محكمة جرائم حرب عربية خاصة لسورية

متظاهرون معارضون للنظام السوري في ادلب في الثالث من الشهر الحالي - (رويترز)
متظاهرون معارضون للنظام السوري في ادلب في الثالث من الشهر الحالي - (رويترز)

أرييه نايير* - (النيويورك تايمز) 4/4/2012
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني
لا تريد الولايات المتحدة ولا الحكومات الأخرى التدخل عسكرياً في سورية . وذلك مفهوم: فلا أحد يريد نشوب حرب أخرى في منطقة الشرق الأوسط.اضافة اعلان
وفي السعي  للتوصل إلى طرق أخرى تضمن أن تدفع الحكومة السورية وتابعوها السياسيون ثمناً، يغذ المسؤولون الأميركيون الخطى سعيا ,وراء جلبهم للمثول أمام العدالة. ومن الممكن أن يكون الحل في تشكيل محكمة جرائم حرب تابعة لجامعة الدول العربية.  ولقد أثبتت تجربة البلدان الممزقة مثل البوسنة أن هذه المحاكم يمكن أن تؤتي أكلها إذا تم تشكيلها على نحو ملائم.
وفي عطلة نهاية الاسبوع الماضي، قالت وزيرة الخارجية الأميركية هيلاري رودهام كلينتون إن الولايات المتحدة " ستدعم وتدرب المواطنين السوريين الذين يعملون على توثيق الممارسات العنيفة وتعريف مرتكبيها والاحتفاظ بالحجة لإبرازها في  التحقيقات والملاحقات المستقبلية". لكن ثمة صعوبة تعترض سبيل هذه الخطة مع ذلك، تكمن في كيفية استخدام الحجة التي تجمع. فسورية ليست طرفاً في محكمة العدل الدولية في لاهاي كما أن روسيا والصين ستستخدمان على الأرجح نفوذهما  لصد أي جهد يبذل في مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة لإحالة القضية إلى المحكمة.
ومن أجل التغلب على هذا الصد تمس الحاجة إلى ابتكار آخر، محكمة منبثقة عن جامعة الدول العربية للبت في الجرائم ضد الإنسانية والتي ترتكب في سورية.  ويمكن أن يكون لهذه المحكمة قضاة ومحققون ومدعون عامون ومحامو دفاع عرب وأن تجرى المداولات القضائية فيها باللغة العربية.  وتستطيع جامعة الدول العربية منح هذه المحكمة الاختصاص في البت في الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب كما تعرفها معاهدة محكمة الجنايات الدولية.  ويجب أن تتمتع هذه المحكمة أيضاً بالاختصاص في البت في الجرائم كافة، بما في ذلك تلك الجرائم التي يرتكبها الثوار.  ومن الضروري  التمسك بالمبدأ الذي ينص على أنه وبغض النظر عن عدالة القضية أو الجرائم المرتكبة من جانب المعارضين فإنه يجب معاملة كل الأطراف وفق نفس المعايير.
ولأن تأسيس هذه المحكمة يحتاج إلى وقت ولأن هناك حاجة ماسة لوقف القوات السورية عن ارتكاب المزيد من الجرائم، تستطيع جامعة الدول العربية أن تحدد الملاحقات القضائية للجرائم التي ارتكبت بعد تبني القرار الخاص بالمحكمة بحيث تحظى بالأولوية.  ومن شأن ذلك أن يضع قوات الرئيس السوري  بشار الأسد، تحت الإخطار بأن أضمن طريقة لتجد نفسها في قفص الاتهام تكمن في الإصرار على المضي قدما في الجرائم التي ترتكبها.
ويجب علينا أن لا نمنحهم الحصانة عن الجرائم التي ارتكبت حتى الآن.  لكن الحاجة تمس إلى منع ارتكاب المزيد من أعمال العنف ما يعطيها المحفز للتوقف.  ومن الطبيعي أن بعض اولئك المسؤولين عن الجرائم يتصورون أنهم لن يعتقلوا ويجلبوا للمثول امام المحكمة أبداً.  لكن سجلات المحاكمات الدولية الأخرى تجعل من الضروري، على نحو متزايد، بالنسبة لهم أن ينظروا إلى هذه المحكمة بعين الجد.
 وكان شيء مشابه قد حدث خلال حرب البوسنة التي كانت قد اندلعت قبل 20 عاماً في مثل هذه الأيام.  وحينها ، لم تكن لا إدارة الرئيس جورج بوش(الأب) ولا إدارة الرئيس بيل كلينتون على استعداد للتدخل عسكرياً.  لكنهما أعربتا عن الاستشاطة غضبا من  جرائم التطهير العرقي. وأفضى ذلك في حينه إلى الدعم الأميركي  لتأسيس ما أصبح محكمة الجنايات الدولية ليوغوسلافيا السابقة.  وفي حينها، أخذت قلة من الأطراف المعنية المسألة على محمل الجد.
لم يكن لديها الصلاحية لإلقاء القبض من تلقاء نفسها، على اولئك المتهمين بارتكاب الجرائم. وبالكاد تصور أحد أن يتم جلب الجناة البارزين للمثول أمام العدالة.  ومع ذلك، حققت المحكمة المذكورة نجاحا منقطع النظير.  ومن أصل 161 شخصا من كل فئات حروب البلقان والذين اتهمتهم المحكمة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية فقد تم اعتقال الجميع ومثولهم أمام محكمة لاهاي باستثناء اولئك الذين ماتوا أو سحبت الاتهامات التي وجهت لهم. وقد تم تجريم 64 متهماً فيما برئت ساحة 13.  أما الآخرون فقد استأنفوا الأحكام التي جرمتهم وما يزالون قيد المحاكمة أو ماتوا أو أحيلت قضاياهم للنظر فيها أمام المحاكم في الوطن.
وفي الحقيقة، نظرت المحاكم القومية في صربيا وكرواتيا والبوسنة في العشرات من المحاكمات رفيعة المستوى  لمتهمين بارتكاب جرائم حرب.
ونتيجة لذلك، أجبر معظم اولئك المسؤولين بشكل رئيسي عن الجرائم الأكثر ترويعاً في يوغسلافيا السابقة، مثل قتل 8000 مسلم بين رجل وفتى في سربرينيشا في العام 1995على تمضية أحكام طويلة في السجن.  وأظهرت العملية التي دعمها البعض مبدئيا كبديل لعمل يستند إلى القوة أنها أفضل بكثير مما كان يرجى منها.  فقد وفرت إجراء عدالة رئيسيا في الصراعات في البلقان وقادت إلى تأسيس محاكم جنائية دولية خاصة ومحكمة الجنايات الدولية.  كما أنها أفضت إلى الإسهام في تشكيل ملاحقات قضائية قومية، في العديد من البلدان، لدكتاتوريين وأمراء حرب وقادة رجالات حرب عصابات وكلهم كانوا مسؤولين عن ارتكاب جرائم ضد الإنسانية.
كان تأسيس محكمة البلقان في العام 1993 حالة إبداع في القانون الدولي وخلق محكمة لسورية اليوم سيكون قرارا شجاعا للجامعة العربية، سيضمن أن يواجه اولئك الذين يرتكبون أعمال العنف العواقب.


* أرييه نايير رئيس مؤسسة المجتمع المنفتح ومؤلف كتاب "حركة حقوق الإنسان الدولية: تاريخ".
* نشر هذا المقال تحت عنوان
An Arab War-Crimes Court for Syria.

[email protected]