هل "الدولة الإسلامية" هي أفضل عدو ممكن؟

مقاتلون من "الدولة الإسلامية" - (أرشيفية)
مقاتلون من "الدولة الإسلامية" - (أرشيفية)

دوغ ساوندرز – (غلوب آند ميل)

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

أصبح من الشائع أخيراً في بعض الدوائر أن يشار إليهم باسم "العفاريت". وليس ذلك فقط لأن هذا الاسم أسهل من استخدام ألقابهم السابقة المتغيرة "الدولة الإسلامية في العراق وسورية (أو بلاد الشام)، أو ببساطة "الدولة الإسلامية"، وإنما لأن أسرابهم من المتشددين ذوي الرايات السوداء، في حملتهم لغزو الأراضي المصحوبة بالقتل العرقي الهائل، وعمليات الاغتصاب والصلب وقطع الرؤوس، لا تشبه أي شيء معروف في تاريخ البشرية الحديث، بقدر ما قد تشبه بعض مشاهد الرعب المفرط في قصص جيه. آر. آر تولكين الأسطورية المفزعة. اضافة اعلان
ولا ترى الكثيرين من الناس الذين يعترضون على المصطلح. إن هؤلاء المقاتلين، وبطريقة تشبه العفاريت، يشكلون العدو المثالي الكامل: إنهم متطرفون جدا في أساليبهم وقانعون ببرود بنسختهم حتى إن نظيراتهم من المنظمات الإسلامية المتطرفة والأنظمة الاستبدادية قد تحولت كلها ضدهم بشعور من الاشمئزاز. وفي الوقت الذي كان فيه نجاحهم العسكري محطاً للإعجاب، فإنهم قد تسببوا -بطريقة مثيرة للاستغراب- في توحيد مجموعة واسعة متفارقة من الدول والفصائل والأديان والقوى ضدهم.
لقد أصبحنا نرى الآن مشهد تحالف مكون من الراغبين المضطرين، والذي جمع معاً كلاً من الولايات المتحدة، وحزب الله، وإيران، والعراق، وأوروبا وكندا، وتركيا وحزب الشعب الكردستاني، في تحالف شديد العجب والغرابة، ولكنه حقيقي جداً أيضاً، ضد الراية السوداء.
وهكذا، وبقدر ما قد يكون ذلك كريهاً في أسبوع قامت فيه المجموعة بقطع رأس صحفي وتعهدت بمواصلة القتل في سياق الإبادة الجماعية، فإن من الجدير التساؤل عما إذا كانت "الدولة الإسلامية" تشكل أفضل عدو يمكن أن يظهر من فوضى ما بعد الحرب العراقية وما بعد الربيع العربي في الشرق الأوسط. فخلافاً لغيره من التهديدات المحتملة الأخرى، قام هذا التهديد بتحويل سياسات المنطقة بعمق. وبينما ما يزالون يشكلون تهديداً رهيباً لآلاف الأرواح، فقد عمل مقاتلو "الدولة الإسلامية"، من خلال محاولتهم تشكيل دولة "خلافة" بشعة، على استدراج عدة تغييرات كانت مستحقة وجاءت متأخرة جداً، والتي يمكن تلخيصها على النحو التالي:
• أجبرت العراق على مواجهة انقساماته الطائفية: فخلال فترة الاحتلال التي استمرت على مدى ثماني سنوات بقيادة الولايات المتحدة، كانت الاستراتيجية الأساسية هي تمكين الساسة الشيعة والقادة العسكريين والمجتمعات الشيعية، حتى تكون بديلاً لدكتاتورية صدام حسين البعثية السنية إلى حد كبير. ولذلك، لم يكن من المفاجئ أن يكون أول رئيس وزراء عراقي منتخب، المعارض الشيعي السابق نوري المالكي، قد حكم كشيعي منحاز.
وقد جاء هذا الموضوع إلى المقدمة في حزيران (يونيو)، عندما قام متشددو "الدولة الإسلامية" باختراق الحدود السورية العراقية واستولوا بسرعة على ربع مساحة العراق تقريباً –فيما عاد في جزء كبير منه إلى أن الجنود السنة في الجيش الوطني العراقي، إما تخلوا عن مواقعهم، أو اختفوا، أو انهم تواطأوا مع المتشددين.
في السابق، كان بوسع السيد المالكي أن يتعامل مع المشكلات الطائفية كشؤون تمكن تنحيتها إلى جانب. أما الآن، فقد أصبحت هذه المسألة تشكل تهديداً لتكامل العراق ووحدته الأساسية نفسها. وكان قرار المالكي التنحي مؤخراً بمثابة اعتراف بأن وجود البلد المستقبلي يعتمد كله على بناء تحالف حاكم يكون مقبولاً لدى كافة الأطراف. وليس من الواضح ما إذا كان ذلك سيتحقق فعلاً، لكن شخصيات سنية بارزة قالت مؤخراً أنها ستدعم الحكومة الجديدة، وهو أمر ما كان لينشأ لولا التهديد الذي شكلته "الدولة الإسلامية".
• جلبت إيران من العراء: بعد عقد من العزلة، أصبحت واشنطن وطهران تتحدثان كثيراً هذه الأيام. وعندما قامت القوات الأميركية بقصف مواقع "الدولة الإسلامية" في إطار دعمها للأكراد في الأسبوع الماضي، مباشرة على حافة حدود إيران، لم تصدر أي شكاوى من طهران. وقد عمل الاحتمال المرعب لقيام حرب سنية-شيعية أخرى عبر الحدود العراقية –كانت الحرب الأخيرة التي وقعت في الثمانينيات قد أهلكت الكثيرين من سكان إيران- عمل ذلك على جعل النظام الإسلامي هناك أكثر رغبة بكثير في الانفتاح على العالم.
كتب كرستيان أميري، المختص بالشؤون الإيرانية في جامعة بليموث: "من أحد مؤشرات التغيرات الزلزالية التي حدثت في واشنطن وطهران والشرق الأوسط الأوسع، أن إيران والولايات المتحدة أصبحتا على نفس الجانب إلى حد كبير. إنهما تشعران كلاهما بالتهديد من الجيش الجديد من الجماعات السنية الجهادية التي تريد أن تحطم نظام الدولة في الشرق الأوسط. وهما تريدان كلتاهما تجنب المزيد من التدخل العسكري الأميركي في منطقة الخليج الفارسي. كما تريدان إيجاد حل للمشكلة النووية أيضاً".
• أحبطت خدعة قطر: منذ بدأت الانتفاضات العربية في العام 2011، قام قطريون أثرياء، بدعم المتشددين السنة الذين يقاتلون الدكتاتوريين العلمانيين في كل من ليبيا وسورية والأماكن الأخرى، ويبدو أن "الدولة الإسلامية" كانت قد تلقت الدعم من القطريين.
الآن، أصبح ذلك يضع مشكلة كبيرة أمام النظام القطري الذي يحتفظ بعلاقات حاسمة الأهمية مع الولايات المتحدة، وهو حساس بشكل خاص للإدانة الدولية بينما يستعد لاستضافة نهائيات كأس العالم لكرة القدم في العام 2022. وتتعرض قطر الآن إلى الضغط بحيث إما تقوم بإنهاء هذه اللعبة الخطرة أو المخاطرة بأن تصبح آخر دولة مارقة في المنطقة.
• أمّنت الأكراد: كان أكراد شمال العراق عالقين بين تركيا، التي لطالما شنت حروباً دورية ضدهم، وبين بغداد التي كانت عدائية تجاههم في كثير من الأحيان. وفي المعركة ضد الدكتاتور السوري بشار الأسد، عمدت تركيا إلى مؤازرة المليشيات في سورية، بما فيها "الدولة الإسلامية"، وعارضت الأكراد. والآن تغيرت هذه الديناميات: حيث تقوم واشنطن وطهران كلاهما بتسليح الأكراد، في حين أن أنقره المصابة بالرعب من تهديد "الدولة الإسلامية" التي كانت قد ساعدتها في السابق، أصبحت تقوم فجأة بترميم الجسور مع الأكراد وبدعمهم في القتال. وهكذا، لم يكن الأكراد في وضع أقوى مما هم عليه الآن في أي وقت مضى.
• منحت الولايات المتحدة فرصة ثانية: أصبحت قوات الاحتلال التابعة للدولة الإسلامية، كما يقول الباحثون، مكروهة بشدة وتواجه معارضة متصاعدة من السكان الذين أخضعتهم، بنفس الطريقة التي كان عليها حال القوات الأميركية أيام الاحتلال. وعن طريق تقديمه الدعم لمجموعة من قوى المعارضة، مع تجنبه الانجرار إلى القيام بغزو، يستطيع الرئيس الأميركي باراك أوباما أن يضع حداً لصورة بلده الإقليمية كعدو الشعب رقم 1 –حيث ستذهب هذه الصورة إلى الظلال، وبشكل بالغ القتامة، بفعل ظهور نوع جديد ومختلف جداً من التهديد.

*نشر هذا المقال تحت عنوان: Is Islamic State the best possible enemy?