محاكمات شاهد هندي: كيف علق رجل مسلم في كابوس قانوني (1 - 3)‏

‏هنديات يبكين محمد مدثر (31 عاما) الذي قتل في شغب في دلهي - (أرشيفية)‏
‏هنديات يبكين محمد مدثر (31 عاما) الذي قتل في شغب في دلهي - (أرشيفية)‏
‏‏‏ ترجمة: علاء الدين أبو زينة راهول بهاتيا*‏ – (الغارديان) 2/3/2023 كاد نزار أحمد أن يقتل في أعمال الشغب في دلهي. ولكن، عندما أصبح شاهدًا في قضايا في المحكمة ضد الجناة المزعومين، أدرك أن ذلك لم يكن سوى بداية مشاكله. ‏ تشير السجلات الرسمية إلى مقتل 53 شخصًا في أعمال الشغب في دلهي في شباط (فبراير) 2020. وأصيب مئات آخرون، وكانت أجسادهم شاهدة على الكراهية: شاب أصيب برصاصة في الفخذ، ورجل دين أُعمي بالأسيد في مسجد. وأصر الشهود المسلمون الذين تحدثت إليهم على أن أعمال الشغب كانت في الحقيقة مذبحة. كان أربعون من أصل 53 قتيلاً من المسلمين، وكشفت إفادة خطية من شرطة دلهي أن عدد المتاجر المملوكة للمسلمين التي تضررت كانت أكثر من أربعة أضعاف المتاجر المملوكة للهندوس. * * ‏هكذا يتذكر نزار أحمد ما حدث. في 24 شباط (فبراير) 2020، حوالي الساعة الثالثة بعد الظهر، دفعته جلَبة خارج منزله إلى نافذته. كان حشد كبير من الرجال يمرون عبر بهاجيراثي فيهار، الحي الذي يقطنه في شمال شرق دلهي، وهم يهتفون “النصر للربّ رام!” و”استيقظوا أيها الهندوس، استيقظوا!”، تشاور أحمد مع زوجته أسماء. قررا، بلا يقين تقريبًا، أن الموكب ربما يكون غير مؤذٍ للمسلمين مثلهما.‏ يتذكر أحمد: “بدت وكأنها نفس الشعارات السياسية المعتادة”. كانت السياسة سياسة، لكن هذا كان الحي حيث يدعو المسلمون والهندوس بعضهم بعضا لتناول الشاي ويجلسون في الخارج معًا حتى وقت متأخر من الليل. كانت تلك الأخوة تشكل حماية كافية. وإذا كان وأن حدث أي اضطراب، فإن الشيوخ سيقومون بتسويته. كان هذا هو الأمل على أي حال، وكان أحمد رجلاً يعيش على الأمل. كان منزله يطل على قناة للصرف الصحي، لكنه اختار، عندما يطل من نافذته، أن يوجه أنظاره بدلاً منها إلى السماء الممتدة غير المنقطعة. كانت الأشياء الصغيرة مثل هذه تجلب له متعة لا تُقاس.‏ قدِم أحمد إلى دلهي من الريف عندما كان عمره 11 عامًا. وبعد وقت قصير من وصوله، وجد عملاً في مصنع للملابس وشق طريقه من هناك، وفي النهاية بدأ مشروعًا صغيرًا خاصًا به. وفي سن 47، شعر أن الأمن المالي أصبح أخيرًا في المتناول. في الطابق الأرضي من منزله، كان يعمل في حياكة الدنيم (1) ويبيعه في جميع أنحاء دلهي. وكان هناك ما يكفي من الطلب على بضاعته ليمكّنه من شراء المنزل وثلاث دراجات نارية، والسفر إلى المشترين المحتملين في المدن الأخرى.‏ ‏ بينما ينظران عبر نافذتهما، رأى أحمد وأسماء الموكب يمضي قدُمًا في الشارع. وشعرا بالقلق من الوجوه غير المألوفة التي رأياها في الحشد، لكن أحمد فوجئ بنفس القدر ببعض الوجوه التي تعرف عليها بينهم أيضاً. بعضهم كان يعرفهم منذ كانوا أطفالًا. في ذلك الوقت، ما كانوا ليجرؤوا حتى على فتح أفواههم أمامه؛ والآن أصبحوا جزءًا من حشد يعلن تفانيه للإله رام خارج منزله، محولين ما كان عادة تحية لطيفة إلى صرخة حرب. وعندما فكر في هؤلاء الأولاد، لم تكن التقوى هي الكلمة التي تبادرت إلى الذهن. قال لي: “اعتاد أحدهم أن يرقد مخمورًا في قناة الصرف الصحي”.‏ بعد بضع دقائق، اشتدت الهتافات. طلبت أسماء من إيلما، ابنتهما، وسُمية زوجة ابنهما الحامل، أن تغادرا قبل أن تبدأ المشاكل الحقيقية. قال أحمد: “اعتقدنا أنهما لن تتمكنا من الفرار”. وكانت لدى أسماء مخاوف أخرى -كانت الفتاتان في أوائل العشرينات فحسب. وأُمر سهيل، الابن الأصغر لأحمد، بنقلهما إلى منزل أحد الأقارب في حي قريب. وبقي في المنزل أحمد مع أسماء وابنهما الآخر، بأعصاب متوترة، حتى عاد سهيل بعد 20 دقيقة. ثم تسلل أحمد إلى الخارج لمراقبة تقدم الحشد.‏ ‏ في نهاية المطاف، توقف الحشد عند جسر منخفض فوق قناة الصرف الصحي حيث التقت أربعة طرق، على بعد دقائق قليلة من منزل أحمد. وضعوا المتاريس وأخرجوا مكبرات صوت كبيرة. كان الحشد هناك لإظهار دعمهم لقانون جديد أصبح محورًا للاحتجاجات الشرسة والاحتجاجات المضادة خلال الأشهر القليلة الماضية. وقد سهل القانون، المعروف باسم “قانون تعديل المواطنة” (CAA)، على أفراد الأقليات الدينية المضطهدة في جنوب آسيا أن يصبحوا مواطنين هنودًا -شريطة ألا يكونوا مسلمين. وخشي منتقدو القانون من أنه، بالاقتران مع “السجل المدني” الوشيك للمواطنين، يمكن أن يتم التشكيك فجأة في جنسية ملايين المسلمين. وأصبحت الاحتجاجات ضد القانون نقطة تجمع لليبراليين واليساريين في الهند، الذين رأوا فيه المحاولة الأكثر جرأة التي يبذلها حزب “بهاراتيا جاناتا” الحاكم حتى الآن للتراجع عن إحدى المثل العليا التأسيسية للبلاد: الوعد بالمساواة لمواطنيها، بغض النظر عن الدين.‏ ‏ بين كانون الأول (ديسمبر) 2019 وشباط (فبراير) 2020، أقيم ما لا يقل عن 600 ‏‏احتجاج ضد هذا القانون في‏‏ جميع أنحاء الهند. وفي الكثير منها هاجمت الشرطة المتظاهرين بقسوة وغضب. وظهرت مقاطع فيديو تُظهر الشرطة وهي تتجمع حول ‏‏المسلمين المصابين وتضربهم‏‏، وفي إحدى الحالات، تقف مكتوفة اليدين بينما يطلق متطرف هندوسي مسلح النار على مظاهرة سلمية. لم ينظر المحتجون إلى الشرطة باعتبارها قوة حامية للقانون، وإنما باعتبارها أداة تنفيذ للسياسة القومية الدينية التي تنتهجها حكومة حزب “بهاراتيا جاناتا”.‏ ‏ مع تصاعد الاحتجاجات ضد القانون الجديد، لم يفعل أعضاء حزب ناريندرا مودي أي شيء لتهدئة التوترات. في 3 كانون الثاني (يناير)، وجه أحد أعضاء الحكومة تحذيرًا إلى المسلمين من أن الهندوس يشكلون 80 في المائة من سكان الهند، في حين أن المسلمين يشكلون 20 في المائة فقط. وبعد أسبوعين من ذلك، أثار وزير الحكومة، أنوراغ ثاكور، الحشود في تجمع انتخابي في دلهي تحت شعار: “‏‏أطلقوا النار على الخونة‏‏”. وفي 23 شباط (فبراير)، أي قبل يوم من سماع أحمد هتافات الرجال الذين يمرون من أمام منزله، قال كابيل ميشرا، أحد قادة حزب “بهاراتيا جاناتا” من شرق دلهي، للشرطة، إنهم إذا فشلوا في إبعاد المتظاهرين المناهضين لقانون تعديل المواطنة من جفراباد، وهو حي ليس بعيدًا عن بهاجيراثي فيهار الذي يسكن فيه أحمد، فإنه سوف يخرج هو وأنصاره إلى الشوارع ويفعلون ذلك بأنفسهم. وكان يقف بجانب ميشرا، ‏‏مثل الحارس الشخصي‏‏، نائب مفوض الشرطة في شمال شرق دلهي. وبالنسبة للمراقبين المطلعين على تاريخ الهند القاتم من العنف الطائفي، كان ما سيحدث بعد ذلك واضحاً تمامًا.‏ * * في الخطابات التي أُلقيت على الجسر في بهاجيراثي فيهار، تم خلط الدين والقومية في حساء سام. وبحلول المساء، كان قد اجتاح الحشد جموح وحشي. وهتف المشاركون: “اجعلوا المختونين يهربون”، و”أضرموا النار في منازلهم”. ثم أخيرًا: “اقتلوا الملالي”. وعندئذٍ ركض أحمد إلى منزله وأنزل المصاريع وأغلق الباب.‏ ‏ مع حلول الليل، كما أفاد العديد من الشهود في وقت لاحق، انقسم الحشد إلى مجموعات أصغر قامت بدوريات في تقاطعات حي بهاجيراثي فيهار. وطالب الرجال أي شخص يبدو لهم مسلمًا بإبراز أوراق هويته، وحكموا بشكل خام من لون البشرة والأنف واللحية والقلنسوة. وإذا كان هناك أي شك، أمروا الرجال بخفض سراويلهم للتأكيد. وبينما ينظر أحمد من نافذة الطابق الأول في منزله، رأى رجالاً يترنحون على الطريق بعد تعرضهم للضرب، وآخرين يحمون رؤوسهم بينما تصفعهم الحشود وتركلهم. وهمس أبناؤه طالبين من أحمد التراجع عن النافذة، لكنه أراد أن يرى.‏ ‏بعد ساعات قليلة من شروق الشمس، سمع أحمد جلبة تحت نافذته. نظر إلى الخارج ورأى بعض مثيري الشغب يقتحمون منزل جاره. جردوا المسكن من أشيائه ونهبوا كل ما فيه، حتى أنهم انتزعوا مراوح السقف. وأدرك أحمد أن الاختباء لا طائل من ورائه. بدا أن الغوغاء يعرفون مكان كل منزل مسلم. حاول التفاهم معهم، مناديًا من نافذته. ورد الرجال بقذف الحجارة والقضبان الحديدية من خلال نافذته. وضرب أحد القضبان الحديدية أسماء.‏ كما أخبرني أحمد، سرعان ما كان نحو 40 رجلاً يطرقون بابه ويخترقون المصاريع ويدخلون المنزل. ركض أحمد وأسماء والأطفال إلى السطح، وأغلقوا بوابةً خلفهم. في الطابق السفلي، سحب الغوغاء الدراجات النارية التي احتفظ بها أحمد داخل المنزل، وسكبوا عليها الوقود، وأشعلوا فيها النار، إلى جانب أكياس البضاعة المعدة للتوزيع على التجار . ثم صعد الرجال الدرج وحاولوا فتح البوابة على السطح.‏ ‏ أصيب أحمد بالذعر. كان يدرك بشكل خفي أن ثمة أناسًا على أسطح المنازل القريبة، بعضهم ربما يعرفهم، كانوا يشاهدون العرض ويرشقون بالحجارة. أخذ أسماء من يدها، وساعدها على اعتلاء جدار السطح وأنزلها بيد واحدة إلى أعلى منزل مجاور. لكن سقف ذلك المنزل كان منخفضًا جدًا بحيث لا يمكنها القفز بأمان، وتدلت فوقه. وصادف أن رآهم صاحب المنزل، وسرعان ما أحضر سلمًا وساعد أسماء على النزول. وتبعها أحمد وأبناؤه. لم يجرؤ الجار على محاولة إيوائهم، ولم يطلب أحمد حمايته. سارعوا إلى الفرار عبر المزيد من الأسطح، وهرعوا إلى الشارع، وركضوا إلى منزل صديق مقرب، هندوسي. قادهم الصديق إلى عمق المنزل بعيدًا عن النوافذ، وأعطاهم الشاي. وهناك التقطوا أنفاسهم، وبكوا.‏ انتظرت الأسرة لساعات حتى يمر الجنون. ثم، في وقت ما بعد ظهر ذلك اليوم، ساد الصمت أخيرًا -انسحب مثيرو الشغب. نظر أحمد إلى الخارج ولاحظ اثنين من رجال الشرطة. كانت هذه انفراجة. ولكن عندما خرج هو وعائلته، كانت الشرطة قد رحلت. تعرَّف عليهم حشد من 30 أو 40 رجلاً واندفعوا نحوهم. ووقفت الأسرة محاصرة في الزاوية. “دعونا نذهب”، صرخ أحمد، على أمل حدوث معجزة.‏ ‏ ولدهشته، تقدم رجل كان يعتبره صديقًا ذات مرة من بين الحشد. “صرخ أن لا أحد سيلمسنا. وإذا فعل أحد ذلك، فإنه سيقتله”. خرج الجيران الهندوس الذين كانوا يراقبون من منازلهم وتجمعوا حول الأسرة، وشكلوا حاجزا وقائيًا بينهم وبين مثيري الشغب. ساعد الجيران الأسرة على الخروج على عجل من بهاجيراثي فيهار، وتركوهم بالقرب من شرطي منفرد.‏ ‏ ”ماذا فعلنا بعد ذلك؟ ركضنا”، قال لي أحمد. “لم أستدر حتى لأنظر إلى منزلي”. لم يستطع أن يشرح لماذا اختار الرجلُ الذي كان يعرفه إنقاذه. لم يبدُ له ذلك منطقيًا. لا شيء في ذلك اليوم كان منطقيًا بالنسبة له.‏ * * تشير السجلات الرسمية إلى مقتل 53 شخصا في أعمال الشغب التي اندلعت في دلهي في شباط (فبراير) 2020. وأصيب مئات آخرون، وكانت أجسادهم شاهدة على الكراهية: شاب أصيب برصاصة في الفخذ، ورجل دين أُعمي بالأسيد في مسجد. وأصر الشهود المسلمون الذين تحدثت إليهم على أن أعمال الشغب كانت في الحقيقة مذبحة. كان أربعون من أصل 53 قتيلاً من المسلمين، وكشفت إفادة خطية من شرطة دلهي أن عدد المتاجر المملوكة للمسلمين التي تضررت كانت أكثر من أربعة أضعاف المتاجر المملوكة للهندوس. وظهرت تقارير عن قيام مديري مستشفيات برفض استقبال المسلمين المصابين، متهمين إياهم بالقيام بأعمال شغب. ولأسابيع بعد انتهاء العنف أخيرًا، قام مزيلو القاذورات من قنوات الصرف الصحي في شرق دلهي بصيد الجثث المنتفخة مثل الدمى المتضخمة.‏ طوال أيام العنف، قال عدد لا يحصى من الشهود في شمال شرق دلهي، في وقت لاحق للصحفيين والقضاة ولجان تقصي الحقائق، إن الشرطة المحلية، التي تخضع للسيطرة المباشرة لوزير الداخلية في حكومة مودي، ‏‏و2 في المائة منهم‏‏ فقط من المسلمين، كانت إلى حد كبير إما غائبة أو غير مهتمة. وفي بعض الحالات، التقط الشهود مقاطع فيديو للشرطة وهي تضرب المسلمين وترشقهم بالحجارة. (نفت شرطة دلهي الاتهامات بالتحيز ضد المسلمين وتقول إنها فعلت كل ما في وسعها لاستعادة القانون والنظام. وفي حديثه في البرلمان في آذار (مارس) 2020، أشاد وزير الداخلية، أميت شاه، بهم لقيامهم بعمل “جدير بالثناء”).‏ ‏ في تشرين الأول (أكتوبر) 2021، بينما كان الوباء يتراجع، سافرتُ إلى دلهي للبحث عن شهود على عنف العام السابق. أخذني مصور صحفي كان قد غامر بالدخول إلى أزقة المدينة أثناء أعمال الشغب إلى مستشفى خيري في مصطفى آباد، حيث أجريت مقابلة مع الطبيب المسؤول. كان المبنى غير مكتمل، وكان المرضى مستلقين على الأسرة إلى جانب مواد البناء. في الأيام التي تلت أعمال الشغب في العام 2020، امتلأ المستشفى بالأشخاص الذين تعرضوا للطعن أو الضرب أو إطلاق النار عليهم. واحتفظ الطبيب بصور للجروح التي عالجها في ذلك الوقت. “أن تطعن شخصًا مرات عدة؟” قال، وأراني جثة ميؤوسًا منها. وبعد أن تحدثنا لفترة من الوقت، قال الطبيب إنه سيتصل برجل كان قد أُحرق منزله. وقال إن الرجل صاحب عزيمة، لكن عزيمته خضعت للاختبار مؤخرًا. كان الإدلاء بشهادته في المحكمة يطحنه وينهكه. كان الرجل هو نزار أحمد.‏ ‏ بعد نصف ساعة لاحقًا، ظهر أحمد. كان رجلًا نحيلًا بشعر لامع، يرتدي سروالا أبيض ناصعًا. كان كتفاه مستقيمين، لكن ظهره انحنى قليلً كما لو أنه كان مثقلاً جسديًا بأعبائه. واستقرت نظارته منخفضة على أنفه. خمنتُ أنه قارئ. انتظر أحمد بصبر، وساقاه مدسوستان تحته، بينما تحدث الطبيب عن أعمال الشغب. وعندما انتهى الطبيب، أخبرني أحمد قصته.‏ ‏ كان قد هاجر إلى دلهي بعد فترة وجيزة من العام 1984، عندما قتلَ حارس من السيخ رئيسة الوزراء‏‏، أنديرا غاندي‏‏، وقتَل أنصارها كل السيخ الذين كانوا في مرمى النظر. ومثل كل حدث عنف جماعي في الهند، تم اختزال هذا الحدث أيضًا في النهاية إلى ذكرى ورقمين: تقدير حكومي للقتلى، والعدد غير الرسمي؛ على الأقل 2.700 وفي أي مكان بين 8.000 و17.000، على التوالي. وفي المصنع الذي تعلم فيه أحمد الخياطة، أخبره شهود على العنف بما رأوه، وما لم يتمكنوا من نسيانه. تذكر أحمد هذه القصص بلا عاطفة على مر السنين، لأن تلك الذكريات لم تكن له. وكان بعد 36 عامًا فقط، عندما حاولت مجموعة من الرجال قتله هو وعائلته، وحرقت الممتلكات التي جمعها على مدى حياة، حين بدأ يفهم.‏ * * ‏بعد أسبوع من فراره من منزله في ذلك الحين، زار أحمد مركز الشرطة المحلي، حاملاً شكوى مكتوبة على وجهي ورقة. كانت حكومة المدينة قد أعلنت مؤخرًا عن برنامج لإغاثة ضحايا أعمال الشغب. سوف تدفع مليون روبية (حوالي 11.400 جنيه إسترليني) لعائلات البالغين الذين قتلوا. وسيكون هناك أيضًا تعويض عن تدمير الممتلكات والنهب. ولمنع الاحتيال، لن يكون ضحايا أعمال الشغب مؤهلين للحصول على التعويض إلا إذا تقدموا بشكوى إلى الشرطة.‏ ‏ سلم أحمد الضباط على النحو الواجب وثيقة تفصل ما حدث، وقائمة بالممتلكات المفقودة، وأسماء من تعرف عليهم في الحشد. وطلبت منه الشرطة أن يقدم شكوى أقصر، من دون أسماء. قال إنهم طمأنوه وأكدوا له: “يمكننا دائمًا إضافة الأسماء لاحقًا”.‏ كان أحمد في حاجة إلى المال. كان قد فقد أصولاً تقترب قيمتها من 3 ملايين روبية. لكنه توقف. إن عدم ذكر الأسماء سيكون أقرب إلى التظاهر بأن أعمال الشغب قد ‏‏حدثت‏‏ هكذا، من تلقاء نفسها فقط، كما لو أنها كانت كارثة طبيعية وليست مسؤولية أولئك الذين نفذوها. من كان يعرف حقًا ما إذا كانت أسماؤهم ستضاف لاحقًا؟ قال إن ضميره لن يسمح بذلك.‏ كانت تلك هي المرة الأولى من مرات عدة واجه فيها أحمد مقاومة لتسجيل شهادته بالكامل. وباعتباره أحد الشهود القلائل المستعدين للإدلاء بشهاداتهم، تلقى أحمد استدعاءات متكررة للتحدث إلى الشرطة فيما يتعلق بقضايا متعددة. ومع ذلك، في العديد من المناسبات، كان يكافح لإقناع الشرطة بكتابة سرد كامل للأحداث في تقرير المعلومات الأول، الوثيقة التي ستشكل أساس أي تحقيق مستقبلي. ولاحظ أن الأسماء أو الحقائق ربما تُحذف. قال لي: “عمل الشرطة فضفاض للغاية. في إحدى الحالات، جمعَت الشرطة أكثر من عشرين شكوى، شملت متهمين مختلفين وضحايا مختلفين، في تقرير معلومات أول واحد. ‏‏ولاحظ‏‏ قاض يشرف على بعض القضايا أن ذلك كان “بشكل أساسي لحماية المتهمين”.‏ (يُتبَع) ‏ ‏*راهول بهاتيا Rahul Bhatia: صحفي وزميل في معهد رادكليف للدراسات المتقدمة في جامعة هارفارد. شارك في تأسيس منصة الصحافة Peepli.org‏ *نشرت هذه القصة الإخبارية تحت عنوان: The trials of an Indian witness: how a Muslim man was caught in a legal nightmare هامش المترجم: (1) الدَنيم هو نسيج قطني متين، يتشكل بتمرير خيط اللحمة فوق خيطين أو أكثر من خيوط السدى. وينتج عن هذا الشكل المألوف ذي التضليع القطري على الجهة الداخلية لهذا النسيج. يُستخدم الدنيم في أميركا منذ أواخر القرن الثامن عشر. ومن الشائع صباغة قماش الدنيم باستخدام النيلة الزرقاء لإنتاج قماش الجينز الأزرق. اقرأ أيضا في ترجماتاضافة اعلان