مَن الذي أضاع اليونان؟

القمامة تتكوم في شوارع اليونان بسبب إضراب عمال النظافة - (أرشيفية)
القمامة تتكوم في شوارع اليونان بسبب إضراب عمال النظافة - (أرشيفية)

جون بيساني فيري - (لوموند) 20/2/2012

 ترجمة: مدني قصري

اضافة اعلان

 

مع تعذر التوصل إلى اتفاق مع الدائنين من القطاع الخاص والممولين بالأموال العامة، لن تتمكن أثينا من مواجهة استحقاقات الديون المقبلة، يوم 20 آذار (مارس) المقبل. وحتى لو أمكن التوصل إلى حل في آخر لحظة، كما هو مرجح، فإن الكثيرين يعتقدون بأن الأمر لن يكون سوى شراء بعض الوقت، وبأن اليونان لن تنفذ إجراءات التقشف التي وعدت بها، وسوف تقرر في نهاية المطاف إما التخلي عن اليورو، وإما أن يتم طردها من منطقته بعد فشلها.
تتساءل كل من لاهاي، وبرلين وهلسنكي بصوت عال حول جدوى الإبقاء على اليونان ضمن منطقة اليورو. وفي أثينا، ما فتئ السخط يتعاظم، وقد بدأت حدة الجدل تُذكرنا بشكل مزعج، بالنزاعات المالية التي حدثت في عشرينيات القرن الماضي حول التعويضات الألمانية.
"من فقد الصين؟" هكذا كان الاستراتيجيون الأميركيون يتساءلون في الخمسينيات من القرن العشرين. وقد يتساءل الأوروبيون اليوم بدورهم: "من فقد اليونان؟" الجواب أوّلا: إنهم الإغريق أنفسهم. فقد بلغ عدم الشعور بالمسؤولية عند القادة السياسيين ذروته، والمحسوبية باتت تنخر الدولة، ومؤشر الفساد لمنظمة "الشفافية الدولية" غير الحكومية يضع البلاد في المرتبة الثمانين عالميا، وفي أيلول (سبتمبر) 2011، لم تنجز السلطات الضريبية سوى 31 مراجعة من بين 75 مراجعة ضريبية على الدخول المرتفعة التي التزمت بالقيام بها خلال السنة. 
غير أنه ليس من السهل إعفاء الأوروبيين من مسؤولياتهم. فقد كان خطؤهم الأول هو المماطلة التي امتدت على مدى شهور طويلة، ولم تحقق في نهاية المطاف سوى برنامج مساعدة غير واقعي قام على توقّع الأوروبيين عودة البلاد إلى السوق العالمية ابتداء من العام 2013. ونحن نعرف أن هذا الأمر يتطلب سنوات عديدة، وربما عقد كامل، حتى تستعيد الدولة توازناتها المالية وتصححها.
أما الخطأ الثاني فهو فوضى التفاعل مع أزمة الأموال العامة. وكان في متناول الأوروبيين استراتيجيتان ممكنتان: إما اللجوء في وقت مبكر إلى خفض الديون، بما يتيح استعادة القدرة على دفع الدين بصورة سريعة، وإما إضفاء الطابع الاجتماعي على هذا الدين، من أجل الحفاظ على السمعة الجماعية للأوروبيين. وكانت هاتان الاستراتيجيتان غير متجانستين، لكن برلين وباريس اتفقتا على الجمع بين الاستراتيجيتين، وهو ما لم يكن ممكنا: الادعاء بأن البلد قادر على الدفع، مع إقراضه بمعدلات فائدة قاسية، وهو ما يؤدي إلى تفاقم وضعيته الصعبة.
وقد احتاج الأمر إلى سنة ونصف السنة للتخلي عن تلك السياسة. وكان تحقيق التوازن في الأهداف هو الخطأ الثالث. فمنذ البداية، قام صندوق النقد الدولي بتشخيص مشكلة مزدوجة، مشكلة الأموال العامة ومشكلة التنافسية، لكن التركيز وقع على المشكلة الأولى واكتفى المعنيون بالأمل في أن تؤدي الإصلاحات إلى تسوية المشكلة الثانية.
لقد استثمرت الحكومة رأسمالها السياسي الضعيف في تصحيح أوضاع الموازنة العامة، ولم تستثمره في بناء اقتصاد تنافسي. وبعد ذلك بعامين، قلَب البرنامجُ الذي كان في لمساته الأخيرة ترتيبَ الأولويات، ووضع التنافسية والنمو في الطليعة، وأخّر عملية إنهاء ضبط أوضاع المالية العامة. فلماذا لم ينجز كل ذلك في وقت مبكر؟ ناهيك عن أنه لم يتحقق أي شيء جاد لفائدة النمو. إن برنامج تصحيح الانكماش الاقتصادي لا يمنع السعي إلى تجنيد أدوات التصحيح الاقتصادي.
من الناحية المبدئية، كان بإمكان أثينا الاعتماد على غلاف مالي مهم من صندوق التنمية الإقليمية المسجل في موازنة الاتحاد الأوروبي. وكان لا بد من انتظار صيف العام 2011 حتى يفكر المعنيون في استعمال هذه الأموال كدعم للتصحيح. وأخيرا كان خطأ الأوروبيين الأخير هو ما أبدوه من بعض اللامبالاة إزاء عدالة توزيع عبء الجهود. ونحن نفهم بالطبع أن صندوق النقد الدولي، وهو مؤسسة تكنوقراطية، لا يذهب أبدا أبعد بكثير من الاقتصاد الكلي.
لا ينبغي أن يؤخذ على الأوروبيين فرضهم التقشف على اليونانيين، وهو الثمن الضروري مقابل الجهد المالي الكبير. فالبلد الذي تكون الاختلالات فيه واضحة ومتفاقمة إلى هذا الحد يجب أن يخضع لإجراءات صرامة. أما ما ينبغي أن يلاموا عليه فهو البرنامج الذي جاء في وقت متأخر، وكان غير مدروس وغير عادل. فإذا كان لا بد في يوم من الأيام من أن نسأل من الذين فقدوا اليونان، فلن تفلت أوروبا ساعتها من سؤال الضمير!
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
?Qui a perdu la Grèce

[email protected]