موقع أستراليا الفريد في حل سياسي متفاوض عليه لسورية

اجتماع بين مسؤولين أستراليين وإيرانيين - (أرشيفية)
اجتماع بين مسؤولين أستراليين وإيرانيين - (أرشيفية)

إدوارد كافانوغ* - (ذا دبلومات) 14/12/2015
ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

يستطيع المعلقون أحياناً استبعاد وجود مكان لأستراليا في النزاعات الدولية الرئيسية. لكن موقف كانبيرا من الأزمة المتواصلة حالياً في سورية يسلط الضوء على دورها المهم كوسيط وصوت للتعقل في السياسة العالمية.
يعد دور أستراليا في الأزمة فريداً من نوعه. فبينما يظل دور كانبيرا العسكري محدوداً دائماً -ويجب أن يكون كذلك- فإن بعداها الجغرافي والسياسي من الأزمة يمنحانها الفرصة لأن تقول ما لا تستطيع القوى الأخرى التي لها مصالح أقوى في المنطقة أن تقوله.
كما هو واقع الحال، فإن لكل قوة عالمية وإقليمية رئيسية مزيد من المصالح التي تواجه تهديداً في الحرب السورية الأهلية. فالغرب قلق من أزمة اللجوء؛ وروسيا تكافح من أجل الحفاظ على موطئ قدمها الاستراتيجي في سورية؛ بينما يصبح اللاعبون الإقليميون المهيمنون -إيران والعربية السعودية وتركيا- أكثر إصراراً على تأكيد نفوذهم في سورية ما بعد النزاع.
من الطبيعي أن يكون إرث الولايات المتحدة ومصداقيتها عرضة للخطر، فيما هي تواصل عقداً كاملاً من التدخل في المنطقة، والذي يتصاعد مثل الدوامة في اتجاه دخول أتون فوضى عارمة أكبر مما كانت أميركا قد واجهته في العام 2003.
بالإضافة إلى ذلك، يواجه لاعبون إقليميون أصغر، وبشكل ملحوظ لبنان والأردن، التحدي الضخم المتمثل في استيعاب أضخم عدد من اللاجئين يسجل منذ الحرب العالمية الثانية، مما يضع مزيداً من الضغوط على مواردهم ويصب وقوداً على نار التوترات المحلية. وتواجه كل هذه الدول تهديداً صريحاً بطريقة ما -إن لم يكن وجودياً فإنه سياسي على الأقل.
في المقابل، تتميز أستراليا بأنها تتمتع بحصانة نسبية ضد التهديدات المباشرة المقترنة بالنزاع المتواصل، مما يعطي كانبيرا فرصة تنفرد بها لتكون الوسيط العقلاني والمرن في أي تسوية حتمية متفاوض عليها للحرب الدائرة في سورية.
من المؤكد اعتبار المخاوف الأمنية القومية لدى كانبيرا بسبب الإرهاب الدولي مخاوف مشروعة. فتهديد التطرف القادم من الشرق الأوسط والذي يشق طريقه عائداً إلى أستراليا موجود مسبقاً، وكذلك يوجد أيضاً تهديد المتطرفين الناشئين في الوطن والذئاب الوحيدة.
لكن من الواجب وضع هذه المخاوف في المنظور الأعم. فبينما تنطوي على تحديات، فإنه ليس من الصعب التغلب عليها، ويجب أن لا تهيمن على النقاش السياسي الأسترالي كما فعلت التحديات المشابهة في أوروبا والشرق الأوسط والولايات المتحدة.
لقد عكس رد مالكولم تيرنبل المدروس، الذي تضمنه بيانه الأخير الخاص بالأمن القومي هذا الموقف: ليس ثمة متسع "لقوات برية" أسترالية في سورية. وقال إن أستراليا تستطيع، من خلال رد "هادئ وموضوعي وحرفي وفعال" أن تتعامل مع هذه التحديات.
نعم، إن لأستراليا مصالح مشروعة في رؤية السلام وقد عاد إلى سورية. ولكن، وقياساً مع كل القوى الإقليمية والعالمية الأخرى التي تتنافس للحصول على النفوذ في المنطقة، فإنه يمكن بالكاد ملاحظة مصالح مباشرة لأستراليا في دولة سورية مستقبلية.
من شأن هذا الواقع أن يمكِّن كانبيرا من العمل كجسر بين اللاعبين الرئيسيين في النزاع -خاصة عندما يتعلق الأمر بالدفاع عن مرونة أكبر بخصوص مصالح روسيا في المنطقة.
وبينما أعربت الولايات المتحدة وأوروبا عن معارضة قوية لتدخل روسيا في سورية ولدعم الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، لنظام الأسد، فقد استخدمت أستراليا -عن عمد- نبرة أكثر براغماتية.
لقد أعرب جولي بيشوب عن صوت التعقل من منظور الغرب، مدافعاً عن استمرار نظام الأسد -ولو مؤقتاً- بينما يتم التفاوض على حل سياسي للأزمة السورية. وأكد بيشوب أن ذلك الحل يجب أن يعترف بالمصالح الروسية.
ومن الجدير بالملاحظة أن هذه المقاربة الأسترالية هي ثنائية الحزب؛ حيث أعربت كبار الشخصيات في المعارضة العمالية عن مشاعر مشابهة. وحتى رئيس الوزراء السابق، جون هاورد، ردد دعوات إلى استمرار نظام الأسد حتى يتم التوصل إلى السلام هناك.
لقد كافح الغرب الأوسع وروسيا حتى الآن من أجل استيعاب كل لمصالح الآخر في المنطقة، بسبب رغباتهما المتضاربة الخاصة في سورية ما بعد النزاع. وتبع ذلك جمود حتمي في عمل القوى الرئيسية.
لذلك، يكون من المرجح أكثر التوصل إلى تسوية متفاوض عليها باستخدام الدبلوماسية الوليدة لدولة أصغر، والتي لها القليل من المصالح الجيو-استراتيجية في المنطقة. ويجب أن يعهد بهذا الدور إلى أستراليا.
كقوة وسطى، قادمة من خلفية دعم دولي معترف به ويلقى الاحترام من لدن مجلس الأمن الدولي التابع للأمم المتحدة، يحظى صوت أستراليا في هذه الأزمة بالمصداقية والوزن. وتجدر الإشارة إلى أن مصالح كانبيرا لا تستند إلى رغبة كبيرة في الحصول على دور في الشؤون السورية المستقبلية. ومن الممكن أن يكون هذا الأمر مفيداً بشكل خاص من حيث قبوله لدى القوى في الشرق الأوسط وروسيا.
وفي الوقت نفسه، تنبثق مشاعر أستراليا من القيم الغربية ومن رغبة قوية في رؤية السلام وقد عم الشرق الأوسط، وهو ما يروق لأوروبا والولايات المتحدة.
وفي حين أن الروس ربما يكونون قد استثنوا أستراليا من المفاوضات الأخيرة في فيينا، فإن هذا العمل لم يكن لصالح موسكو والغرب على حد سواء -ناهيك عن سورية نفسها.
إن أستراليا تتمتع بوضع فريد من نوعه للعب دور مؤثر في التوسط بين روسيا والشرق الأوسط والغرب. ولذلك، يجب إعطاء كانبيرا مقعداً على الطاولة.

*مدير السياسة في معهد ماكيل، المؤسسة الفكرية الأسترالية. وهو خريج كلية العلاقات الدولية في جامعة سيدني.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:Australia’s Unique Position in a Negotiated Political Resolution in Syria

اضافة اعلان

[email protected]