نتنياهو يرتكب خطأ فادحا برفضه حل الدولتين

الرئيس الأميركي جو بايدن يحتضن بنيامين نتنياهو في زيارته لإسرائيل بعد هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 - (المصدر)
الرئيس الأميركي جو بايدن يحتضن بنيامين نتنياهو في زيارته لإسرائيل بعد هجوم 7 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 - (المصدر)

افتتاحية - (إندبندنت عربية) 21/1/2024
إذا كان ما يزال لدينا أي شك في معارضة رئيس الحكومة الإسرائيلية لمبدأ حل الدولتين، فقد بدده بنفسه بشكل مفاجئ وواضح. وكان رفض نتنياهو لحل الدولتين بعد أشهر من الدبلوماسية الهادئة والدعم الذي قدمته إدارة الرئيس بايدن بمثابة إهانة.

                           *   *   *
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو هو واحد من قلة قليلة من القادة في العالم الذين تعود خبرة توليهم منصب رفيع المستوى إلى القرن العشرين.

اضافة اعلان


كان نتنياهو قد انتخب ليشغل منصب رئيس الحكومة الإسرائيلية أول مرة في العام 1996. وقد عايش عن قرب مبادرات السلام بين الفلسطينيين والإسرائيليين، التي ظهرت واختفت (والتي كان هو مسؤولًا بشكل شخصي عن إفشالها)، بالإضافة إلى الانتفاضات الفلسطينية، والعمليات العسكرية التي نفذت وحققت نتائج متفاوتة من النجاح، وبالإضافة إلى الأحداث القاسية، مثل تلك الهجمات التي نفذتها في السابع من تشرين الأول (أكتوبر) حركة "حماس".


طوال كل تلك المدة، كان نتنياهو صريحاً في كلامه -حتى أنه تخطى الصراحة في بعض الأحيان. ولكنه قال بعض الأشياء بالغة الأهمية، أو التي كان توقيتها سيئاً للغاية، تماماً مثل رفضه الأخير فكرة إقامة دولة فلسطينية على أسس جيدة كدولة مستقلة للفلسطينيين، أو "حل الدولتين" -وهو المبدأ الذي كان قد شكل الأساس الذي استندت إليه السياسة الخارجية الأميركية لحل هذا الموضوع. ويبدو رفضه هذا، الذي يأتي بعد أشهر من الدبلوماسية الهادئة والدعم الذي قدمته إدارة الرئيس بايدن الأميركية، بمثابة إهانة، ولعله كان يقصد أن يكون كذلك أيضاً من الأساس.


ربما كان نتنياهو مستاءً من وزير الخارجية الأميركي، أنتوني بلينكن، أو حتى من الرئيس الأميركي جو بايدن نفسه، بسبب مواصلة مناشداتهم له بضبط النفس. ولذلك قام بإزاحة الضغوط التي تمارس عليه وصرح بما كان واضحاً ولفترة طويلة: أنه يؤمن بأن إسرائيل لا بد أن يكون لديها حق السيطرة الأمنية على كل الأراضي التي تقع غرب نهر الأردن، وهو ما يشمل أي أراض يمكن أن تشكل الكيان المستقبلي للفلسطينيين.


قال نتنياهو: "يعتبر ذلك شرطاً أساسياً، وهو يتعارض مع فكرة السيادة [الفلسطينية]. ماذا يمكن أن نفعل في هذه الحالة؟ أنا أفصح عن هذه الحقيقة لأصدقائنا الأميركيين، لقد أوقفتُ المحاولات لفرض واقع علينا من شأنه أن يضر بأمن إسرائيل".


أدت فورته الكلامية هذه إلى صدور تأنيب أميركي مباشر من البيت الأبيض، الذي أوضح وبشكل كان لا بد منه: "ليس هناك أي طريق آخر لمواجهة تحديات إسرائيل بعيدة المدى ولضمان أمنها الدائم، كما أنها ليست هناك أي وسيلة للتعامل مع التحدي على المدى القريب لإعادة إعمار قطاع غزة، وتشكيل نوع من أنواع الحكم في غزة، وتوفير الأمن في القطاع، من دون إقامة دولة فلسطينية".


لكن السيد نتنياهو كان قد أوضح، من خلال تصريحاته، حقيقة موقفه، وأدى ذلك إلى إلحاق الضرر بالعلاقات مع واشنطن -وهو ضرر يُعتد به.


لقد تحدى السيد نتنياهو، ومن دون أي سبب وجيه، أقوى حليف لإسرائيل وبصورة علنية -وهو الحليف الوحيد الذي في حال مواجهة إسرائيل أي أزمة وجودية يمكنه وحده حماية دولة إسرائيل من أعدائها الكثيرين.

وكان موقفه مسيئاً وينال من احترام أميركا وصورة صارخة للتحدي.

 

وقد يثير هذا الموقف غضب الدول العربية التي نجحت إسرائيل في التوصل إلى سلام معها، وتلك التي كانت، حتى موعد إطلاق "حماس" الحرب الحالية، على وشك توقيع معاهدات لتطبيع العلاقات مع إسرائيل.


قد لا يكون في مصلحة إسرائيل تنفير كل من مصر والأردن والسعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة أو أي من جيرانها الآخرين -لكن هذا كان بالضبط ما اختار السيد نتنياهو أن يفعله، ببساطة.

 

وقد فعله بلامبالاة مطلقة. لا شك أن أعداء إسرائيل سيصبحون أكثر تصميماً، وسينظرون إلى تصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي على أنها دليل إضافي على عدم إمكانية إقامة دولة فلسطينية بشكل عادل ومتساوية الحقوق طالما بقيت في إسرائيل حكومة يرأسها نتنياهو.


بطبيعة الحال، ثمة حقيقة غير مريحة وراء إصرار السيد نتنياهو. ويعود السبب إلى عدد المستوطنات غير الشرعية المنتشرة على أراضي الضفة الغربية، التي تمت إقامتها على مدى عقود من الزمن، إضافة إلى الخروق الإسرائيلية الأخرى، مما يجعل من مبدأ إقامة الدولة الفلسطينية وعاصمتها القدس الشرقية، أمراً غير قابل للتحقيق، مقارنة بما كان عليه الوضع في السابق -فيما الأوضاع في غزة غنية عن التعريف.


كثيراً ما لجأ السياسيون الغربيون -وبكل صدق نظراً لسهولة الأمر- إلى الحديث عن مبدأ حل الدولتين كسبيل لعدم مواجهة المشكلات الآنية والمباشرة التي تقع في الإقليم، مثل المجاعة التي يمكن أن تضرب غزة حالياً. ومراراً وتكراراً، تحول مبدأ حل الدولتين أيضاً إلى شماعة يتمسك بها الأطراف بدلاً من العمل أو تقديم الأفكار الجديدة.


ومن الواضح أيضًا أن الحكومات الليكودية المتعاقبة، مثل التي ترأسها نتنياهو، هي صاحبة اليد الطولى في السماح بقيام المستوطنات غير الشرعية، التي كانت قد عملت على ضرب المحاولات السابقة لتحقيق حل الدولتين بشكل واقعي.

 

لكننا إذا وضعنا شكوكنا جانباً، فيبقى أن الواقع والعوامل على الأرض التي من شأنها تحديد ما إذا كان سيمكن للإسرائيليين والفلسطينيين أن يتعايشا في المستقبل كدولتين ذاتي سيادة، قد تغيرت بشكل راديكالي منذ، لنقل، زمن اتفاق أوسلو.


على الرغم من ذلك، وتماماً كما وصف رئيس الوزراء البريطاني وينستون تشرشل الديمقراطية بأنها أسوأ أنواع الحكم بصرف النظر عن الأنواع الأخرى، فإن حل الدولتين يبقى الحل الأقل سوءاً، والأكثر واقعية.


ويبقى حل الدولتين أهم مما يطرحه نتنياهو الذي يتحدث عننوع من وضع الأراضي المحتلة تحت شكل من أشكال الحماية الإسرائيلية.

 

وحتى لو نجح الإسرائيليون في العثور على فلسطينيين يكونون مستعدين لإدارة هذا النوع من المستعمرة، إلا أن ذلك الكيان الفلسطيني سيكون فاقداً الشرعية، وسيكون غير قادر على منع (الإرهابيين) من مهاجمة الإسرائيليين من دون توقف.


يقول السيد نتنياهو أنه يريد أن تكون إسرائيل آمنة، لكن إدارته للحرب في غزة وآخر طروحاته حول شكل التسوية السلمية قد تأتي بنتائج عكسية، حتى لا نقول أكثر من ذلك. إن "خطته" تمثل ما يعتبر حرباً متواصلة تتخللها وقفات لإطلاق النار بدوافع إنسانية بشكل مرحلي. ولن تكون إسرائيل دولة آمنة لشعبها وتربطها علاقات سلمية مع الدول المحيطة بها.


قد ينتظر السيد نتنياهو ليرى ما إذا كان دونالد ترامب سيعود إلى البيت الأبيض، ولذلك يتلاعب في تعامله مع السيد بايدن. وتبقى أفكار السيد ترامب المتعلقة بمستقبل المنطقة، ومن دون مبالغة، أكثر إهانة بالنسبة للفلسطينيين من الأفكار التي يحملها السيد نتنياهو.


الأمل الوحيد المتاح على صعيد السياسة المحلية الإسرائيلية هي أن السيد نتنياهو لن يبقى طويلاً على رأس السلطة بعد انتهاء الحرب في غزة. وكما نلاحظ، فإنه لم ينجح في الإفراج عن الرهائن بعد، كما أنه لم ينجح في تحقيق النصر في الحرب، وهو بالطبع لن يكون الشخصية التي ستحتاج إليها إسرائيل لتحقيق السلام.


يمكن للسيد بايدن أن يذكر نتنياهو بهذه الحقائق في المرة المقبلة التي يتحدثان فيها، والأفضل أن يكون ذلك الحديث غير علني.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

الحكومة الحالية بقيادة نتنياهو ولدت في الخطيئة