‏هل تؤسس الجماعات الفلسطينية مشروعا سياسيا فلسطينيا جديدا؟‏

حديث بين زعيمي "فتح" و"حماس"، محمود عباس وإسماعيل هنية - (أرشيفية)
حديث بين زعيمي "فتح" و"حماس"، محمود عباس وإسماعيل هنية - (أرشيفية)

فيجاي براشاد*‏ - (كاونتربنش)10/5/2024

 

بسبب غضبها مما بدا أنه استسلام فلسطيني في "أوسلو"، شكلت ثمانية فصائل "تحالف الفصائل الفلسطينية" في العام 1993.

اضافة اعلان

 

وفي هذا التحالف، كانت أكبر المجموعات تنتمي إلى تقاليد حركة الإخوان المسلمين. وكان من بينها حركتا "الجهاد الإسلامي الفلسطيني" (التي تأسست في العام 1981) و"حماس" (التي تشكلت في العام 1987).
*   *   *
في القاهرة، ‏‏أجرى‏‏ ممثلون عن حركة "حماس" الفلسطينية مفاوضات غير مباشرة مع إسرائيل للاتفاق على وقف إطلاق النار. وكانت النقطة الشائكة في العديد من جولات التفاوض هي ترتيب الأحداث. فقد أرادت إسرائيل إطلاق سراح الرهائن قبل أن توقف القصف، بينما قالت "حماس" إن القصف هو الذي يجب أن يتوقف أولاً.

 

ودعت إسرائيل إلى نزع سلاح "حماس" وتفكيكها، وهو مطلب متطرف من غير المرجح أن يتم الوفاء به. وفي الوقت نفسه، لا ترغب "حماس" في وقف إطلاق النار فحسب، وإنما تريد وضع نهاية للحرب جملة وتفصيلًا. وقد ألقى الجانبان باللوم على بعضهما بعضا في تعطيل التوصل إلى اتفاق، مما جعل مهمة المفاوضين المصريين والقطريين أكثر صعوبة.‏


ستكون أفضل نتيجة ممكنة من محادثات القاهرة هي إنهاء حرب الإبادة الجماعية التي تُشن حالياً على الفلسطينيين في غزة. وقد اكتسبت المفاوضات لإنهاء الحرب إلحاحاً إضافياً الآن بعد أن ‏شرعت‏ إسرائيل في قصف أطراف رفح؛ المدينة الوحيدة في غزة التي لم تدمرها إسرائيل بعد.

 

ومع عدم وجود مكان يمكن أن يفر إليه السكان، لا يمكن حماية المدنيين الفلسطينيين في رفح من أي هجوم، حتى لو لم يكن عنيفًا بقدر الهجمات التي شنها الجيش الإسرائيلي على مدينتي غزة وخان يونس. وقد ‏خلفت تلك الهجمات نحو 37 مليون طن من الأنقاض المليئة بالملوثات وعدد هائل من القنابل غير المنفجرة (التي سيستغرق تفكيكها 14 عامًا).

 

وتعتقد إسرائيل أن آخر بقايا "حماس" المنظمة موجودة في رفح، وأنها إما ستقصف الملايين الذين يعيشون هناك لتدميرها، أو أنه سيتعين عليها الموافقة على تدمير نفسها من خلال المضي في المفاوضات. وكلا الخيارين غير مقبول للفلسطينيين الذين لا يريدون وقوع المزيد من الخسائر في صفوف المدنيين ولا تفكيك منظمة من بين أشرس المدافعين عن حق الفلسطينيين في تقرير المصير.‏


على الرغم من موافقة "حماس" على الاقتراح الأخير لوقف إطلاق النار، شنت إسرائيل هجمات عنيفة على رفح ‏‏وسيطرت‏‏ على معبر المدينة إلى مصر (وبالتالي قطعت الطريق الرئيسي لتسليم المساعدات إلى غزة). وما تزال المحادثات مستمرة، لكن إسرائيل ببساطة غير مستعدة لأخذها على محمل الجد.‏


‏الوحدة الفلسطينية‏

 


‏يمكن قياس تجاهل إسرائيل للمفاوضات ومستوى العنف الذي تمارسه على أساس حقيقتين سياسيتين: أنها لا تأخذ المفاوضات مع الفلسطينيين على محمل الجد وتشعر أن بإمكانها مواصلة القصف من دون عقاب.

 

ويحدث هذا، أولاً، لأن إسرائيل مدعومة بالكامل من دول الشمال العالمي (الولايات المتحدة وأوروبا بشكل أساسي)؛ وثانيًا، لأنها لا تعتبر الآراء السياسية الفلسطينية حاسمة لأنها نجحت في كسر الوحدة السياسية بين الفلسطينيين وفي إرباك مختلف الفصائل وإفقادها الوجهة سياسياً من خلال اعتقال قياداتها الرئيسية.

 

لكن هذا لا ينطبق تمامًا على "حماس" التي تمكنت قيادتها من تخطيط العمليات في دمشق ثم لاحقًا في الدوحة بقطر. وفي حين أنه من المستحيل تخيل حدوث تحول سريع في موقف دول الشمال العالمي تجاه الصراع، أصبح من الواضح تمامًا للفصائل الفلسطينية أنها لن تكون هناك أي طريقة، في غياب وحدتها، لإجبار إسرائيل على إنهاء حرب الإبادة الجماعية، ثم بعد ذلك بالطبع احتلالها للأراضي الفلسطينية، ومعه إنهاء سياسات الفصل العنصري التي تمارسها ضد الفلسطينيين داخلها.‏


‏في أواخر نيسان (أبريل) 2024، ‏‏التقت‏‏ "حماس" مع "فتح"؛ القوة السياسية الفلسطينية الرئيسية الأخرى، في لقاء عُقد في الصين كجزء من عملية طويلة تهدف إلى خلق أرضية مشتركة بينهما. وكانت العلاقات بين هذين الحزبين السياسيين الرئيسيين قد انهارت في 2006-2007، عندما فازت "حماس" في الانتخابات البرلمانية في غزة وعندما طعنت "فتح" -المسؤولة عن السلطة الفلسطينية- في نتائج تلك الانتخابات. وبالفعل، قاتل الفصيلان بعضهما بعضا عسكرياً في غزة قبل أن تنسحب "فتح" إلى الضفة الغربية.

 

وخلال حرب الإبادة الجماعية الإسرائيلية الحالية، سعت كل من "فتح" و"حماس" إلى جَسر الفجوة بينهما وعدم السماح لخلافاتهما بأن تُسهِّل طرد الفلسطينيين من غزة وتقويض الأهداف السياسية الفلسطينية بشكل عام. ‏‏وكان‏‏ ممثلون رفيعو المستوى لهذين الحزبين قد اجتمعوا في موسكو في وقت سابق من هذا العام، ثم اجتمعوا مرة أخرى في الصين في أيار (مايو) الحالي.‏


إلى هذا الاجتماع في الصين أرسلت "فتح" كبار قادتها، بمن فيهم عزام الأحمد (عضو اللجنة المركزية الذي يقود فريق المصالحة الفلسطينية)، في حين أرسلت "حماس" قادة كبارًا بالقدر نفسه، بمن فيهم موسى أبو مرزوق (عضو المكتب السياسي للحركة ووزير خارجيتها بحكم الأمر الواقع).

 

ولم تسفر المفاوضات عن اتفاق نهائي، لكنها -كجزء من عملية طويلة- عمقت الحوار والإرادة السياسية بين الطرفين للعمل معًا ضد حرب الإبادة الجماعية والاحتلال الإسرائيليين. ويجري التخطيط لعقد المزيد من الاجتماعات على هذا المستوى الرفيع، مع إصدار بيان مشترك في وقت لاحق بشأن الدعوة -‏‏بتشجيع‏‏ من الرئيس الصيني شي جين بينغ- إلى عقد مؤتمر سلام دولي لإنهاء الحرب، ومنصة فلسطينية مشتركة للتقرير بشأن الطريق إلى الأمام.‏


الفجوات‏

 


‏قام بتأسيس حركة "فتح"؛ الفصيل المركزي لمنظمة التحرير الفلسطينية، في العام 1959 ثلاثة رجال، اثنان منهم من جماعة الإخوان المسلمين (خليل الوزير وصلاح خلف)، وجاء الثالث من الاتحاد العام للطلاب الفلسطينيين والذي سيصبح في نهاية المطاف الزعيم الرئيسي (ياسر عرفات).

 

ورسخت منظمة التحرير الفلسطينية نفسها كنواة للنضال الفلسطيني ضد نكبة العام 1948 التي أفقدت الفلسطينيين أراضيهم، وجعلتهم مواطنين من الدرجة الثانية داخل إسرائيل، وأرسلت مئات الآلاف منهم إلى عقود من المنفى. ولم تتشكل بصمة للإخوان المسلمين داخل منظمة التحرير الفلسطينية، التي تبنت لهجة تحرر وطني شحذتها مختلف الفصائل اليسارية، مثل "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" (التي تشكلت في العام 1967) و"الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" (التي تشكلت في العام 1968).‏


‏أصبحت منظمة التحرير الفلسطينية مهيمنة على النضال الفلسطيني، وقامت بتنسيق العمل السياسي في مخيمات المنافي والكفاح المسلح ‏‏للفدائيين‏‏. وواجهت فصائل منظمة التحرير الفلسطينية هجومًا منسقًا من إسرائيل، التي غزت لبنان بهدف نفي قياداتها ونواتها إلى تونس.

 

ومع سقوط الاتحاد السوفياتي، بدأت منظمة التحرير الفلسطينية التفاوض بجدية مع الإسرائيليين والولايات المتحدة اللتين فرضتا كلتاهما شكلاً من أشكال الاستسلام على الفلسطينيين في ما يسمى بـ"اتفاقات أوسلو" في العام 1993. وقد تولت حركة "فتح" مسؤولية السلطة الفلسطينية، التي عملت جزئياً للحفاظ على الاحتلال الإسرائيلي للقدس الشرقية وغزة والضفة الغربية.


‏وبسبب غضبها مما بدا أنه استسلام فلسطيني في "أوسلو"، شكلت ثمانية فصائل "تحالف الفصائل الفلسطينية" في العام 1993. وفي هذا التحالف، كانت أكبر المجموعات تنتمي إلى تقاليد حركة الإخوان المسلمين. وكان من بينها حركتا "الجهاد الإسلامي الفلسطيني" (التي تأسست في العام 1981) و"حماس" (التي تشكلت في العام 1987).

 

وقد انضمت "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين" و"الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين" في البداية إلى هذا التحالف، لكنهما غادرتاه في العام 1998 بسبب خلافات مع الأحزاب الإسلامية. وفازت الأحزاب الإسلامية في الانتخابات البرلمانية في غزة بهامش ضئيل (44 في المائة لـ"حماس" مقابل 41 في المائة لـ"فتح")، وهي نتيجة أغضبت إسرائيل ودول الشمال التي حاولت بعد ذلك تقويضها.‏


‏بعدَ أن حُرمتا من الطريق إلى السلطة السياسية من خلال صناديق الاقتراع، ثم واجهتا الخنق والقصف الإسرائيلي المستمرين لغزة، عززت كل من "حماس" و"الجهاد الإسلامي" جناحيهما المسلحين ودافعتا عن نفسيهما ضد الإذلال والهجوم.

 

وقد قوبلت كل محاولة للاحتجاج السلمي في القطاع -‏‏بما في ذلك‏‏ احتجاجات "مسيرة العودة" التي استمرت لوقت طويل في العامين 2018 و2019- بالعنف الإسرائيلي الشديد. ولم تكن هناك لحظة شهد فيها سكان غزة عامًا من السلام والهدوء منذ العام 2007. ومع ذلك، يجري القصف الحالي على نطاق ومستوى مختلفين حتى عن أسوأ الهجمات السابقة التي شنتها إسرائيل على القطاع في العامين 2008 و2014.‏


‏تشمل الخلافات السياسية الرئيسية بين الفصائل تفسيراتها المختلفة لاتفاقات أوسلو، وطموح كل منها إلى السيطرة السياسية، وتطلعاتها المنفصلة للمجتمع الفلسطيني. وقد منَعها سجن قادتها السياسيين لعقود وحرمانها من ممارسة النشاط السياسي الديمقراطي الطبيعي (مثل الحفاظ على هياكلها السياسية وحشد الشعب حول برامجها) من سد الفجوات بينها.

 

ومع ذلك، أجرت القيادات في السجون حوارات مستمرة حول هذه القضايا. ومباشرة بعد الانتخابات البرلمانية في غزة، ‏‏كتب‏‏ قادة الفصائل الخمسة الرئيسية المسجونة في سجن "هداريم" الإسرائيلي ‏‏"وثيقة الأسرى للمصالحة الوطنية"‏‏.

 

وشارك في وضع الوثيقة كل من مروان البرغوثي من "فتح"، وعبد الرحيم اللوح من "الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين"، ومصطفى بدارنة من "الجبهة الديمقراطية لتحرير فلسطين"، وعبد الخالق النتشة من "حماس"، وبسام السعدي من "الجهاد الإسلامي".‏


‏ودعت "وثيقة‏‏ الأسرى"، التي تم تداولها ومناقشتها على نطاق واسع، إلى الوحدة الفلسطينية ووضع حد "لجميع أشكال الانقسام التي يمكن أن تؤدي إلى صراع داخلي". ولم يضع النص أجندة سياسية فلسطينية جديدة، لكنه دعا الفصائل المختلفة إلى "صياغة خطة فلسطينية تهدف إلى القيام بعمل سياسي شامل".

 

ويشكل تطوير هذه الخطة، بعد مرور 20 عامًا تقريبًا من الانقسام، هدفاً رئيسياً للمحادثات التي تجري بين مختلف المنظمات السياسية الفلسطينية.‏


‏ثمة اتفاق على أن المهمة الأولى للفصائل الفلسطينية هي منع الهجوم على رفح وإنهاء حرب الإبادة الجماعية التي تُشن ضد الفلسطينيين.

 

ومع ذلك، سرعان ما أصبح الشعور بعد ذلك بوقت قصير هو أنه يجب التغلب على التوعك السياسي الذي حل بالشعب الفلسطيني، وأنه يجب تأسيس مشروع سياسي جديد لإنتاج مناخ سياسي جديد بين الفلسطينيين داخل حدود إسرائيل؛ وفي الأراضي الفلسطينية المحتلة في القدس الشرقية، وغزة، والضفة الغربية؛ وفي مخيمات اللاجئين في لبنان والأردن وسورية؛ وفي كامل أنحاء الشتات الفلسطيني القوي المكون من حوالي 6 ملايين نسمة.‏‏

‏*فيجاي براشاد‏‏ Vijay Prashad: مؤرخ هندي مقيم في الولايات المتحدة ومؤلف وصحفي ومعلق سياسي ومفكر ‏ماركسي وأستاذ كرسي إدوارد سعيد للدراسات الأميركية في الجامعة الأميركية ببيروت وأستاذ بكلية ترينيتي في هارفارد. وهو المدير التنفيذي لـ"ثلاثي القارات: معهد البحوث الاجتماعية"‏‏، ومحرر "كتب العالم اليساري"، وكبير صحفيي موقع "غلوب تروتر"، وزميل أول غير مقيم في ‏‏معهد تشونغيانغ للدراسات المالية‏‏ في ‏‏جامعة رينمن الصينية‏‏.

 

وباعتباره ‏‏ماركسيا‏‏ أيديولوجيا، يُعرف براشاد، بشكل خاص، بانتقاداته ‏‏للرأسمالية‏‏ ‏‏والاستعمار الجديد‏‏ ‏‏والاستثنائية الأميركية‏‏ ‏‏والإمبريالية‏‏ ‏‏الغربية‏‏، بينما يعبر عن دعمه ‏‏للشيوعية‏‏ ‏‏والجنوب العالمي‏‏. أحدث كتبه، (مع نعوم تشومسكي) هو "الانسحاب: العراق وليبيا وأفغانستان وهشاشة القوة الأميركية" (نيو برس، آب/ أغسطس 2022).‏


*نشر هذا المقال تحت عنوان: Will Palestinian Groups Create a New Palestinian Political Project?

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

 

‏المقاومة الفلسطينية تنتصر: يجب هزيمة حل نتنياهو النهائي للقضية الفلسطينية (1 - 2)