هل الاستماع إلى كتاب هو نفس قراءته؟

Untitled-1
Untitled-1
دانييل تي. ولينغهام* – (نيويورك تايمز) 8/12/2018 ترجمة: علاء الدين أبو زينة قبل بضع سنوات، عندما سمع الناس أنني أجري بحوثاً في مهارة القراءة، فإنهم ربما سألوا عن عُسر القراءة عند أبنائهم، أو كيف يجعلون أبناءهم المراهقين يقرأون أكثر. لكن السؤال الذي أصبحت أصادفه في معظم الأحيان اليوم هو: "هل يكون غشاً إذا استمعت إلى كتاب بدلا من قراءته من أجل نادي الكتاب الذي أنتمي إليه"؟ تضاعفت مبيعات الكتاب المسموع في السنوات الخمس الأخيرة، في حين ظلت مبيعات الكتب المطبوعة والإلكترونية ثابتة. وربما تقودنا هذه الاتجاهات إلى الخشية من أن تفعل الكتب المسموعة للقراءة ما فعلته لوحة المفاتيح للكتابة اليدوية –جعلتها مهارة تبدو غريبة وأصبحت قيمتها مفتوحة للنقاش. لكن دراسة الكيفية التي نقرأ بها والتي نسمع بها تُظهر أن كل واحد من الخيارين يكون أكثر مناسبة لغايات مختلفة، وأن أحدهما لا يتفوق على الآخر. في الحقيقة، يتداخل الخياران إلى حد كبير. ولنفكر في السبب الذي يجعل الكتب المسموعة حلاً جيداً للأشخاص الذين يعانون من عسر القراءة: إنها تسمح للمستمعين بالحصول على المعنى بينما تلتف على عمل فك الرموز، أي ترجمة النص المطبوع على الصفحة إلى كلمات في الدماغ. ومع أن فك الرموز عمل جدي يتطلب جهداً بالنسبة للقراء المبتدئين، فإنه يصبح عملاً تلقائياً في المرحلة الثانوية، حيث لن يكون في حاجة إلى الجهد أو عرضة للخطأ أكثر من الاستماع. وبمجرد أن يتعرف المرء إلى الكلمات ويميزها (سواء كان ذلك عن طريق الاستماع أو القراءة)، فإن نفس العملية العقلية هي التي تفهم الجمل والفقرات التي تشكلها هذه الكلمات. عمر الكتابة أقل من 6.000 سنة، وهو وقت غير كافٍ لتطوُّر العمليات العقلية المخصصة للقراءة. ونحن نستعمل الآلية العقلية التي تطورت لفهم اللغة الشفهية لتدعم فهم اللغة المكتوبة. وفي الحقيقة، تظهر الأبحاث أن البالغين يسجلون علامات متماثلة تقريباً في امتحان قراءة إذا ما استمعوا إلى القطع النصية بدلاً من قراءتها. مع ذلك، ثمة فروق بين المطبوع والمسموع، وخاصة في الكلام المنظوم والموقّع (الشعر). وهناك مسألة نبرة، وإيقاع وتوتر الكلمات المنطوقة. ويمكن أن تكون عبارة "يا لها من حفلة جميلة" مديحاً مخلصاً أو ذماً ساخراً بنفس المقدار، لكن المعنيين سيبدوان متطابقين على الصفحة. ومع أن الكتابة تفتقر إلى رموز تشير إلى النبرة، فإن القراء المتمرسين يستنتجونهما بينما يقرأون. وفي إحدى التجارب، استمع أفراد العينة إلى تسجيل لصوت شخص ما، والذي يتحدث إما بسرعة أو ببطء. وبعد ذلك، قرأ كل المشاركين قراءة صامتة نفس النص الذي يُزعم أن الشخص الذي استمعوا إليه للتوّ هو الذي كتبه. وبعد ذلك، قرأ الذين استمعوا إلى المتحدث السريع النص بشكل أسرع من أولئك الذين استمعوا إلى المتحدث البطيء. لكن الاستدلالات يمكن أن تكون خاطئة، ويمكن لسماع النسخة المسموعة –وبذلك النبرة التعبيرية الصحيحة- أن يساعد على الفهم. وعلى سبيل المثال، عادة ما يفترض طالب اليوم الذي يقرأ العبارة بالإنجليزية الوسيطة "Wherefore art thou Romeo?" أن جولييت تسأل عن مكان روميو، وبذلك يفهم أنه يجب التأكيد على كلمة art (أي are). ولكن، يرجح أن تؤكد ممثلة في عرض مسرحي على كلمة Romeo، وهو ما سيساعد المستمع على إدراك أنها في الحقيقة تتأمل اسمه، ولا تتساءل عن مكانه. يبدو الأمر كما لو أن الفهم يجب أن يكون أسهل لدى الاستماع منه لدى القراءة، لكن هذا ليس صحيحا دائما. وعلى سبيل المثال، قارنت إحدى الدراسات مدى جودة تعلم الطلبة عن موضوع علمي من بث سمعي لمدة 22 دقيقة، وبين قراءته في مقالة مطبوعة. ومع أن الطلاب قضوا وقتاً متساوياً مع كل من الشكلين، فقد أظهر اختبار كتابي بعد يومين، أن الذين قرأوا النص سجلوا علامة 81 في المائة، في حين سجل المستمعون 59 في المائة. ما الذي حدث؟ لاحظ أن الموضوع كان صعبا، وأن الهدف لم يكن الاستمتاع، وإنما التعلُّم. ويجعلنا هذان العاملان نقرأ بشكل مختلف. فعندما نركّز، نصبح أبطأ. ونعيد قراءة الأجزاء الصعبة. ونتوقف لنفكر. وكل من هذه الأشياء أسهل مع النص المطبوع مما هي في المادة المسموعة. كما أن المطبوع أيضاً يدعم القراء وهم يقرأون المحتوى الصعب بواسطة علامات التنظيم والترقيم، مثل الفقرات، وإبراز العناوين، وهي أمور تكون مفقودة في المسموع. وتظهر التجارب أن القراء يحتاجون وقتاً أطول في الحقيقة لقراءة الجملة الأولى من فقرة أو نص، لأنهم يعرفون أنها ربما تحتوى على الفكرة الأساسية لما سيأتي بعدها. وهكذا، على الرغم من أن عملية جوهرية واحدة للفهم تخدم كلا من الاستماع والقراءة، فإن فهم النصوص الصعبة يحتاج إلى استراتيجيات عقلية إضافية. وتجعل الطباعة من هذه الاستراتيجيات أسهل على الاستخدام. وبالتوافق مع هذا التفسير، يجد الباحثون أن قدرات الاستماع والقراءة لدى الناس تكون أكثر تماثلاً مع السرد البسيط مما هي مع النثر القابل للتأويل. وتميل القصص إلى أن تكون أكثر قابلية للتوقع وتستخدم أفكاراً مألوفة، في حين تكون المقالات التأويلية أكثر احتمالا لاحتواء محتوى غير مألوف وتتطلب قراءة أكثر استراتيجية. هذا الاستنتاج –تماثل النصوص السهلة وميزة المطبوع على المسموع- يظل مفتوحاً على التغيرات في المستقبل. فبينما تصبح الكتب المسموعة أكثر شيوعا، سوف يكتسب المستمعون خبره الفهم وربما يتحسنون، كما قد يطور الناشرون طرقا لإظهار علامات الترقيم والتنظيم سمعياً. ولكن، حتى مع مثل هذه التغيرات، لن تحِلَّ الكتب المسموعة محل المطبوعة لأننا نستخدمها لأغراض مختلفة. ويقول 81 في المائة من مستمعي الكتب المسموعة أنهم يحبون أن يقودوا السيارات، ويعملون أو يؤدون غير ذلك من المهام المتعددة أثناء الاستماع. وليس الدماغ البشري مصمماً لعمل شيئين في وقت واحد، ولذلك، فإننا إذا أدينا مهمات متعددة في وقت واحد، فيغلب أننا سنحصل على الجوهر، وليس التفاصيل. مع ذلك، ما مِن سبب يدفع المخلصين للكتب المطبوعة إلى التبرم. إنني لا أستطيع أن أمسك كتاباً بينما أتسوق أو أقود سيارة. ربما تكون الكتب المطبوعة أفضل للتوقف عند الكلمات والأفكار، لكن الكتب المسنوعة تضيف المعرفة إلى لحظات لن تكون فيها أي معرفة بغير ذلك. وهكذا، كلا، ليس الاستماع إلى كتاب اختارَه نادٍ للقراءة غشاً. بل إنه ليس من الغش الاستماع بينما تشاهد مباراة كرة قدم يشارك فيها ابنك (على الأقل، ليس بالقدر الذي يخص الكتاب نفسه). إنك ستحصل فقط على أشياء مختلفة من التجربة. وتستدعي الكتب المختلفة طرقا مختلفة حتى تدعوك إلى قراءتها: بينما يصبح الشكل المسموع أكثر شعبية، سوف يكتب المؤلفون مزيدا من الأعمال من النوع الذي يُقصد منه أن يكون مسموعاً. لن تأتي أكثر تجاربنا غنى من التعامل مع النص المطبوع والمسموع بالتبادل، وإنما من فهمنا للفروق بينهما والعثور على كيفية استخدام كليهما لفائدتنا –كل ذلك في سبيل الاستماع إلى ما يحاول الكُتّاب أن يقولوه لنا حقاً. *أستاذ علم النفس في جامعة فرجينيا، ومؤلف، آخر كتبه "العقل القارئ: منهج إدراكي لفهم كيف يقرأ العقل". *نشر هذا المقال تحت عنوان: Is Listening to a Book the Same Thing as Reading It?اضافة اعلان