مذاكرات المحكمة الجنائية: ماذا ظن مسهّلو المذبحة؟

1716810649037455500
‏كريم خان (وسط) يعلن عن طلبه مذكرتي توقيف بحق بنيامين نتنياهو ويوآف غالانت، 21 (مايو) 2024 – (المصدر)

أوين جونز*‏ - (الغارديان) 22/5/2024

بينما تسعى المحكمة الجنائية الدولية إلى إصدار أوامر اعتقالات بحق قادة إسرائيل، أَسألُ أولئك الذين سهلوا المذبحة في غزة: ماذا كنتُم تظنّون؟‏ الوفيات، والفظائع -كلها كانت أمورًا متوقعة. وعلى أولئك الذين تجاهلوا جميع التحذيرات من وقوعها أن يتحملوا المسؤولية أيضًا.

*   *   *
‏يسعى المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، رسمياً، إلى استصدار مذكرات اعتقال ‏‏بحق قادة إسرائيل و"حماس"‏‏، ويجب طرح سؤال على السياسيين ووسائل الإعلام الذين شرعنوا تدمير إسرائيل المدعوم من الغرب لغزة، في ما يُعدّ واحدة من أكبر الجرائم في عصرنا: ماذا كنتم تظنون؟‏

اضافة اعلان


‏وتتطلب المذكرة مراجعة التفاصيل؛ أولاً، كيف ينبغي تحميل ثلاثة من قادة "حماس" المسؤولية الجنائية عن جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، بما في ذلك الإبادة، والقتل، واحتجاز الرهائن. إن ذنبهم لا جدال فيه، ولا توجد أي قضية يمكن أن تبرر ارتكاب مثل هذه الجرائم ضد المدنيين.‏


‏لكنّ هناك تمييزًا ينبغي إجراؤه مع ذلك. في حين أن جرائم "حماس" كانت فاحشة ولا يمكن الدفاع عنها، فإن التهم التي اقترحها المدعي العام ضد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، ووزير دفاعه، يوآف غالانت، تصف الفظائع التي سهَّلها السياسيون المصفقون والمشجعون بشكل مباشر، وعلى الأخص في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وألمانيا، وأضفت الشرعية عليها العديد من وسائل الإعلام الغربية.‏


‏‏التجويع، والتسبب المتعمد في معاناة كبيرة، والقتل كجريمة حرب، وتوجيه الهجمات عمدًا ضد السكان المدنيين، والأهم من ذلك، "الإبادة" كسياسة للدولة: إن المسؤولية عن هذه الفظائع لا تقع على كاهل قادة إسرائيل وحدهم. من الواضح أن إسرائيل -كما أوضح المدعي العام- كانت تحرم السكان المدنيين عمدًا وبشكل منهجي من أساسيات الحياة، وأنها تسعى إلى "معاقبة السكان المدنيين في ‏‏غزة‏‏ بشكل جماعي، والتي تعتبرهم جميعًا تهديدًا لإسرائيل". لماذا رفض هؤلاء السياسيون الغربيون، هؤلاء المرافقون لحماية الموكب، وصف الجرائم ذات الأبعاد التاريخية بما هي عليه بوضوح؟‏


أن يقوم الرئيس الأميركي، جو بايدن، بشجب طلب المدعي العام ‏‏باعتباره "شائنا"‏‏ يؤكد سبب الأهمية البالغة لهذا الطلب. في نظام عالمي يميل بشدة لصالح الدول الغربية وحلفائها، لم يكن من المفترض أن يحدث هذا.

 

"هذه المحكمة أنشئت من أجل أفريقيا وللبلطجية مثل بوتين"، كما قال أحد القادة الأوروبيين ‏‏للمدعي العام‏‏. ولكن، سواء انتهى المطاف بنتنياهو إلى قفص الاتهام أم لا، فإن إفلات إسرائيل من العقاب الذي بدت منيعة منه ذات يوم لم يعد موجودًا، كما أصبح لدى القادة الغربيين المزيد من الأسباب للخوف من العواقب المترتبة على أفعالهم أكثر من أي وقت مضى.‏


‏في الحقيقة، يعرف مثل هؤلاء القادة أنهم ملعونون بالصلة. فقد وعد بايدن بتقديم دعم "قوي" لإسرائيل وتزويدها بإمدادات غير محدودة من الأسلحة، بما في ‏‏ذلك قنابل تزن الواحدة منها 2.000 رطل‏‏، والتي مزقت الجثث في ما تُسمى بالمناطق الآمنة. كما رفض وزير الخارجية البريطاني، ديفيد كاميرون، ‏‏مرارًا وتكرارًا‏‏ تعليق مبيعات الأسلحة لإسرائيل.

 

وماذا عن كير ستارمر؟ رداً على سؤال عما إذا كان لإسرائيل الحق في قطع إمدادات المياه والكهرباء عن الفلسطينيين، قال إن ‏‏لها "هذا الحق"‏‏ بعد أن أوقفت دخول الغذاء والوقود والأدوية إلى غزة في تشرين الأول (أكتوبر).

 

وادعى لاحقًا ‏‏أنه لم يقل أبدًا‏‏ ما قاله، مدعيًا أن ما حدث كان سوء تفسير. ولكن، لاحِظوا كيف أن المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية يعرض على وجه التحديد قرارات إسرائيل بقطع أنابيب المياه وإمدادات الكهرباء كبنود رئيسية في قضيته. إنه شيء يجب أن يكون المحامي ستارمر قد عرف أنه عمل إجرامي في جوهره.‏


‏الجهل ليس دفاعًا. نادرًا ما كانت دولة منفتحة إلى هذا الحد بشأن التعبير نواياها الإجرامية القاتلة. إذا جُمعت تصريحات وزراء الحكومة الإسرائيلية والسياسيين والجنرالات والجنود والصحفيين وغيرهم من الشخصيات العامة الداعمة للمذابح الجماعية والتدمير العشوائي، فإنها ستملأ كتابًا.

 

وقد دفعت هذه التصريحات الأستاذ المشارك الإسرائيلي الأميركي في دراسات الهولوكوست والإبادة الجماعية، راز سيغال، إلى أن يعلن بعد تسعة أيام فقط من 7 تشرين الأول (أكتوبر): "إننا نشهد هذا المزيج من أعمال الإبادة الجماعية التي تُنفذ بنيَّة خاصة. إنه في الحقيقة التجسيد المثالي للإبادة الجماعية‏‏".‏


‏عندما أعلن غالانت ‏‏"حصارًا كاملاً"‏‏ على غزة حيث "لا كهرباء ولا طعام ولا ماء ولا وقود" على أساس "إننا نحارب حيوانات بشرية ونتصرف وفقًا لذلك" -وهي لغة أشارت إليها "محكمة العدل الدولية" لاحقًا على أنها قد تخاطر بتجريد الفلسطينيين من الحق في ‏‏الحماية من الإبادة الجماعية‏‏- لماذا لم يُؤخذ كلامُه على محمل الجد؟ هل اعتقد سياسيونا ومعلقونا أن قول غالانت لجنوده إنه رفع جميع "القيود" و"المحددات" عنهم أثناء العمل في غزة لم يؤخذ حرفياً؟

 

عندما خاطب اللواء الإسرائيلي غسان عليان على وجه التحديد "مواطني غزة" باعتبارهم ‏‏"حيوانات بشرية"‏‏، وأشاد بـ"الحصار الشامل" بعبارة: "أردتم الجحيم، وسوف تحصلون على الجحيم"، أي مجال كان متاحًا هناك لكثرة التأويل؟‏


‏إلى السياسيين والمعلقين الذين أمضوا أشهرًا في ترديد الشعارات حول "الدفاع عن النفس" بالنسبة لإسرائيل مع تفاهات مبتذلة متكررة أخرى: ماذا كنتم تفكرون؟ مثل بقيتنا، أمضى هؤلاء الناس سبعة أشهر ونصف الشهر في مشاهدة قوة عسكرية عظمى وهي تقذف متفجرات تعادل قوتها قنابل عدة من التي ألقيت على هيروشيما على واحدة من أكثر المناطق اكتظاظًا بالسكان في العالم، والتي لا تزيد مساحتها على شرق لندن، وشاهَدوا معظم البنية التحتية المدنية في غزة وهي تتعرض لأضرار جسيمة أو رأوها مدمرة بحيث أصبحت غزة تبدو الآن ‏‏بلون ونسيج مختلفين‏‏ عند النظر إليها من الفضاء.

 

وقد فعلوا وهم يدركون أن عشرات الآلاف من الفلسطينيين قد اختنقوا حتى الموت تحت الأنقاض‏‏ -‏‏الكثير منهم من الأطفال؛ وأن النظام الطبي قد تم مسحه بالكامل، ولذلك تُبتر أطراف الأطفال وتخضع النساء للولادة القيصرية من دون تخدير؛ أن إسرائيل تعرقل بشكل منهجي وسائل البقاء على قيد الحياة، مما يعجّل ‏‏بأسرع انخفاض‏‏ في الحالة التغذوية للسكان تم تسجيله على الإطلاق.‏


‏لقد حصلنا على مقاعد في الصفوف الأمامية لمشاهدة بعضٍ من أسوأ الجرائم التي جرت في القرن الحادي والعشرين، والتي يتم بثها مباشرة وعلى أساس يومي. نادرًا ما تحتوي مثل هذه الفظائع على مثل هذا العدد الهائل من الأدلة الموثقة الدامغة.

 

لقد وعدت الدولة الإسرائيلية مرارًا بارتكاب فظائع ذات أبعاد توراتية -حرفياً في حالة نتنياهو الذي استشهد بقصة عماليق، حيث ‏‏أمر الله بني إسرائيل‏‏ "بقتل الرجال والنساء والأطفال والرضع والماشية والأغنام والجمال والحمير"- وهو ما فعلته إسرائيل حرفياً.‏


وماذا عن وسائل الإعلام؟ كانت هناك أمثلة شجاعة في نقل الأخبار والحقيقة، لكنني بشكل عام، أرى ما حدث في هذا المجال على أنه أحد أكبر الإخفاقات الصحفية في التاريخ. ‏


ماذا ‏‏كان هؤلاء جميعًا يظنون وبماذا كانوا يفكرون؟ حسنًا، كل شيء واضح تمامًا. لقد تم التعامل مع الحياة الفلسطينية على أنها لا قيمة لها على الإطلاق. هذه الملحمة الدنيئة هي قصة فاسدة عن التجريد من الإنسانية في أقسى صورها.

 

وقد شهدنا الآن أيضًا العواقب الوخيمة التي ترتبت على الفشل في محاسبة مهندسي الكوارث السابقة، وخاصة في العراق. ومن الواضح أن المصفقين لإسرائيل اعتقدوا أن إفلات هذه الدولة من العقاب سيكون بوليصة تأمين جماعية تحميهم هم أيضًا.‏


حسنًا، هذا الإفلات من العقاب أصبح يتفكك الآن في الوقت الحقيقي. إن ما نراه هو مسرح جريمة مغطى بالعديد من بصمات الأصابع. وما لم يحاسَب جميع الرجال والنساء المذنبين ومشجعيهم، فسنكون محكومين بمستقبل من الرعب والمعاناة المتصاعدين.‏

*أوين جونز Owen Jones: كاتب عمود في صحيفة الغارديان.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: As the ICC seeks arrests, I ask those who facilitated the Gaza slaughter: what were you thinking?

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

ما لا يستطيع القانون الدولي تحقيقه في غزة وأوكرانيا‏