هل تكون قوانين الحرب في العراق مجرد حبر على ورق؟

نازلي ترزي* - (أراب ويكلي) 22/12/2016

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

دفعت مشاهد سفك الدماء في العراق المراقبين إلى استنطاق مسألة قوانين الحرب: هل تهم هذه القوانين بالنظر إلى التصميم الفاضح على تجاهل حقوق الإنسان -وليس من جهة التنظيمات الإرهابية وفصائل المتمردين فحسب، وإنما أيضاً من جهة الحكومات؟اضافة اعلان
في الحرب ضد "داعش"، لم يعد هناك مجرد طرف واحد فقط مولع بالقتال. وكلما أصبح ميدان المعركة هناك أكثر تعقداً، كلما أصبح أسهل على أحد الأطراف الإعلان عن الأخطاء التي يرتكبها الطرف الآخر في محاولة لتبرير أخطائه الخاصة، سواء ارتكبتها الدولة أم الفاعلون من غير الدول.
ومع ذلك، يبدو أن عواطف العديد من المحللين قد تحجرت وفقدوا حساسيتهم إزاء الخسائر الفادحة في الأرواح في البلدان التي يواصل فيها "داعش" اختبار أوهامه السياسية. وقد جددت الحكومة العراقية في الفترة الأخيرة غاراتها الجوية على مدينة القائم التي يسيطر عليها "داعش" عند الحدود. ويقال إن الطائرات الحربية العراقية قصفت ثلاثة مواقع مكتظة بالسكان على طول الشارع التجاري المركزي في مدينة القائم. ومن بين القتلى كان الباعة المتجولون في الشارع، وأصحاب المحلات ومجموعة من المتقاعدين الذين ينتظرون لاستلام رواتبهم الشهرية، بالإضافة إلى عدد من النساء والأطفال.
تعرض اللقطات التي نشرتها مجلة "آماق"؛ الذراع الإعلامية لتنظيم "داعش"، صوراً لحرائق تلتهم السوق والمركبات والمباني. وقد تناثرت الجثث في المكان بينما يتم نقل الجرحى النازفين إلى بر الأمان. وأودى الهجوم بأرواح العشرات من المدنيين، وقضى على عائلات بأكملها، لكن المتحدث باسم وزارة الداخلية العراقية، سعد معن، وصف الهجوم بأنه "عملية ناجحة، تم تنفيذها بمساعدة معلومات استخبارية مفصلة وموثوقة".
ولم يأت العميد على ذكر المدنيين الذين أبيدوا في الغارات التي أمرت بها الحكومة التي يمثلها. وفي حين يجب على الحكومات أن تعمل كجدار عازل بين المدنيين والإرهابيين خلال زمن الحرب، فإن تصريحات معن تتبرأ من هذه المسؤولية.
يقول المحاضر البارز، إيريك جان بيير، من كلية كينغستون للقانون في لندن: "إذا لم تكن الدولة طرفاً في معاهدة"، فإنها تظل مع ذلك "ملزمة بالقواعد نفسها بموجب القانون الدولي العرفي". ولاحظ جان بيير أن القوانين التي تميز المدنيين عن المحاربين تنطبق على العراق.
وقال جان بيير إن الالتزامين اللذين يترتبان على الدولة التي تخوض مثل هذه الحروب هما "عدم استهداف المدنيين عمداً"، و"عدم ممارسة القتل العشوائي"، لكن هناك منطقة رمادية تنشأ عندما يأتي الأمر إلى ممارسة السيادة الجوية ودقة القصف، الذي يسفر في كثير من الأحيان عن نتائج مروعة.
بعد يوم من الغارات على القائم، أصدرت وزارة الداخلية العراقية بياناً ادعت فيه أنها استهدفت اثنين من أوكار "داعش"، بما في ذلك مبنى من طابقين يؤوي 25 مقاتلاً أجنبياً ومنزلاً آخر تم فيه قصف 40 هدفاً للمتشددين بنجاح. ورفض البيان بشدة التقارير التي تحدثت عن سقوط قتلى من المدنيين. وهكذا، كانت روايات الحكومة التي بقيت لدينا مختلفة تماماً عن شهادات الشهود.
يقول الباحث عمر فرحان، من مركز توثيق جرائم الحرب في عمان: "كان عدد القتلى من ضحايا القائم في ارتفاع في واقع الأمر. وقد أضيفت أسماء الأفراد الذين كانوا مسجلين في الأصل في فئة ’جرحى‘ إلى قائمة القتلى. تم استهداف ثلاثة مواقع متصلة بشكل وثيق، والتي كان كل واحد منها يعج بالنشاط".
وأضاف فرحان أن "الناس الذين ماتوا لم يكونوا أهدافاً مشروعة، ولم يكن من بين الأسماء التي جمعناها أي أسماء لقادة من ’داعش‘".
وقال أحد السكان السابقين لمدينة القائم، والذي طلب عدم ذكر اسمه: "لم يكن أي من الأشخاص الذين قتلوا إرهابيين يحملون السلاح... كان ذلك عملاً مقصوداً على نحو رأينا مثله من قبل".
متى ينطبق قانون الحرب ومتى لا ينطبق؟ يؤكد جان بيير أن الالتزام بالمعايير الدولية يتوقف على "موثوقية المعلومات" التي تُستخدم لتوجيه الضربات.
ومع ذلك، يبدو أن قتل المدنيين في حالة مدينة القائم ينتهك اتفاقيات جنيف ولاهاي. فكما هو مدون في المادة 51 والبروتوكولات الإضافية في معاهدة جنيف، ينص القانون الدولي على أن المدنيين يجب أن "يتمتعوا بالحماية العامة ضد الأخطاء" التي ربما تنشأ بسبب العمليات العسكرية. وبذلك لا يكون المدنيون هدفاً للهجمات، كما أن أعمال الرد الانتقامية ليست مبررة أيضاً.
ويقول جان بيير: "ربما يكون المدنيون أضراراً جانبية، لكن عدد الضحايا المدنيين في هذه الحالة يجب أن يكون متناسباً مع المكاسب العسكرية التي تُجنى".
إذا كانت قوانين الحرب توجد، لكنها تطبق بشكل انتقائي فقط، فهل تنطوي على أي وزن أم أنها تكون مجرد حبر على ورق؟ يجعل المشهد دائم التغير للصراع من أمر تطبيق القوانين ومراقبتها مهمة أكثر استحالة باطراد.

*صحفية مستقلة، تركز كتاباتها وأفلامها على تاريخ العراق القديم والمشهد السياسي المعاصر.
*نشر هذا المقال تحت عنوان:
 Do Laws of War Exist on More than Paper in Iraq?