مسعى إسرائيل النشط إلى إلغاء كامل فلسطين

روبرت فانتينا - (كاونتربنتش)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني


يوم الأحد، 27 نيسان (أبريل)، ظهر رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، على شاشة التلفاز، واستنكر التقدم الذي جد على مباحثات المصالحة بين حركة فتح التي تحكم الضفة الغربية ظاهرياً، وبين حركة حماس، الحكومة المنتخبة ديمقراطياً في قطاع غزة.
ووفق شبكة (سي إن إن) "قال نتنياهو إنه ووزير الخارجية جون كيري أشارا إلى أنه كان يتم إحراز بعض التقدم نحو التوصل إلى اتفاقية سلام. ‘ثم في اليوم التالي أصبنا بالصدمة كلانا، ليست هناك كلمة أخرى، لقد تم استغفالنا تماماً لأن الرئيس عباس تبنى المنظمة الإرهابية، حماس، التي تسعى إلى تدمير إسرائيل’، كما قاله في برنامج "واجه الأمة"".
سوف نتجاهل لوهلة فكرة أن رئيس وزراء إسرائيل يشعر بالحرية في التحدث بالنيابة عن وزير الخارجية الأميركية؛ عندما يسحب سيد الدمية الخيوط، فإن أي شيء يمكن أن يحدث.
لكننا سنركز بدلاً من ذلك على رعب السيد نتنياهو الظاهر، واشمئزازه من فكرة تسعى هيئة حاكمة لإحدى الدول، أو لجزء من الدولة، إلى تدمير دولة أخرى.
تقدم إسرائيل خدمة شفوية للمحاولات الأميركية غير الفعالة وغير الأصيلة من أجل إنجاز حل الدولتين بين فلسطين وإسرائيل، رغم حقيقة أن إسرائيل تقوم باستمرار، وحتى خلال المباحثات حول الحل المذكور، بتدمير المنازل والمزارع والقرى الفلسطينية من أجل إقامة مستوطنات إسرائيلية فقط. وقد انكمشت حدود فلسطين إلى لا شيء تقريباً منذ تأسيس دولة إسرائيل، والتي ظهرت كنتيجة للإجلاء القسري لثلاثة أرباع مليون فلسطيني خلال الفترة الممتدة بين العامين 1947-1948. وما تزال هذه الممارسات القائمة على الإبادة الجماعية مستمرة حتى يومنا هذا منذ سبعة عقود.
في الأثناء، يرفض السيد نتنياهو التعامل مع أي طرف يرغب في تدمير إسرائيل، لكنه ينتهج بنشاط وفعالية عملية هدفها الإفناء الكامل لفلسطين. وتجدر الإشارة إلى أن تمويل هذا المسعى الإجرامي الذي ينتهك القوانين الدولية يأتي من الولايات المتحدة بشكل كامل تقريباً. ولعل مقارنة بين المساعدة المالية التي تقدمها الولايات المتحدة لفلسطين وتلك التي تقدمها لإسرائيل تظهر انعدام النزاهة المطلق لدى الأميركيين في هذا الصدد.
منذ منتصف التسعينيات، وفق تقرير بحث للكونغرس بعنوان "المساعدات الخارجية الأميركية لفلسطين"، والذي ظهرت نتائجه بتاريخ 30 أيلول (سبتمبر) من العام 2013، فقد التزمت الولايات المتحدة (لاحظوا أن التقرير لا يقول: أرسلت) بتقديم 5 مليارات دولار لفلسطين. ويبدو ذلك بالطبع مبلغاً كبيراً من المال، لكن ذلك المبلغ يجب أن يوضع في سياقاتها. فمنذ العام 1987، أرسلت الولايات المتحدة أكثر من 3 مليارات دولار لإسرائيل في كل عام. وهكذا، وإذا افترضنا أن -منتصف التسعينيات- تعني العام 1995، فقد كان من المقرر أن تتسلم فلسطين ما معدله 158 مليون دولار عن كل عام، أو حوالي 433.000 دولار في اليوم. في المقابل، تتسلم إسرائيل 3 مليارات دولار في العام، أي ما يعادل نحو 9 ملايين دولار في اليوم، معظمها في شكل مساعدات عسكرية. وخلال السنة المالية 2013، وبينما كانت الولايات المتحدة منهمكة في منح إسرائيل ما لها من 9 ملايين دولار تقريبا كل يوم على شكل مساعدات عسكرية، كان المبلغ الذي منح لفلسطين على شكل مساعدات عسكرية يساوي صفراً.
نتيجة لهذا السخاء من جانب الولايات المتحدة، تتوافر إسرائيل على أكثر الأسلحة المتطورة للهجوم والدفاع التي توجد في العالم اليوم. أما الفلسطينيون، من جهة أخرى، فيتمكنون من حين لآخر من جمع إمدادات كافية لصنع بضعة صواريخ من القناني.
على الأقل، وفيما يعود جزئياً إلى عدم المساواة المخجلة التي تمارسها الولايات المتحدة، قتل منذ العام 2000 نحو 1109 إسرائيليين في الصراع مع الفلسطينيين، في مقابل مقتل 6.862 فلسطينيا. وبين السكان الأطفال، مات 129 طفلاً إسرائيلياً بينما قتل على الأقل 1.523 طفلاً فلسطينياً. وفي تلك الفترة نفسها، جرح 8.550 إسرائيلياً مقارنة مع 54.761 فلسطينياً جرحوا في الفترة نفسها. ولا تحتجز فلسطين راهناً أي إسرائيلي، بينما يوجد قيد السجون الإسرائيلية نحو 5.224 فلسطينياً. وبالعودة أكثر إلى الوراء، نجد منذ العام 1967 أن 27.000 منزل فلسطيني قد دمرت بالكامل على يد إسرائيل، في حين أنه ليس هنالك أي منزل إسرائيلي واحد دمره الفلسطينيون.
وهكذا، فإن "صدمة" السيد نتنياهو من محادثات المصالحة بين فتح وحماس، وقوله إنه لا يستطيع التعامل مع منظمة تسعى إلى تدمير إسرائيل، هي أفكار صعبة الهضم بعض الشيء. لكن هذا يظل سلوكاً نمطياً من جانب رئيس الوزراء الإسرائيلي، وكذلك من جانب الولايات المتحدة. وفي الأثناء، نجد أن كلا البلدين يتحدثان عن المفاوضات مع إسرائيل عندما تقدم إسرائيل، بمباركة الولايات المتحدة، على أخذ ما تريده من فلسطين مع تمتعها بالحصانة. وهما تبحثان ضرورة أن تحترم فلسطين سيادة حدود دولة إسرائيل، لكنهما راضيتان بالسماح لإسرائيل بانتهاك حدود فلسطين بشكل مستمر. وهم تشجبان أيضاً صواريخ القناني التي يجري إطلاقها من حين لآخر من قطاع غزة وتصل إلى إسرائيل، لكنهما تسمحان وتدعمان القصف الشامل لكامل قطاع غزة. وهما تدينان أي مقاومة من جانب الشعب الواقع تحت الاحتلال ضد الطرف الذي يمارس الاحتلال ويرتكب ممارسات مرعبة من الإرهاب الإسرائيلي ضد الفلسطينيين.
الآن، من أجل "مكافأة" فلسطين على محاولتها مصالحة حكومتها، تهدد الولايات المتحدة بقطع المبلغ الضئيل الذي ترسله الآن إلى تلك الدولة المكافحة. وهكذا، فإن المساعدة السنوية المقترح أن تكون قيمتها 400 مليون دولار (رغم أن عدم رضا إسرائيل عن أي شيء تفعله فلسطين يكون كافياً للتسبب في تعليق كل أو جزء من تلك المساعدة)، وهي تساوي ما تتسلمه إسرائيل من الولايات المتحدة في غضون 50 يوماً، أصبحت الآن تحت الخطر. ومن أجل الحيلولة دون هذه الخسارة، يجب على الحكومة الفلسطينية الموحدة في حال قيامها أن تنبذ العنف وأن تعترف بإسرائيل.
قد يسأل المرء: أين هو المطلب بأن تنبذ إسرائيل العنف وبأن تعترف بفلسطين؟ أين التهديد بأن أي جزء من مليارات الدولارات التي ترسلها الولايات المتحدة إلى إسرائيل في كل عام سيتم إيقافه حتى تفعل تلك الدولة ذلك؟ ويسأل المرء: لماذا تعتبر المقاومة غير الفعالة ضد الاحتلال الوحشي ضرباً من الإرهاب. في حين أن الاحتلال في حد ذاته، الذي يجلب كلف مرعبة على الفلسطينيين بشكل يومي، يعد مقبولاً؟
لطالما كان معروفاً منذ وقت طويل أن الحكومة الأميركية، ومَن يوصفون بأنهم الممثلون المنتخبون للشعب الأميركي، قد اشترتهم لجنة الشؤون العامة الأميركية الإسرائيلية (إيباك). فهل يمكن أن يكون ثمة مسوغ آخر لكون إساءات حقوق الإنسان التي لا تعد ولا تحصى غير مسموح بها، لكنه يجري تمويلها في حقيقة الأمر من جانب الحكومة الأميركية؟ في الولايات المتحدة، يدفع المسؤولون الحكوميون أتاوة لجماعة اللوبي الإسرائيلي، وتحظى جماعة اللوبي ذات الجيوب الأعمق بمعظم التوقير والتبجيل. كما أن القليلين من الممثلين الأميركيين سيعضون اليد التي تطعمهم بسخاء.
ثمة شيئان يستطيعان تخفيف العبء الذي يتحمله الفلسطينيون، وإعطائهم الأمل بقيام دولة مستقلة خاصة بهم. الأول: هو اعتراف المجموعة الدولية بممارسات التفرقة العنصرية الإسرائيلية والقرار القاضي بوضع حد لتلك الممارسات. والثاني، تشكيل مجموعة ضغط في الولايات المتحدة، والتي تكون أكبر وأكثر قوة من (إيباك)، والتي تخرج إلى الوجود.
لا يبدو أي من هذا وأنه يلوح في الأفق الآن. ومع ذلك، يبدو أن الخيار الأول يحقق بعض التقدم: فحركة المقاطعة وسحب الاستثمار وفرض العقوبات تنمو وتكسب دعماً دولياً. وقد أصبح لفلسطين تواجد أكبر في الأمم المتحدة مقارنة بالسابق، وهي الآن تتمتع باعتراف 132 عضوا في الأمم المتحدة، أي حوالي 68 % من الجسم العالمي (إسرائيل تلقى الاعتراف من جانب 160 بلدا، حوالي 83 %) وذلك الرقم ينمو ببطء.
قد لا يحب السيد نتنياهو ذلك وقد يستنكره، لكن الرأي العالمي يبتعد عنه وعن إسرائيل وحلفائهما. وذلك لا يمكن أن يحصل في وقت قريب بما يكفي بالنسبة لفلسطين.

*نشر هذا المقال تحت عنوان:
How Israel actively pursues the complete annihilation of Palestine

اضافة اعلان

[email protected]

@abdrahamanalhuseini