هل سمعت ببروتوكول هانيبال الإسرائيلي؟

أهارون بريغمان — (الإندبندنت)

ترجمة: عبد الرحمن الحسيني

في الوقت الذي ما تزال فيه كل من إسرائيل وحماس تدرسان طرقاً لإنهاء حربهما في غزة، عين مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لجنة من ثلاثة أعضاء للتحقيق في مزاعم عن انتهاك للقانون الدولي في قطاع غزة خلال القتال، بطريقة قد ترقى لجرائم الحرب.اضافة اعلان
فقد قتل إلى حد الآن نحو 2000 فلسطيني في غزة، غالبيتهم من المدنيين، بينما فقد الإسرائيليون 64 جندياً وثلاثة مدنيين. واستناداً إلى سابقة ماضية، من غير المرجح إلى حد كبير أن تتعاون إسرائيل مع أي تحقيقات تجريها الأمم المتحدة.
ذلك كان موقف إسرائيل مع تحقيق "غولدشتاين" في عملية الرصاص المصبوب في العامين 2008-9، والتي راح ضحيتها نحو 1400 فلسطيني. وسيكون ما سيفعله الإسرائيليون هو إجراء تحقيقاتهم الخاصة، مع الإصرار على القول إنه طالما كانت إسرائيل تجري تحقيقات مع نفسها، فإنه لا حاجة إلى وجود هيئة خارجية لتقوم بالشيء نفسه.
لكن ثمة عيوباً خطيرة في ممارسة التحقيق الذاتي الإسرائيلي، نظراً لأن الميل هناك يكون نحو عدم اتخاذ أي إجراءات تأديبية أو تجريمية ضد أولئك المتورطين في ممارسات الظلم، كما أن التحقيقات لا تكون شفافة. ومما لا شك فيه أن الفريق الأممي سيدرس هجمات قوات الدفاع الإسرائيلي على المدارس والمستشفيات خلال حرب غزة، لكنني أعتقد بقوة بأن أولويته الأولى وعلى رأس قائمة الحوادث التي سيتم التحقيق فيها يجب أن تكون الحوادث التي وقعت في رفح في جنوبي قطاع غزة يوم الجمعة قبل الماضي، في الأول من آب (أغسطس). وهناك في الحقيقة كلمتان يمكن أن تعرفا أحداث ذلك اليوم: "بروتوكول هانيبال".
يوم الأول من آب (أغسطس) كان من المقرر أن تبدأ التهدئة عند الساعة الثامنة صباحاًً. ومع ذلك، تابعت القوات الإسرائيلية التفتيش عن أنفاق حماس. وفي إحدى الحالات اقتربت قوات مشاة تابعة لكتيبة "جفعاتي" من منزل أطلقت منه النار عليها. وتبع ذلك اندلاع معركة. وقتل جنديان إسرائيليان فيما لم يمكن تعقب أثر جندي ثالث، هو اللفتنانت هادار غولدن. وافترض أنه اختطف من جانب متشددي حماس.
في النفسية الإسرائيلية، ومنذ الحروب التي خيضت في لبنان، يعد اختطاف أي جندي إسرائيلي كابوساً كبيراً. فغالباً ما يعمد الخاطفون إلى استخدام الجندي كورقة مساومة لاستخلاص تنازلات رئيسية من إسرائيل، مثل الإفراج عن سجناء فلسطينيين من السجون الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، خرج الجيش الإسرائيلي بما عرف باسم "بروتوكول هانيبال" الذي كان قد تم التوصل إليه خلال الهجوم الإسرائيلي على لبنان في ثمانينيات القرن الماضي، وهو يقضي بالسماح لقوات الدفاع الإسرائيلية باستخدام قوة نارية ضخمة لمنع اختطاف أي جندي في الدقائق أو الساعات التي تلي اختطافهم.
كان هذا الإجراء لا بأس به في لبنان، حيث كانت المناطق التي طبق فيها أراض مفتوحة وقليلة السكان. لكنه عندما جرى استخدام بروتوكول هانيبال يوم الأول من آب (أغسطس) في محاولة لإحباط عملية القبض على اللفتنانت غولدن، كانت المنطقة هي رفح –وهي واحدة من أكثر مناطق العالم اكتظاظاً بالسكان. وكانت النتائج كارثية.
 لم توجه القوات الإسرائيلية أي تحذيرات إلى الفلسطينيين، وإنما شرعت في تنفيذ أشرس حملة قصف في عملية الجرف الصامد كلها. وقصفت الطائرات رفح 40 مرة، مسقطة قنابل ضخمة على ضواحيها المدنية، بينما وجهت المدفعية أكثر من 1000 قذيفة إلى داخل المنطقة. وغزت الدبابات المنطقة مطلقة نيرانها في كل الاتجاهات، فيما دخلت الجرافات الثقيلة لتسوية عشرات المنازل بالأرض على رؤوس الناس الذين كانوا ما يزالون في داخلها.
أما الفلسطينيون الذين استطاعوا القفز إلى داخل السيارات للهرب من الجحيم، فقد تم إطلاق النار عليهم وهوجمت السيارات المدنية التي كانت تحاول الاقتراب من مستشفى رفح. واستمر الهجوم الكاسح ثلاث ساعات وأفضى إلى مقتل أكثر من 150 فلسطينياً. كما جرح مئات آخرون بعد دفنهم تحت الركام.
كان الكولونيل الذي نسق وهندس هذا الهجوم على رفح هو أوفر وينتر، قائد كتيبة جيفعاتي. وكان هذا الكولونيل، وهو مستوطن متدين، قد وجه رسالة إلى قواته عشية حرب غزة، مشفوعة بعبارات توراتية، وهو ما يفسر الشراسة التي هوجمت بها رفح.
كان ما دعا الكولونيل وينتر قواته إلى القيام به عمياً هو عملياً شن حرب دينية على غزة. وفيما يلي مقتطفات من رسالته:
"لقد اختارنا التاريخ لنكون الحافة الحادة للحربة في قتال العدو الإرهابي في غزة، الذي يلعن ويشهر ويسيء لإله المعارك التي تخوضها إسرائيل... سوف نمحو هذا العدو... مستخدمين كل الوسائل المتاحة تحت تصرفنا وبكل القوة المطلوبة... إنني أوجه عيني إلى السماء وأدعو معكم، إصغ إلي يا إسرائيل: إن الرب إلهنا هو رب واحد. رب إسرائيل، اجعل طريقنا ناجحاً ونحن بصدد القتال من أجل شعبك، إسرائيل، ضد عدو يشهر ويقدح باسمك".
وقد استطاع الكولونيل وينتر محو العديد من الفلسطينيين –لكنهم كانوا للأسف مدنيين غير مقاتلين. ولذلك، فإن أفعاله، بالإضافة إلى أعمال أولئك الذين يعملون تحت إمرته، يجب أن تخضع لتحقيق كامل من جانب الأمم المتحدة لمعرفة ما إذا كانت ترقى إلى درجة جرائم الحرب. وفي الأثناء، إننا لا يجب أن نسمح بأن يستخدم بروتوكول هانيبال بمثل هذه الطريقة مرة أخرى.
*نشر هذا المقال تحت عنوان: You might not have heard of the "Hannibal Protocol", but it is behind one of Israel's worst atrocities yet