‏هدية جنوب أفريقيا للعالم‏

‏رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا يتضامن مع الشعب الفلسطيني - (أرشيفية)‏
‏رئيس جنوب أفريقيا سيريل رامافوزا يتضامن مع الشعب الفلسطيني - (أرشيفية)‏

ريتشارد بيتهاوس‏* - (كاونتربنش) 31/1/2024


كانت الغبطة المشتركة -والطاغية في بعض الأحيان- في جنوب أفريقيا يومي 11
و26 كانون الثاني (يناير) مدفوعة بشعور عميق بالتضامن الذي يشعر به معظم
مواطني جنوب أفريقيا مع الفلسطينيين، فضلاً عن الإدراك المنتشي لحقيقة أن
المبادئ السياسية لماضي البلد لم تبدد بالكامل.

*   *   *
‏في حديثه أمام محكمة العدل الدولية، أشار المحامي والكاتب الجنوب أفريقي، ثيمبيكا نغوكايتوبي، إلى تصريح وزير الدفاع الإسرائيلي يوآف غالانت بأن إسرائيل "تحارب حيوانات بشرية". ولطالما شكل إنكار إسرائيل وداعميها الغربيين الإنسانية الكاملة والمتساوية للفلسطينيين جزءًا من تاريخ طويل من الاحتكار الأوروبي -ثم الغربي- الادعاء بأنهم هم الوحيدون البشريون بالكامل.

اضافة اعلان

 

وقد عبر عن ذلك إيمي سيزير، الشاعر المارتينيكي العظيم، في العام 1950 عندما كتب أن الغرب لم يكن قادرًا أبدًا على "عيش إنسانية حقيقية -إنسانية مخلوقة على مستوى العالم".‏


في العام 1973، كتب ستيف بيكو، الزعيم الشاب الكاريزمي لحركة "الوعي الأسود" في جنوب إفريقيا، الذي فهم نضاله على أنه "بحث عن إنسانية حقيقية"، أن "الهدية العظيمة ما يزال ينبغي أن تأتي من إفريقيا إعطاء العالم وجها أكثر إنسانية". ذلك لأن الأنظمة القمعية لا تستطيع أبدًا تحمل تقاطع المبدأ والشجاعة، وفي العام 1977 لقي بيكو حتفه، كما توقع، على أيدي الشرطة.‏


في نيسان (أبريل) من هذا العام، ستحتفل جنوب أفريقيا بمرور ثلاثين عامًا على النهاية الرسمية لنظام الفصل العنصري فيها. وفي هذا الوقت، لم يكن النظام يفي بأبسط التزاماته الأساسية تجاه الملايين من مواطنيه.

 

كان واحد من كل أربعة أشخاص لا يحصل على ما يكفي من الغذاء، وكانت نسبة البطالة بين الشباب تزيد على 60 في المائة، وكان التعليم العام والرعاية الصحية في أزمة عميقة، ولم يكن هناك إصلاح زراعي ذي مغزى، وكان الفساد والعنف متوطنين.

 

وهناك درجة مقلقة من كراهية الأجانب التي تقودها الدولة تجاه المهاجرين الأفارقة والآسيويين الفقراء والطبقة العاملة.

 

وغالبا ما كان الفقراء يُحكمون بالعنف، ومن مذبحة عمال المناجم المضربين في ماريكانا في العام 2012 إلى الاغتيالات العديدة للنشطاء الشعبيين، غالبًا ما قوبلت المعارضة الشعبية بقمع شديد.‏


‏‏‏كان الكثير من الناس قد قدموا الكثير من التضحيات في النضالات ضد الاستعمار والفصل العنصري، حتى أنه من المؤلم حد المستحيل قياس الالتزامات والتطلعات التي حركت هذه النضالات ضد حقائق جنوب إفريقيا المعاصرة.

 

وما تزال النضالات من أجل العدالة، المبعثرة أحيانًا وسريعة الزوال، وأحيانًا المنظمة جيدًا، مستمرة. ومن الجدير ملاحظة حقيقة أن إعلان "نحن بشر ولسنا حيوانات"! كان حاضرًا في كثير من الأحيان في احتجاجات الشوارع التي نظمها الفقراء المعدَمون في البلد.‏


في ظل ذلك، ‏ليس من المستغرب أن تكون التشاؤمية السياسية والاجتماعية منتشرة. وبالنسبة للعديد من الناس، فإنه لا يمكن تصور التقدم الآن إلا من الناحية الفردية.

 

ولكن، عندما رفع محامو جنوب أفريقيا قضيتهم إلى محكمة العدل الدولية في لاهاي في 11 كانون الثاني (يناير)، وعندما أصدرت المحكمة حكمها في 26‏‏ كانون الثاني (يناير)،‏‏ بدا، للحظة مفاجئة وذهبية، أن طموح بيكو قد تحقق.

 

بدا الأمر كما لو أن المبادئ التي صيغت في الكفاح الطويل من أجل تحرير جنوب أفريقيا قد صمدت وأنها تُقدَّم الآن كهدية للعالم.‏


‏منذ أن أصبح من الواضح أن رئيس جنوب أفريقيا السابق، جاكوب زوما، كان يدير حكماً كليبتوقراطيًا قمعيًا، كانت مكانة "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي"، الذي حكم جنوب أفريقيا منذ نهاية الفصل العنصري، تشهد تراجعًا حادًا في الداخل والخارج على حد سواء.

 

وقد مكن هذا الواقع صعود نزعة من الغطرسة المفرطة لدى اللوبي الأبيض في الحياة العامة في جنوب إفريقيا، الذي يصر على فكرة التفوق الأخلاقي للغرب ويطالب فعليا بإدارة البلد ليكون دولة وكيلة للغرب.

 

هذا اللوبي، الذي يرتبط بعلاقات سياسية قوية مع الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وإسرائيل، يرفض قبول فكرة أن رفض "حزب المؤتمر الوطني الإفريقي" لهيمنة الغرب يمكن أن يكون مدفوعًا بالمبدأ. وقد أصر إحدى الشخصيات البارزة لهذا اللوبي، فرانس كروني، مؤخرًا، ومن دون تقديم أي دليل، على أن "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" تلقى المال لإقامة دعوى ضد إسرائيل في محكمة العدل الدولية من إيران. وتقصد نظرية المؤامرة هذه إلى جعل العمل القائم على المبدأ يبدو وكأنه فساد.‏


‏لكنّ لـ"حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" بطبيعة الحال تاريخ طويل من التضامن مع "منظمة التحرير الفلسطينية"، ومع بقية النضالات من أجل التحرر الوطني في بلدان مثل أيرلندا والصحراء الغربية.

 

وبعد إطلاق سراحه من السجن في العام 1990، أوضح نيلسون مانديلا للغرب أن تضامنه مع فلسطين وكوبا هو شيء غير قابل للتفاوض. وتحدى ثابو مبيكي، الذي خلف مانديلا كرئيس، معسكر الغرب مرة أخرى برفضه قبول شرعية الانقلاب المدعوم من الغرب في العام 2004 ضد جان برتراند أريستيد، الرئيس المنتخب لهاييتي.‏


‏لا يمكن إنكار إخفاقات "حزب المؤتمر الوطني الأفريقي" فيما يتعلق بتلبية تطلعات شعبه، وتحوله أحيانًا إلى القمع. لكن تاريخه الطويل من التضامن مع النضالات المناهضة للاستعمار طور مجموعة من المبادئ التي لم تنطفئ. وتمامًا كما كان دعم مانديلا لفلسطين وكوبا، وتضامن مبيكي مع أريستيد وحق الشعب الهايتي في انتخاب قادته حقيقيًا، كذلك كان أيضًا دعم الحزب الحالي لفلسطين، بقيادة وزيرة خارجيته ناليدي باندور.‏


‏إن الغبطة المشتركة الطاغية في بعض الأحيان في جنوب أفريقيا يومي 11 و26 كانون الثاني (يناير) كانت مدفوعة بشعور عميق بالتضامن الذي يشعر به معظم مواطني جنوب أفريقيا مع الفلسطينيين، فضلاً عن الإدراك المنتشي لحقيقة أن المبادئ السياسية للماضي لم تبدد بالكامل.

 

كان هناك شعور بالأمل في أن شيئًا ما قد يتغير بالنسبة لفلسطين، وأنه قد يكون هناك انفتاح نحو إمكانية إقامة نظام عالمي أكثر عدلاً، وأنه قد يصبح من الممكن استعادة بعض الحس بالمبدأ في الحياة السياسية في الداخل.‏


‏بعد صدور الحكم في محكمة العدل الدولية، ستواجه جنوب أفريقيا رد فعل عنيف من الغرب، في شكل جهد منظم وممول جيدًا يبذله أكاديميون ومنظمات غير حكومية ووسائل إعلام ووكلاء سياسيون داخل البلاد. وسوف تحتاج البلاد دعما قويا وواضحا للموقف الذي اتخذته تضامنًا مع شعب فلسطين. وسوف يحتاج التقدميون في البلدان الأخرى إلى حشد هذا الدعم، وحيثما أمكن تشجيع حكوماتهم على الوقوف مع جنوب إفريقيا في هذا الشأن.‏


‏لكن هذا التضامن ينبغي أن يكون مع العمل الشجاع والمبدئي الذي اتخذته دولة جنوب إفريقيا لدعم فلسطين، وليس تضامنًا غير نقدي يمحو منجزات النضال المستمر، على حد تعبير بيكو، من أجل "منح جنوب أفريقيا أكبر هدية ممكنة- وجهًا أكثر إنسانية".‏

*ريتشارد بيتهاوس Richard Pithouse: باحث مشارك في قسم الفلسفة بجامعة كونيتيكت وكاتب عمود في ‏‏"الميل والغارديان"‏‏ في جوهانسبرغ.‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: South Africa’s Gift to the World

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

قضية جنوب أفريقيا ضد الإبادة الجماعية الإسرائيلية‏