هل أصبح المستحيل الفلسطيني قابلاً للتصور؟

آدم كارفينكل؛ ووالتر راسل ميد – (ذا أميركان إنترست) 22/6/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

كان زعيم المعارضة الإسرائيلية، إسحق هرتسوغ، قد حاول التفاوض على اتفاق سلام مؤقت مع الرئيس الفلسطيني محمود عباس قبل الانتخابات الأخيرة. وعن ذلك، كتبت صحيفة "تايمز أوف إسرائيل":اضافة اعلان
"وفقاً للتقرير الذي استشهد بوثيقة متفق عليها، والتي تضم مجموعة التفاهمات، كان هرتسوغ مستعداً للانسحاب إلى حدود العام 1967 بالكامل، باستثناء تبادلات في الأراضي لما نسبته 4 في المائة من المناطق الفلسطينية. وسوف يتم التفاوض على هذه التبادلات في الأراضي بحيث يمكن لإسرائيل الاحتفاظ بالسيطرة على أكبر كتلها الاستيطانية.
"سوف تشهد معادلة الوضع النهائي للقدس تحول شرق المدينة إلى عاصمة للدولة الفلسطينية، مع وجود بلدية واحدة تكون مسؤولة عن العاصمتين. ويفترض أن يكون جبل الهيكل –الموقع الذي كان فيه اثنان من المعابد اليهودية القديمة ذات مرة، وحيث توجد المواقع الإسلامية المقدسة، المسجد الأقصى وقبة الصخرة- تحت سلطة قوة متعددة الجنسيات، وإنما مع سيادة إسرائيلية على الجدار الغربي، كما قال التقرير.
"وسوف يتم حل قضية اللاجئين الفلسطينيين وفقاً لقرار الأمم المتحدة رقم 194 ومبادرة السلام العربية، وفقاً للتقرير، مع منح تعويض مالي لأغلبية اللاجئين وعودة "رمزية" للبعض بناء على "قرار مشترك" من نوع ما".
ولم يكن هرتسوغ قد التقى بعباس مباشرة، وإنما كلف إفرايم سنيح كوسيط، وقطع الاتصالات عندما أعلنت الدعوة إلى عقد الانتخابات.
كانت ردود الفعل على كشف هذه المعلومات مختلطة في إسرائيل، حيث اتهم زعيما حزبي الليكود و"يش عتيد" هرتسوغ بأنه شخص غير مسؤول وأحمق، لكن الكثيرين من اليسار امتدحوا جهوده.
لكن الأهم من ذلك هو أنه لم يكن هناك الكثير من الغضب على عباس بسبب الشروط التي رتبها مع هيرتسوغ بخصوص الضفة الغربية، والتي لوحظ أنها ضمت تنازلا فلسطينيا عن حق العودة. وردة فعل فلسطينية صامتة هي مؤشر إيجابي، حيثما كان ذلك ممكناً: إن طبول الغضب لا تدق، وكلاب الغضب لا تنبح. وهو في جزء منه صمت ناجم عن التعب، لكنه أيضا اعتراف ضمني (وهو الأقرب إلى ذلك من أي مكان وصله الناس من قبل) بأن الحدود قد انتقلت، وأن ما اعتاد أن يكون غير قابل للتصور أصبح الآن قابلا للتفكير فيه.
بطبيعة الحال، تجيء اللامبالاة الفلسطينية في جزء منها انعكاسا لشك منتشر على نطاق واسع في إمكانية عودة حزب العمل الإسرائيلي إلى السلطة في أي وقت. ويبدو أن المزاج الفلسطيني هو انعكاس لميل اليمين في الجانب الإسرائيلي: إذا كانت إسرائيل لا تريد صفقة حقا، فإن الكثير من الفلسطينيين لن يدفعوا من أجلها؛ كما أنهم لن يعرضوا أي اهتمام مستهلك بواحدة. وبعبارات أخرى، سوف يأخذ الكثير من الفلسطينيين المفاوضات على محمل الجد، فقط إذا جاءت حكومة إسرائيل، وليس المعارضة العاجزة، سائرة على ركب منحنية.
الحقيقة الأساسية –التي يداوم أصحاب النوايا الطيبة على تفويتها لأنها غير مستساغة على الإطلاق- هي أن تخلي الفلسطينيين عن "حق العودة" هي الشرط النهائي لأي أمل في التوصل إلى اتفاق. لن يقبل الجمهور الإسرائيلي بتقديم تنازلات كبيرو في مقابل أي شيء يقل عن وضع نهاية رسمية للمطالبات الفلسطينية بالعودة. وتشكل هذه المسألة عقبة كبيرة على الجانب الفلسطيني، في جزء منه لأنها ورقة مساومة كبيرة لا يريدون أن يتخلوا عنها حتى يتأكدوا أن لديهم "أفضل عرض" ممكن على الطاولة، ولكن أيضاً لأن الكثيرين يشعرون بأن نهج حل الدولتين التقليدي لا يلبي احتياجاتهم:  لن يحصل اللاجئون الفلسطينيون في مخيمات غزة على الكثير من توطين يتركهم في المخيمات ويلغي "حق العودة" إلى الأماكن التي كان يعيش فيها أجدادهم في العام 1947.
كما يرتكز رفض الكثير من الفلسطينيين إبرام اتفاق مع إسرائيل على أسس دينية: لا يمكن التنازل عن أرض المسلمين للكفار من دون انتهاك القانون الإلهي. وفي الأثناء، ثمة مخاوف براغماتية أيضاً: فالكثير من الفلسطينيين الذين ربما يقبلون بالاتفاق لا يريدون تعريض أنفسهم للاغتيال على يد الذين لا يقبلون. كما أن القيادة الفلسطينية، لكل هذه الأسباب، تقع تحت الضغط في اتجاه عدم إبرام صفقة، وبشكل خاص عدم التنازل عن "حق العودة".
هناك الكثير من "اللاءات المطلقة" هناك –لن يفعل الفلسطينيون مطلقاً هذا أو ذاك، ولن يفعل الليكوديون مطلقاً كذا وكذا. لكن الكثير من الخطوط الحمراء المفترضة هي في الحقيقة أكثر مرونة مما يعتقد الناس. لقد كانت هناك "مطلقات" قديمة أيضاً: مصر لن تفعل مطلقاً، عرفات لن يفعل مطلقاً... وفيما يكفي من الحالات، أصبحت هذه المطلقات بمثابة شروط هازمة للذات وتحشد الحقائق الزائفة.
الظروف تتغير، وتتغير معها معايير ما سيفعله الناس. لكن المفتاح يظل هو نفسه، وهو محبط نوعاً ما: سوف يتكلف الطرفان المخاطر من أجل السلام –فقط- إذا أصبح الوضع الراهن أكثر إيلاماً من الظروف المتغيرة التي يتوقعانها، ويكون بوسعما تحويل أرصفة الموانئ المنفصلة إلى جسور بمساعدة طرف ثالث. وكان الطرف الثالث عادة، وربما يظل الولايات المتحدة.
لا شيء في هذا الجزء من العالم ستتضح معالمه بسرعة، لكن غياب رد الفعل الحاد المعتاد على أي اقتراح ينبغي أن لا يزيله المفاوضون الفلسطينيون "مطلقاً" عن الطاولة، هو شيء مشجع في النهاية، طالما كان سارياً.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: The Neverending Conflict: Are the Palestinians Thinking the Unthinkable?