِلة أكثر تقدماً من الناحية التكنولوجية، وذلك بهدف تخفيف الاعتراضات في الكونغرس الأميركي على بيع طائرات "إف-16" لتركيا. وإذا ظل أعضاء مجلس الشيوخ الذين يرفضون بيع طائرات "إف-16" غير مقتنعين، يمكن أن يرسل البيت الأبيض طلب بيعها إلى الكونغرس الأميركي من خلال "فرض التصويت" على الطلب، حيث لن يستطيع الكونغرس في هذه الحالة منع عملية البيع إلا إذا صوّت كلا المجلسين ضدها. سيكون من شأن تنفيذ عملية شرائية كبيرة للأسلحة أن يحسّن حظوظ أردوغان في الانتخابات. وفي المقابل سيَعد الرئيس التركي بمصادقة البرلمان في أنقرة على انضمام الدولتَين الشماليتين إلى حلف "الناتو" قبل أن يَحلّ هذا المجلس التشريعي التركي نفسه -في آذار (مارس) على الأرجح- استعداداً للانتخابات -المزمع إجراؤها بين نيسان (أبريل) وأيار (مايو)- وقبل انعقاد قمة الحلف في فيلنيوس في ليتوانيا في شهر تموز (يوليو). إلا أن أردوغان قد يُرجئ عملية المصادقة على انضمام الدولتين الشماليتين إلى ما بعد الانتخابات التركية. ويكمن مفتاح التوصل إلى صفقة تشمل "بيع طائرات "إف -16" مقابل توسّع "الناتو"" في تسلسُل الأحداث. سوف تصرّ أنقرة على حيازة طائرات "إف-16" أولاً، وستصرّ إدارة بايدن على مصادقة البرلمان التركي على توسّع "الناتو". ولن يكون البيت الأبيض مستعداً لـ"فرض التصويت" في الكونغرس ما لم تتّخذ أنقرة الخطوة الأولى، وسيذعن بايدن لاحقاً للاعتراضات المستمرة في مجلس الشيوخ. في هذه الحالة، قد يقرر أردوغان أن تأجيل المصادقة إلى ما بعد الانتخابات التركية سيكون أكثر ملاءمة. وقد يلجأ أيضاً إلى هذا القرار كطريقةٍ للإشارة إلى بايدن وقادة الدول الحليفة الأساسية لأنقرة في أوروبا وحلف "الناتو" بأنه "لا ينبغي أن يديروا ظهرهم لزعيم تركيا، لأنهم سيظلون في حاجةٍ إليه في الكثير من القضايا الأمنية الرئيسة، ابتداءً من إدارة حالات تدفق اللاجئين ووصولاً إلى توسيع حلف الناتو". وبعبارة صريحة، قد يستغل أردوغان حق "الفيتو" الذي تتمتع به تركيا في مسألة توسّع حلف "الناتو" من أجل تأمين إذعان الولايات المتحدة وأوروبا لسياساته خلال موسم الانتخابات التركية. كما يمكن أن يُقحِم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نفسه في هذا السيناريو، ما سيؤخّر انضمام العضوين الجديدين إلى الحلف. وقد يقدم بوتين العون لأردوغان في الانتخابات من خلال تقديم قروضٍ سخية وتدفقاتٍ مالية كبيرة إلى تركيا قبل الانتخابات. ويعاني اقتصاد البلد حالياً من ارتفاع معدل التضخم الذي تجاوز 80 في المائة في العام 2022. وفي الواقع، أصبح استقرار الاقتصاد الكلي في تركيا معرضاً للخطر منذ العام 2018 عندما دخل اقتصادها في حالة ركودٍ للمرة الأولى في عهد أردوغان. في حين توقّع المحللون أن الاقتصاد التركي سينهار قبل صيف العام 2022، إلّا أن ذلك لم يحدث، فيما يعود الفضل فيه إلى حد كبير للتدفقات المالية القادمة من روسيا، بما فيها تحويل رصيد بقيمة 5 مليارات دولار من أجل قيام شركة "روس آتوم" الروسية ببناء محطة "أكويو" للطاقة النووية في جنوب تركيا. وأدى تدفق النقد الروسي، الذي شمل تدفقات كبيرة بفضل زيادة التجارة والسياحة في العام 2022، إلى توفير الإغاثة والسماح للمصارف التركية بتجديد الديون الخارجية، وبالتالي منع الانهيار الاقتصادي. ويمكن أن يؤدي ضخ النقد بشكلٍ مماثلٍ في الأشهر المقبلة، بما في ذلك تحويل مبلغ مقطوع جديد من بوتين، إلى إنعاش الاقتصاد مجدداً وإقناع أردوغان باستخدام حق "الفيتو" التركي في حلف "الناتو" ضد توسّع الحلف إلى الشمال الأوروبي، خاصةً إذا حظر الكونغرس بيع طائرات "إف-16" إلى تركيا. إلا أن "الخبر السار" في ظل هذا السيناريو هو أن البرلمان التركي، وبصرف النظر عن نتيجة انتخابات ربيع العام 2023، سيصادق على الأرجح على توسّع حلف "الناتو" إلى بلدان الشمال الأوروبي بعد الانتخابات. وذلك لأن حكام تركيا الجدد، إذا ما فازت المعارضة، سيكونون حريصين على أن يحتضنهم "الاتحاد الأوروبي" والولايات المتحدة من أجل انطلاق التدفقات المالية العالمية إلى البلاد وتحفيز اقتصادها. وبناءً على ذلك، ستصادق الهيئة التشريعة التي تتزعمها المعارضة وبسرعة على توسّع حلف شمال الأطلسي شمالاً. وقد لا تكون النتيجة مختلفةً كثيرًا حتى إذا فاز أردوغان. سوف يكون الزعيم التركي حريصاً على إعادة ضبط العلاقات مع بايدن و"الاتحاد الأوروبي" للأسباب نفسها التي تدفع المعارضة إلى ذلك، وسيوافق على الأرجح على عضوية السويد وفنلندا في حلف "الناتو" مقابل حصول إدارته بعد الانتخابات على الدعم الأميركي والأوروبي العلني. وإذا لم يحدث أي انهيارٍ في العلاقات الأميركية-التركية، أو التركية-السويدية، فمن المرجح أن تصادق أنقرة على عملية التوسّع التالية للحلف. ويبقى السؤال ما إذا كان ذلك سيحدث قبل أن يحلّ البرلمان التركي نفسه أو بعد إجراء الانتخابات وانعقاد مجلس تشريعي جديد في أواخر العام 2023. *سونر جاغابتاي: زميل "باير فاميلي" ومدير "برنامج الأبحاث التركية" في معهد واشنطن. الترجمة العربية لمعهد واشنطن. للمزيد من الترجمات انقر هنا
على الكونغرس إنهاء الحرب في أوكرانيا بالانسحاب من الناتو
اضافة اعلان