نفط كردستان وتبدد حلم الاستقلالية المالية

نفط كردستان
نفط كردستان
نورس جاف* - (معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى) 6/4/2023 بعد قرار المحكمة الجنائية الدولية، تبقت أمام حكومة إقليم كردستان خيارات محدودة في كفاحها من أجل الاستقلال المالي عن بغداد. في الماضي، وجدت حكومة إقليم كردستان طرقًا للتصدي لضغوط بغداد ضد استقلالها المالي. ولكن، يبدو هذه المرة أن الضغط أو الإذعان الدولي أغلقا جميع الأبواب أمام هذا الجانب الأساسي من الحكم الذاتي لأكراد العراق، أي الاستقلالية المالية لحكومة إقليم كردستان عن الحكومة المركزية في بغداد. * * * في العام 2014، بدأت "حكومة إقليم كردستان" بإرسال نفطها الخام إلى الأسواق العالمية عبر ميناء جيهان التركي وخط أنابيب العراق-تركيا، على الرغم من اعتراض بغداد. ولكن الآن، بعد سبعة أعوام، أصدرت المحكمة الجنائية الدولية في 25 آذار (مارس) حكمًا قضى بأن هذه التجارة تشكل انتهاكًا لاتفاقية العام 1973. وفي حين توصلت بغداد وأربيل لاحقًا وبعد طول انتظار إلى اتفاق جديد بشأن تقاسم العائدات، إلا أن الحقيقة المنبثقة عن هذا الاتفاق هي أن "حكومة إقليم كردستان" خسرت الكثير من الاستقلالية المالية التي كانت قد اكتسبتها من خلال الصفقة الأصلية مع تركيا. وجاء رد الفعل بالنسبة لحكومة إقليم كردستان من خلال سلسلة متسارعة من الأحداث. كان رد تركيا على حكم المحكمة الجنائية الدولية فوريًا، بحيث أبلغت العراق بأن حكومة أنقرة لن تسمح بعد الآن بتحميل نفط "حكومة إقليم كردستان" الخام على متن السفن في ميناء جيهان من دون إذن من بغداد. ولذلك، قامت شركات النفط العاملة في "إقليم كردستان" بإيقاف الإنتاج أو تخفيضه، مما أدى إلى تحويل إنتاجها المتبقي إلى المخازن التي كانت شبه ممتلئة. يشار إلى أن "حكومة إقليم كردستان" تملك نحو 57 كتلة نفطية في ثلاثة عشر حقلًا من حقولها النفطية، لكن كتلة واحدة فقط هي النشطة. وقد بلغت الطاقة الإنتاجية الإجمالية 158.310.152 برميلًا في العام 2022، بمعدل إنتاج بلغ 433.726 برميلًا يوميًا. وبناءً على صادرات النفط للعام 2022، قُدّرت الأضرار المالية العامة الناجمة عن توقف العمل بأكثر من 34 مليون دولار أميركي. الجدير بالذكر هو أن النفط كان مصدر الدخل الرئيسي لحكومة إقليم كردستان، لا سيما عندما يتعلق الأمر بدفع الرواتب الشهرية لموظفيها. ولذلك يرتبط الأمران ارتباطًا وثيقًا. وقد تزامن تصدير حكومة إقليم كردستان النفط إلى تركيا مع إعلان الاستقلال المالي للإقليم عن بغداد في العام 2014. وكانت بغداد، من جانبها، قد رفضت تجارة النفط بين "حكومة إقليم كردستان" وتركيا منذ البداية، وهو ما كان السبب في إثارة القضية بداية أمام المحكمة الجنائية الدولية. وفي ذلك الحين، قال وزير النفط العراقي السابق، حسين الشهرستاني، إن تصدير النفط يجب أن يتم عبر شركة تسويق النفط العراقية المملوكة للدولة (سومو) وإن أي خطوة خارج سومو تعد غير قانونية. في العام 2014، طلب رئيس الوزراء العراقي الأسبق، نوري المالكي، من حكومة إقليم كردستان تصدير 100 ألف برميل يوميًا عبر سومو، على أن ترسل بغداد لحكومة إقليم كردستان حصتها من الإيرادات، لكن حكومة إقليم كردستان رفضت الطلب. وبعد ذلك، أوقفت الحكومة المركزية في بغداد ميزانية حكومة إقليم كردستان. وفي عهد رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، طلب الأخير مجددًا من حكومة إقليم كردستان تصدير 250 ألف برميل يوميًا عبر سومو أيضًا، لكن كردستان رفضت مرة أخرى، ثم رفع مصطفى الكاظمي المعدل إلى 400 ألف برميل يوميًا عبر سومو، إلا أن حكومة إقليم كردستان رفضت كل هذه الطلبات وقامت بتصدير النفط عبر خطوط أنابيبها بدلًا من ذلك. في واقع الأمر، تنص المواد 115-112-111 من الدستور العراقي على وجوب تصدير النفط عبر شركة سومو. وقد أدرجت هذه النقطة في قرار المحكمة الجنائية الدولية بشأن قيام حكومة إقليم كردستان بتصدير النفط. ولذلك، فإن العقبة الحقيقية هي شحن النفط، الذي أشار إليه القرار على أنه "انتهاك" للدستور العراقي. ونتيجة للضغوط المالية الناجمة عن خسارة الإيرادات النفطية -خاصة وأن احتياطيات النفط شبه كاملة وحكومة إقليم كردستان تعتمد بشكل كبير على هذه الإيرادات لتوفير الدخل- اضطرت حكومة إقليم كردستان إلى القبول بشروط بغداد، وافقت حاليًا على بيع نفطها عبر بغداد والامتناع عن تسويقه بشكل مستقل. كما ستقوم حكومة إقليم كردستان أيضًا بتصدير نفطها عبر بغداد من دون الخضوع لسلطتها. وفي المقابل، ستحصل حكومة إقليم كردستان على منصب نائب الرئيس في شركة تسويق النفط العراقية، سومو، وسيتم تحويل إيرادات النفط بعد بيعه إلى حساب مصرفي مشترك بين سومو وحكومة إقليم كردستان. ويعد هذا الأمر تنازلًا كبيرًا من جانب حكومة إقليم كردستان وتبدلًا في العلاقات بين الجهتين، لا سيما وأنه كان مطلب الحكومات العراقية السابقة لسنوات. في الثورات الكردية، تردد الشعار الكردي "الجبال هي ظهرنا". وفي التاريخ الكردي الحديث، يعتمد الأكراد على الغرب، وخصوصًا الولايات المتحدة، لدعم وضعهم شبه المستقل. ولكن عند هذا المنعطف الرئيسي، بدا أن حلفاء الأكراد أذعنوا لهذا التبدد الإضافي في الحلم الكردي بالحكم الذاتي. وقال متحدث باسم وزارة الخارجية الأميركية مؤخرًا لـ"شبكة رووداو الإعلامية" إن الخارجية "حثت أنقرة وبغداد على السماح باستئناف تصدير كردستان للنفط عبر تركيا"، ولكنه لم يأتِ على ذكر الاستقلالية في التصدير. في الماضي، وجدت حكومة إقليم كردستان طرقًا للتصدي لضغوط بغداد ضد استقلالها المالي. ولكن، يبدو هذه المرة أن الضغط أو الإذعان الدولي أغلقا جميع الأبواب أمام هذا الجانب الأساسي من الحكم الذاتي لأكراد العراق؛ أي الاستقلالية المالية لحكومة إقليم كردستان عن بغداد. *نورس جاف: طالب دراسات عليا متخصص في مجال الدراسات الدولية والدبلوماسية في جامعة أولد دومينيون في الولايات المتحدة الأميركية. اقرأ أيضا في ترجمات:اضافة اعلان