موازنة بايدن بين الأمن القومي الإسرائيلي والأزمة الإنسانية للفلسطينيين

1715899665346976300
الرئيس الأميركي جو بايدن - (أرشيفية)

ثمة سابقة في أن كبار السياسيين الأميركيين، ومن أكثر داعمي إسرائيل، لم يعودوا يرغبون في أن يستمر نتنياهو في حكم إسرائيل.
*   *   *

لا حاجة لنا بك بعد الآن

اضافة اعلان

 


وجدت إدارة بايدن، في الأسابيع الأخيرة، نفسها، في مواجهة معضلة جدية فيما يتعلق بكيفية الموازنة بين التزامها بالأمن القومي الإسرائيلي والأزمة الإنسانية التي يواجهها الفلسطينيون في غزة.

 

وحيث إن الولايات المتحدة توفر المساعدات العسكرية لإسرائيل، بما في ذلك القنابل وغيرها من أنظمة الدفاع والهجوم كجزء من التحالف الاستراتيجي الأميركي، فإن هذا الدعم كان دائما متجذرا في القيم الديمقراطية المشتركة والمصالح الأمنية المتبادلة والعلاقات التاريخية.

 

كما أنها تتأثر بعوامل سياسية داخلية داخل الولايات المتحدة، بما في ذلك الدعم القوي لإسرائيل بين الشعب الأميركي والمشرعين الأميركيين.


في الوقت نفسه، تواجه الولايات المتحدة ضغوطاً هائلة لتقديم المساعدات الإنسانية للفلسطينيين في غزة، وخاصة الغذاء والماء والدواء والوقود.

 

وبعد فشلها في إقناع إسرائيل بزيادة هذه الإمدادات للفلسطينيين مؤخرا، قررت الولايات المتحدة إسقاط هذه المساعدات من الجو، وتدرُس الآن أيضا بناء رصيف عائم لتقديم هذا الدعم من البحر بهدف التخفيف من الأزمة الإنسانية.

 

ومن شأن ذلك أن يقلل، وإن كان إلى حد صغير فقط، من النقص الحاد في هذه الإمدادات الأساسية، لكنها ليست بديلاً عن الإمدادات المباشرة من إسرائيل من حيث الكميات والسرعة التي هناك حاجة ماسة إليها.


إن هذا النهج المزدوج المتمثل في دعم جهود الحرب الإسرائيلية في غزة مع تقديم المساعدة الإنسانية للفلسطينيين أيضا ينطوي على مفارقة، وإن كان جزءا من الجهد الدبلوماسي الأوسع الذي يبذله الرئيس بايدن لتحقيق التوازن بين المصالح الأميركية في المنطقة. ومع ذلك، فإن جهود الولايات المتحدة لتعزيز الأمن الإقليمي من خلال دعم حق إسرائيل في الدفاع عن نفسها مع المطالبة بسد الاحتياجات الإنسانية للفلسطينيين والعمل على تلبيتها يمثل معضلة للرئيس بايدن.

 

سوف يتعين على إدارة بايدن اللجوء إلى إجراءات مباشرة لإجبار نتنياهو على تغيير سياسته، وفي الوقت نفسه معالجة الخلافات المهمة الأخرى بينهما والتي تعود إلى سنوات قبل الحرب بين إسرائيل وغزة.


وهذه تشمل الاختلافات السياسية المتعلقة بتوسيع المستوطنات في الضفة الغربية، والاتفاق النووي الإيراني، وجهود الرئيس بايدن لإعادة التفاوض على صفقة جديدة في أعقاب انسحاب ترامب من خطة العمل الشاملة المشتركة. وبالإضافة إلى ذلك، وربما الأمر الأكثر أهمية، فإنهما يختلفان بشكل كبير حول ما يتعلق بالنهج الشامل في البحث عن حل للصراع الإسرائيلي - الفلسطيني، حيث تدعم الولايات المتحدة حل الدولتين الذي يعترض عليه نتنياهو بشدة.


وهناك أيضا خلاف كبير حول قضيتين رئيسيتين أخريين؛ حيث ترغب إدارة بايدن في أن تتولى السلطة الفلسطينية المسؤولية عن القطاع بعد انتهاء الحرب. ولكن على العكس من ذلك، يعارض نتنياهو تماما عودة السلطة الفلسطينية إلى غزة، وذلك في المقام الأول لأنه يريد الحفاظ على سيطرته على معظم الأراضي الفلسطينية ومنع قيام دولة فلسطينية. وكما قال في كانون الثاني (يناير): "لن أتنازل عن السيطرة الأمنية الإسرائيلية الكاملة على المنطقة بأكملها في غرب الأردن -وهذا يتعارض مع الدولة الفلسطينية".

 

وبالإضافة إلى ذلك، في حين يريد الرئيس بايدن رؤية استراتيجية واضحة للخروج من الحرب، يصر نتنياهو على الاحتفاظ بالسيطرة الأمنية إلى أجل غير مسمى في غزة، الأمر الذي سيؤدي، من وجهة نظر الولايات المتحدة، إلى توسيع الاحتلال الإسرائيلي والضم الزاحف للأراضي الفلسطينية، من دون أي حل في الأفق.


تجدر الإشارة إلى أن الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في تشرين الثاني (نوفمبر) من العام الحالي تلعب دوراً في استراتيجية نتنياهو. إذا كان هناك شخصان فقط في العالم يريدان أن يفوز ترامب بالانتخابات هذا الخريف، فإن الأول هو ترامب نفسه، والثاني هو نتنياهو. وسيبذل رئيس الوزراء الإسرائيلي كل ما في وسعه لتقويض إعادة انتخاب الرئيس بايدن. وهو يبتهج بحقيقة أن بايدن يتعرض لانتقادات شديدة من قبل بعض الديمقراطيين في الكونغرس، بالإضافة إلى عدد كبير من الناخبين الشباب الذين يعارضون دعمه الثابت لإسرائيل بينما قُتل عشرات الآلاف من الفلسطينيين -وما يزال العدد في ازدياد- ومئات الآلاف على وشك المجاعة. وسيعمل نتنياهو على إطالة أمد الحرب بما أن ذلك يخدم مصلحته الشخصية ويضعف بايدن سياسياً في الوقت الذي يشرع في حملة إعادة انتخابه.


بالنظر إلى كل ما سبق، لا ينبغي للرئيس بايدن أن يسمح لنتنياهو بتحديد جدول الأعمال. يجب عليه الآن أن يتخذ إجراءات حاسمة لتنبيه الجمهور الإسرائيلي إلى أنه، على الرغم من أن التزام الولايات المتحدة بالأمن القومي الإسرائيلي لا يتزعزع، فإنه يفرق بين دولة إسرائيل وحكومة نتنياهو الحالية التي تسبب معاناة إنسانية لا توصف للفلسطينيين في غزة والتي يجب إيقافها.


لإجبار نتنياهو على ذلك، يمكن للرئيس بايدن في البداية أن يتخذ أربعة إجراءات رئيسية لن تؤثر على التزام الولايات المتحدة بالأمن القومي الإسرائيلي، ولكنها سترسل رسالة واضحة إلى نتنياهو مفادها بأنه يجب على الولايات المتحدة الآن أن ترسم الخط، وألا تسمح لنتنياهو بجر الولايات المتحدة إلى هذا المستنقع الذي خلقه هو بيده. وعلى الرغم من أن بعض هذه الإجراءات حساسة سياسيا ولها آثار بعيدة المدى، إلا أنه ليس أمام بايدن خيار سوى العمل على تخفيف الأزمة الإنسانية الهائلة في غزة.


أولاً، ينبغي على الرئيس بايدن أن يدلي ببيان علني مفاده بأنه في حين أن الولايات المتحدة ملتزمة -وستظل ملتزمة- بالأمن القومي الإسرائيلي، إلا أن لديها خلافات واضحة في الطريقة التي يشن بها نتنياهو الحرب ضد "حماس"، وهو ما يلحق الضرر بإسرائيل. إن دعوة زعيم الأغلبية في مجلس الشيوخ تشاك شومر من قاعة مجلس الشيوخ إلى إجراء انتخابات في إسرائيل لاختيار حكومة جديدة هي دعوة غير مسبوقة، لكنها بالتأكيد تأتي في الوقت المناسب وضرورية. وقد وصف نتنياهو بأنه الشخص الذي "ضل طريقه من خلال السماح بأن يكون لبقائه السياسي الأسبقية على المصالح الأفضل لإسرائيل". وبالنظر إلى دعم شومر الطويل الأمد لإسرائيل بالإضافة إلى قربه من إدارة بايدن، فمن الأرجح أنه لم يكن ليصدر مثل هذا التصريح من دون استشارة البيت الأبيض.


ينبغي الآن ترجمة ذلك إلى أربعة مطالب يجب على نتنياهو الالتزام بها، وإلا سيواجه عواقب وخيمة: 1) الشروع في الإمداد الفوري والسريع بالضروريات الأساسية بكميات كافية للتخفيف من الأزمة الإنسانية الكارثية بين المدنيين في غزة؛ 2) توفير ممر آمن للفلسطينيين الذين يحتمون حالياً في رفح، ومعظمهم من شمال غزة، والسماح لهم بالعودة إلى منازلهم قبل دخول جيش الدفاع الإسرائيلي إلى رفح. 3) الاستعداد لإنشاء قوة دولية لحفظ السلام لتتولى الأمن الشامل بمجرد انتهاء القتال؛ و4) صياغة استراتيجية خروج ذات مصداقية من غزة.


ثانياً، بما أن الولايات المتحدة تقدم مساعدات عسكرية كبيرة لإسرائيل، ينبغي على الإدارة أن توقف فوراً تسليم الأوامر العسكرية التي تقتل بشكل عشوائي العديد من الفلسطينيين الأبرياء، مثل القنابل والمتفجرات الأخرى. وهذا من شأنه أن يبعث برسالة واضحة مفادها بأن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تقف مكتوفة اليدين بينما تستمر المذبحة في غزة، وإرغام نتنياهو على اللجوء إلى نهج جراحي للتخلص من مقاتلي "حماس".


ثالثاً، يتعين على الولايات المتحدة أن تقدم أو تصوت لصالح قرار في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة يطلب من إسرائيل الموافقة فوراً على وقف إطلاق النار لمدة ستة إلى ثمانية أسابيع والسماح بتدفق المساعدات إلى الفلسطينيين، وذلك بغض النظر عن كيفية تقدم المفاوضات حول عملية إطلاق سراح الرهائن.


رابعاً، على المستوى السياسي، وبما أن الرئيس بايدن يدعو إلى حل الدولتين، عليه أن يتحرك الآن من خلال السماح بإعادة فتح بعثة الولايات المتحدة في القدس الشرقية لخدمة الفلسطينيين ودعوة السلطة الفلسطينية إلى إعادة فتح مكتب بعثتها في واشنطن العاصمة لإعادة العلاقات بين الولايات المتحدة والسلطة الفلسطينية.

 

لن يظهر هذان الإجراءان للفلسطينيين فقط أن بايدن يعني ما يقوله ويهدئان الكثير من الانتقادات الموجهة إليه من قبل الجالية العربية الأميركية والديمقراطيين في الكونغرس، بل سيكونان أكبر صفعة تتوجه إلى وجه نتنياهو ويضعان عقبة كبيرة أمام سعيه الهادف إلى منع قيام دولة فلسطينية.


غني عن القول إن هذه الإجراءات ترتكز على مجموعة من الاعتبارات، كما ذكرنا أعلاه، وتداعياتها السياسية. ومع ذلك، ليس أمام الرئيس بايدن خيار سوى العمل على تحقيق التوازن بين التزامه بالأمن القومي الإسرائيلي وتصميمه على التخفيف بشكل دائم من الأزمة الإنسانية في غزة.

*ألون بن مئير: أستاذ العلاقات الدولية بجامعة نيويورك وزميل بمعهد السياسة الدولية. يُحسب على معسكر السلام الإسرائيلي.

 

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

الخلاف بين أميركا وإسرائيل حول رفح مجرد إلهاء‏