من تل أبيب إلى حيفا: "هل ترى أن هذه نهاية إسرائيل"؟ (1 - 2)‏‏‏

إسرائيليون يعتصمون قرب مبنى الكنيست مطالبين بحل الحكومة وعودة المحتجزين الإسرائيليين في غزة – (المصدر)
إسرائيليون يعتصمون قرب مبنى الكنيست مطالبين بحل الحكومة وعودة المحتجزين الإسرائيليين في غزة – (المصدر)

جان ستيرن*‏‏ - (أوريان 21) 3/5/2024

 

بعد ستة أشهر من بدء الحرب في غزة، يبدو الرأي العام الإسرائيلي بالخوف، ويتساءل عما سيحدث تاليًا في بلد يحرض فيه اليمين المسياني المتطرف لصالح التطهير العرقي للفلسطينيين.

اضافة اعلان

 

أما اليسار، فيجد صعوبة في العثور على طريق، في حين تخضع الحريات العامة للفلسطينيين الإسرائيليين لقيود صارمة.
***
من مراسلنا الخاص في إسرائيل.


على شواطئ تل أبيب، بعد ظهر يوم سبت مشمس، تستفيد القبائل العائلية الحضرية من أشعة الشمس. ثمة وجبات خفيفة، وموسيقا، وبيرة. ولا تبعد غزة عن هنا سوى 70 كيلومترًا فقط؛ تشهد على ذلك بنادق جنود الاحتياط التي يمكن رؤيتها هنا وهناك.

 

وبعيدًا عن الحشد بعض الشيء، على حاجز أمواج حجري، يجلس رجل مسفوع بالشمس ويدخن سيجارة. كان ماكي من لينينغراد، وهاجر إلى إسرائيل في العام 1997 وقاتل في الحرب اللبنانية في العام 2006. وهو يعمل الآن، في سن 54 عامًا، في تنظيف وكيّ الملابس. أسأله عن الوضع في إسرائيل. ينظر إليَّ ويجيب: "هذا البلد حفرة قذارة".‏


في اليوم السابق، في مطعم عصري المظهر في تل أبيب، صادفت حنا، 27 عامًا. ولدت حنا في سانت بطرسبرغ عندما لم تعد تسمى لينينغراد. وجاءت إلى هنا قبل عامين هربًا من روسيا بوتين وحربه القذرة في أوكرانيا. والمفارقة المأساوية في رحلتها إلى هنا تجعلني أبتسم.

 

تقول حنا الشيء نفسه بالضبط مثل ماكي، وهي تخطط للرحيل. ولن تكون في ذلك وحدها: أخبرني دبلوماسي أوروبي رفيع المستوى، بشكل غير رسمي، أن طلبات الحصول على جوازات سفر في القنصليات الغربية تضاعفت خمس مرات منذ الوقت نفسه من العام الماضي. ولدى خمسة ملايين إسرائيلي، أي أكثر من نصف السكان، جواز سفر ثان مُسبقًا.‏


‏"حفرة قذارة" هو أيضًا ما تقوله عن البلد غابرييلا التي التقيت بها في قرية الخيام في القدس، مكان الاعتصام في الشارع الواقع بين مبنى الكنيست ومبنى المحكمة العليا. هناك، يوزع المتطوعون المراتب والوسائد للتخييم في محاولة لجعل مهمة النشطاء المخيمين على الرصيف أكثر راحة.

 

وقد تظاهرت غابرييلا لأشهر عدة في العام 2023 للدفاع عن تلك المحكمة العليا الدموية، الهيئة الرقابية قصيرة النظر التي تشرف على ديمقراطية تتسامح مع الكثير من التمييز ضد الفلسطينيين.

 

وهي غاضبة جدًا من "حكومة الفاشلين" هذه، غير القادرة على تحرير الرهائن وكسب "تلك الحرب الرهيبة" التي بدأوها. "دعوهم يخرجون بحق الجحيم"! تصرخ ماريانا.


"إنهم مثيرون للشفقة! هذه الحرب لا تقودنا إلى أي مكان! إنهم كسالى متبطلون"، يقول متنهدًا متظاهر آخر أمام الكنيست في 4 نيسان (أبريل) بينما ينهي الجنرال إيان غولان خطابه التحريضي الناري. "حفنة من الرجال عديمي الفائدة ملفوفين في مسيانيتهم"، يضيف نيزان هورويتز.

 

كان زعيمًا سابقًا لحزب "ميرتس"، الحزب الصهيوني اليساري الذي يسير الآن على طريق الانهيار، وكان وزيرًا للصحة في السابق أيضًا.

 

ويلاحظ دبلوماسي أوروبي: "هذه الحكومة فاشلة لدرجة أن الطريقة الوحيدة التي يمكن أن تنقذ بها نفسها هي المبالغة في التعبير عن غضبها"، ويستنكر "الأساليب المضللة بشكل رهيب" التي يستخدمها بنيامين نتنياهو وحكومته.‏


"فليذهب! فليذهبوا جميعاً"‏

 


‏بعد مرور أكثر من ستة أشهر على بدء الحرب، أصبح نتنياهو مكروهًا كما لم يكن أي حاكم آخر في تاريخ إسرائيل. وقد غضب الإسرائيليون عندما علموا أن ابنه المحتال، يائير، يختبئ بأمان في ميامي، حيث يوفر له الحماية اثنان من عملاء الموساد، في حين أن زوجته سارة أقامت صالون تصفيف للشعر في مقر إقامتها الرسمي حتى لا تواجه الحشد الغاضب أمام عنوان صالونها المفضل في تل أبيب.

 

يقول نيتسان هوروفيتس: "الأفكار الوحيدة المتبقية لنتنياهو هي إنقاذ زوجته وابنه وحسابه المصرفي". ويقول الناس: "‏‏حسنًا‏‏، نحن مستعدون لأن ننسى لوائح الاتهام، ولكن فقط بشرط أن يذهب؛ أن يذهبوا جميعًا"!‏


‏"حفرة قذارة"، يكرر أيضًا أحد سكان حيفا الفلسطينيين. وهو يخشى، مثل كثيرين غيره، إظهار تضامنه مع غزة خوفًا من أن يرى حياته وهي تُسحق بالقمع. يمكن لليهود الإسرائيليين أن يظهروا غضبهم بينما الصمت هو حصة المواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

 

ثمة الشارع للأوَّلين، والهراوة للأخيرين. "هذا البلد حفرة قذارة"! تقول روشاما مارتون، 86 عامًا، متندرة بتفاهة التعبير. ومارتون شخصية رئيسية في اليسار الإسرائيلي. عندما كانت شابة، أسست السيدة ضئيلة الحجم ذات البريق الجارح في عينها منظمة "أطباء من أجل حقوق الإنسان"، وفي بداية نيسان (أبريل) نشرت على الصفحة الأولى من ‏‏صحيفة "هآرتس"‏‏ قائمة تضم أسماء 470 عاملاً صحياً قُتلوا في غزة منذ بدء الهجوم الإسرائيلي.


وقد فهمت طبيعة إسرائيل في وقت مبكر هو العام 1956. في سن العشرين، خدمت روشاما مارتون في سيناء. وهناك رأت جنود لواء جفعاتي وهم يعدمون السجناء المصريين بشكل غير رسمي برصاصة في الرأس.‏


‏وبذلك، يأتي كل هذا الموقف من زمن طويل وخبرة مباشرة.‏


كان شمشون، البطل الديني القومي لإسرائيل، "أنانيا متعصبًا"، وكانت به "حاجة إلى الإذلال"، كما يقول يوآف رينون، الأستاذ في الجامعة العبرية في القدس. هذه الشخصية الرمزية للصهاينة المسيانيين الذين يشاركون في حكم إسرائيل الآن، اعتقدَ أن قوته جعلته عصياً لا يقهر؛ هذه الأسطورة، التي أعيدت صياغتها باستمرار في الكتب المدرسية للدعائيين، أصبحت في طريقها إلى الخروج من المشهد.

 

ويوآف رومان مفكر حكيم، وهو يعتقد أن الوقت قد حان للمضي قدُمًا بعيداً عن مفهوم قائم على القتل والانتحار إلى مفهوم قائم على دافع الحياة. يجب أن يقوم مفهوم المشاركة على التخلي عن فكرة امتلاك حق حصري في هذه الأرض. يجب أن تصبح مساحةَ حياة وليس مساحة للموت اليهودي-الفلسطيني.(‏1)


وهي أمنية جيدة ورِعة، ولكن في الوقت الحالي "دمر الإسرائيليون غزة بدافع الغضب، وليس بدافع الضرورة"، يستأنف دبلوماسي حديثه، و"يمكن أن يحدث أي شيء آخر أيضًا".


"نتنياهو يواصل وعد الإسرائيليين بـ’النصر الكامل‘. لكن الحقيقة هي أننا على وشك أن نشهد هزيمة كاملة"، يقول المؤرخ الليبرالي يوفال نوال هراري.(‏2)‏ وفي رأيه، أظهر رئيس الوزراء مؤشرات على "الغطرسة والعمى والانتقام"، تمامًا مثل الذي أظهره شمشون.‏


ومع ذلك، يوضح الحديث عن هذا "البطل المتغطرس" ما هو واضح مسبقًا، كما يقول هراري: النموذج الحالي لهذه المنطقة، القائم على العنف والهيمنة، تجاوز فائدته. والجميع يتحدثون عن هذا، على انفراد، بين أفراد أُسرهم، مع صديق زائر. يجب على اليسار الإسرائيلي، المنقسم حول القضية الاستعمارية -وهذا يعود إلى ما قبل 7 تشرين الأول (أكتوبر) بفترة طويلة- أن يعيد اختراع نفسه، في الوقت الذي تشن فيه الحكومة حربًا شاملة على فلسطينيي غزة، وتضايقهم في الأراضي المحتلة، وتهدد الحريات القليلة المتبقية لهم -ومن خلال استعادة تلك الحريات لكل مواطن- داخل حدود البلاد للعام 1948.‏


‏"هل تعتقد أن هذه هي نهاية إسرائيل"؟ من خلال تأثير مرآة مفاجئ، أصبح هذا هو السؤال الذي يطرحه معظم الناس هنا بصوت عال. اليهود، المسيحيون أو المسلمون، المتدينون أم غير المتدينين، كلهم يطرحون هذا السؤال على أنفسهم بقدر ما يطرحونه لفائدة الصحفي الزائر. إنهم جميعًا أناس أرادوا السلام، وتخيلوا مستقبلاً مشتركًا.‏


‏"لقد عرفنا حقًا أيامًا سيئة في الماضي، انفجارات، مظاهرات حيث كان هناك خمسون منا فحسب. لكن الآن... من الصعب التحدث"، يقول لي مهندس معماري في تل أبيب. وتقول امرأة أعرفها في القدس: "الجميع في حالة سيئة، الجميع يشعرون بالغثنيان، حتى الأشخاص الذين يدَّعون أنهم ‏‏بخير‏‏". والكثيرون خائفون أيضًا، في ما يلقي بنوع من الحجاب الرمادي على البلد بأكمله.

 

لا يتحدث الناس عن هذا الخوف كثيرًا، حتى أن البعض يقول "إنهم فخورون بكونهم إسرائيليين مرة أخرى"، لكنهم جميعًا يشتركون في قلق الستارة الأخيرة هذا.‏


تركز أورلي نوي عملها على الخروج من هذا الطريق المسدود القاتل. وقد ولدت في إيران، وهي صحفية ومترجمة تبلغ من العمر 54 عامًا، أصبحت للتو رئيسة "بتسيلم"، أقوى ‏‏منظمة غير حكومية‏‏ لحقوق الإنسان في إسرائيل، والتي تطورت بشكل كبير على مدى السنوات العشر الماضية من خلال توصيفها القوي لنظام الفصل العنصري الإسرائيلي.

 

وقد ساهمت العين الثاقبة لهذه الناشطة المتمرسة في نجاح المجلة الإلكترونية "972+"، المسؤولة عن الكشف المرعب الأخير عن الطريقة التي يستخدم بها الجيش الإسرائيلي الذكاء الاصطناعي لقتل الناس في غزة.(‏3)‏ ولديها انتقاد كبير لأولئك "المحبطين، خائبي الأمل، والأشخاص الذين رأوا كل شيء"، أولئك الذين يُسمّون أنفسهم يساريين ويدعمون الحرب.

 

مثل أولئك المطربين والممثلين الذين يرسلون رسائل حب إلى الجنود وينظمون جولات على الجبهة.

 

وتتحدث أورلي نوي بسخرية عن "أوهامهم اليسارية التي عفا عليها الزمن" بينما يتهمها آخرون بالتساهل المزعوم مع "حماس".(‏4)‏ وبالنسبة لها، فإن "الجريمة البغيضة" و"غير المبررة" التي ارتكبت في 7 تشرين الأول (أكتوبر) لا يمكن أن تمحو "سنوات الاحتلال والإغلاق والإذلال والقمع القاسي للفلسطينيين، في كل مكان -وقبل كل شيء في غزة".


وقد دفع موقف أورلي نوي بعض الأعضاء إلى مغادرة "بتسيلم"، لكنها رفضت التخلي عن تضامنها مع الفلسطينيين الذين يُذبحون في غزة. هناك مثقفون يساريون يقولون إنهم يريدون إنقاذ الفلسطينيين من معاناتهم تحت حكم "حماس".

 

ولكن، لماذا إذن نفرض المزيد من المعاناة عليهم"؟ كما يلخص مراقب فلسطيني المناقشات الجارية التي تهدف إلى إعادة ابتكار اليسار الإسرائيلي.‏


"الجنرالات هم لعنة إسرائيل"‏

 


‏أما بالنسبة للجنرال يائير غولان، فهو يريد أن يمنح اليسار الأكثر كلاسيكية فرصة جديدة للحياة، لأنه يفكر في أن يصبح رئيسًا لـ"هافودا"، (حزب العمل)، الذي يختبر حاليًا أحوالًا سيئة مع وجود 4 نواب له فقط في البرلمان. وحالُ نائب رئيس الأركان السابق هذا هو "مثل كل هؤلاء الجنرالات. عندما يتركون الجيش، يبدأون في الحديث عن السلام لأنهم يعرفون أنه من المستحيل كسب الحرب".

 

وقد أصبح الجنرال، ‏‏وهو نائب‏‏ ووزير سابق عن حزب "ميرتس" بين العامين 2020 و2022، بطلاً قومياً في 7 تشرين الأول (أكتوبر) بسبب الذهاب مرتين، بمفرده، إلى المكان الذي أقيم فيه حفل الهذيان ذاك من أجل إنقاذ الضيوف الذين كانوا معرضين للخطر. وفي رأيه، "علينا إجراء تغيير جذري، بالطبع، لأنه من المستحيل تدمير حماس. ليس لدى إسرائيل أي فكرة عن كيفية متابعة هذه الحرب والمضي قدماً سياسياً: إنها فضيحة".

 

وفي حين أن المتظاهرين في تل أبيب والقدس ينظرون إلى ترشيح الجنرال غولان لقيادة ائتلاف يساري مستقبلي بطريقة إيجابية، فإنه يواجه مقاومة كبيرة. "الجنرالات هم طاعون إسرائيل"، تقول امرأة كانت تنتمي إلى حزب "ميرتس".

 

والأكثر من ذلك، "قد لا يحب جماعة اليسار الصهيوني نتنياهو، لكنهم يقدرون سياساته. لقد وافقوا على النكبة في العام 1948 ثم الفصل العنصري بحكم الأمر الواقع والاستعمار، والآن الإبادة الجماعية"، يضيف جمال زحالقة.

 

النائب السابق عن حزب "بلد"،(‏5)‏ والذي لديه معرفة شاملة بـ"هذا اليسار بالذات" لأنه جلس بجوارهم لسنوات في الكنيست.‏


لا تنوي يائيل بيردا الجلوس على الحياد مثل ما يفعل اليسار الصهيوني. وهي عالمة أنثروبولوجيا وأكاديمية ذات قناعات راسخة للغاية، وتمثل حالة نادرة في تل أبيب. "أنا على اليسار وأؤيد حقوق الفلسطينيين، أنا ضد الاحتلال والدولة الاستعمارية. لكنني لا أفهم الأشخاص الذين لا يستطيعون قول إن 7 تشرين الأول (أكتوبر) كان رعبًا.

 

لا يمكنني القبول بذلك". بالنسبة ليائيل بيردا، حرب اليوم هي أسوأ حل ممكن. "علينا أن نعطي أنفسنا وقتًا للحديث، بينما نقضي كل وقتنا في مطالبة الفلسطينيين بتبرير أنفسهم ثم الدفاع عن أنفسهم".

 

وبيردا أكاديمية تعتقد أن التعسف الذي ساد لفترة طويلة يجب أن يتوقف، وأنه يجب اختراع نموذج جديد للبلاد. "لا يمكن أن يكون هناك بلد لا يتمتع فيه ملايين الأشخاص بأي حقوق. لذلك، علينا أن نعطي الفلسطينيين حقوقًا".‏


بالنسبة لبيردا، فإن إعادة الفلسطينيين إلى مركز اللعبة هي الشيء الذي على المحك أكثر من أي شيء آخر بالنسبة لليسار الإسرائيلي، حتى لو لم تكن هناك أي علاما على تغيير المسار في غضون الأشهر القليلة المقبلة.

 

على الرغم من احتجاجات الشوارع التي أصبحت أقوى منذ منتصف آذار (مارس)، لا يمتلك اليسار الإسرائيلي برنامجًا واضحًا، خاصة عندما يتعلق الأمر بالسلام المنسي تمامًا اليوم في بلد غارق في الحرب، وحيث يتمتع رئيس الوزراء بأغلبية قوية من 64 مقعدًا.

 

وعلى الرغم من الجدل مع اليمين المتطرف حول أبعاد الهجوم على غزة ومع الأحزاب الدينية حول قانون توسيع الخدمة العسكرية للشباب الأرثوذكس المتطرفين، فإن لدى نتنياهو أغلبيته في متناول اليد.


صحيح أن شعبيته انخفضت في بداية نيسان (أبريل)، قبل الهجوم الجوي الإيراني، إلى 30 في المائة. ولكن، مع وجود معارضة رسمية في شخص بيني غانتس في مجلس وزراء الحرب، وبينما يدعم يائير لابيد الحرب، فإنه ليس لدى نتنياهو ما يدعو للقلق. ويلاحظ دبلوماسي: "غانتس ونتنياهو، بصراحة، هما المزيد من الشيء نفسه".

 

كما تخلى اليسار عن جبهة أخرى، أكثر مكرًا، فتحتها الحكومة: المساس بالحرية الفردية، وخاصة بالنسبة للمواطنين الفلسطينيين في إسرائيل.

 

وغالبًا ما يتم التعامل مع "الأعشاب الضارة" كما يسمونهم، كما لو أنهم طابور خامس. اعتقالات وقائية، اتهامات علنية، لوائح اتهام غير مبررة... ترسانة كاملة مدمرة للحرية تم فتحها واستخدامها الآن.


"معاقبة الفلسطينيين لكونهم فلسطينيين"‏

 


‏على رأس القائمة تأتي وسائل الإعلام. ويشرح آري، الذي يشرف على التواصل مع "عدالة"، وهي ‏‏منظمة غير حكومية‏‏ تدافع عن حقوق الفلسطينيين: "وسائل الإعلام الإسرائيلية مثل أوركسترا حيث يعزف جميع الموسيقيين على نفس الآلة.

 

لا يوجد أي فلسطيني تقريبًا على ‏‏شاشات التلفزيون‏‏. وسائل الإعلام الرئيسية، وحتى الليبرالية منها، تدعم حرب الحكومة وجرائمها". ويشعر الكثير من الناس، فلسطينيين وإسرائيليين على حد سواء، بالحاجة إلى مشاهدة قناة "الجزيرة" للحصول على جانب مختلف من الأخبار.

 

لكن الحكومة أصدرت قانونًا يهدف إلى حظر القناة القطرية. ويتابع جمال زحالقة: "الوحشية مروعة، لكنّ الأكثر بعثًا على الصدمة هو الطريقة التي تدعم بها وسائل الإعلام الإسرائيلية تلك الوحشية وتبيع لنا بها أبطالها الإسرائيليين. معظم الناس لا يعرفون ما يحدث لحرية التعبير -أو أنهم لا يلقون بالاً على الإطلاق".‏


على سبيل المثال، تشارك وسائط الإعلام في الاتهام العلني للأبرياء، كما لو أن ذلك يساعد في الدفاع عن إسرائيل التي تعرضت للإذلال منذ 7 تشرين الأول (أكتوبر)؛ الموت لحرية التعبير للفلسطينيين وحرية مؤيديهم النادرين، لقد حانت ساعة الانتقام للنظام ووسائل الإعلام المتماهية معه.

 

يقول لي أحد المحامين: "يبدو الأمر كما لو أن الشيء الأكثر إلحاحًا الآن هو معاقبة الفلسطينيين لكونهم فلسطينيين". إن العقاب والإذلال يشكلان الأساس "لتجريد الفلسطينيين من إنسانيتهم". 


الأمر كما لو أنه، بعد وفوق قائمة الضحايا المروعة في غزة، يُضاف العديد من الفلسطينيين الإسرائيليين الذين يبكونهم ويحزنون عليهم لأنهم يتذكرونهم كأقارب على الرغم من المنفى والاستعمار.

 

لم يعد لدى الملايين من الأفراد أفكار خاصة بهم، ولا الحق في أن يكونوا أي شيء سوى خطر وتهديد؛ لا الحق في الاحتجاج على الهجوم على غزة، ولا في الحداد على قتلاهم. وقد استخدم وزير الدفاع يوآف غالانت كلمة "حيوانات" لوصفهم.

 

ولمنع تنظيم أي احتجاجات، تم شن حملة قمع وحشية على الكليات والجامعات. وهذا يقلق عدي منصور، المستشار القانوني لمنظمة "عدالة" ‏‏غير الحكومية‏‏، ومقرها حيفا:‏
‏"إن حريات الفلسطينيين الإسرائيليين في خطر، وينظر إلى أي انتقاد على أنه مظهر من مظاهر الخيانة، ويجري تجريم وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من قنوات التعبير. هذا التجريم لحرية التعبير لم يسبق له مثيل في بلدنا.‏


"يكفي التعبير عن التعاطف مع الغزيين ليكون المرء مشتبهًا به بتهمة التعاطف مع الإرهاب". وقد تم توجيه لوائح اتهام لأكثر من 95 طالبًا و25 كلية؛ تم إطلاق سراح نصفهم، لكنَّ هذا لا يجعل من الأمر انتصارًا لنا". وأخبرني بأن الإجراءات الجنائية تستخدم لمعاقبة جرائم الرأي المزعومة في وقت الحرب هذا. الناسُ يعاقَبون على ما يفكرون به. بعض الاتهامات سخيفة بصراحة.

 

اتُّهمت طالبة كانت قد نشرت، بعد أيام قليلة من 7 تشرين الأول (أكتوبر)، صورة فيها شمبانيا وبالونات لمناسبة خاصة، بالاحتفاء بحماس وبالإرهاب".‏ (يُتبع)

*جان ستيرن Jean Stern: صحفي سابق في صحيفتي "‏‏ليبراسيون"‏‏ و"لا ‏‏تريبيون"،‏‏ ومحرر مساهم في "‏‏لا كرونيك دي أف الدولية"‏‏. نشر في العام 2012 "رؤساء الصحافة الوطنية كلهم سيئون" (لا فابريك) ‏‏Les Patrons de la presse nationale, tous mauvais‏‏، وفي العام 2017 "سراب مثليّ في تل أبيب"‏ (ليبرتاليا) ‏‏Mirage gay à Tel Aviv‏‏‏.

*نشر هذا التقرير تحت عنوان
: From Tel Aviv to Haifa: ‘Do you believe this is the end of Israel?

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

 لا "خطة لفلسطين" لأن إسرائيل لا تريد واحدة

 


الهوامش:


(1)Yoav Rinon, ‘The Destructive Wish for Revenge Followed by Suicide Is Rooted in the Israeli Ethos’, Haaretz, 16 March 2024.
(2)Yuval Noal Harari, ‘From Gaza to Iran, the Netanyahu government is endangering Israel’s survival’, Haaretz, 18 April 2024.
(3)Yuval Abraham, ‘Lavender: the AI machine directing Israel’s bombing spree in Gaza’, +972, 3 April 2024.
(4)Orly Noy, ‘War on Gaza: How Israel’s leftists quickly lost their compassion for Palestinians’, Middle East Eye, 16 March 2024.
(5) تأسس حزب "بلد" في العام 1995، وهو حزب عربي تقدمي، ويضم أيضًا أعضاء يهودًا. وكان أحد ركائز "القائمة العربية الموحدة" التي فازت بثلاثة عشر مقعدًا في الكنيست في العام 2015.

 

 


‏ مكان لتذكر المحتجزين الإسرائيليين في غزة، ساحة ديزنغوف وسط تل أبيب، نيسان (أبريل) 2024 – (المصدر)

 


‏فلسطينيون أمام مخبز دمرته غارة جوية إسرائيلية، مخيم النصيرات، غزة، تشرين الأول (أكتوبر) - 2023. (أرشيفية)‏