هل يجوز الحديث عن إبادة جماعية في غزة؟

1706883708736141500
ناشطون يحملون صورًا لبايدين ونتنياهو وللأطفال المقتولين في احتجاج على الإبادة الجماعية للفلسطينيين في غزة - (المصدر)

نادراً ما تستخدم الصحافة الفرنسية والغربية مصطلح "الإبادة الجماعية" في إطار حديثها عما يجري في غزة.

 

وإذا ما فعلت، فإنها تضعه بين قوسي تحفظ لتشير إلى ما في استخدامه من مغالاة. لكن الرجوع إلى القانون الدولي لا يترك مجالاً للشك في صلاحية هذا التعبير وارتباطه الوثيق بالمجازر الجارية في غرة.

اضافة اعلان

 

وقد قدمت جنوب إفريقيا في 29 كانون الأول (ديسمبر) 2023 دعوى ضد إسرائيل أمام محكمة العدل الدولية في لاهاي بتهمة السعي إلى الإبادة الجماعية للشعب الفلسطيني في قطاع غزة.
*   *   *
منذ أن شنت إسرائيل حربها الأكثر وحشية على فلسطينيي غزة (على إثر هجوم حماس ضد الجنود والمدنيين الإسرائيليين في 7 تشرين الأول (أكتوبر)) 2023 (1)، تحول القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني في وسائل الإعلام وتصريحات المتحدثين باسم معظم الحكومات الغربية إلى مجرد وجهات نظر وآراء تبثها الشاشات ويخوض فيها أشخاص غير مختصين.

 

وقد نتج عن ذلك استخدام مصطلحات ومفاهيم ذات معان محددة كـ"جريمة حرب" أو "جريمة ضد الإنسانية" أو "تطهير عرقي" أو "إبادة جماعية" على نحو عشوائي، تارة لوصف حالات معينة، وغالباً لنفي أو رفض تطابقها مع الواقع في غزة.

 

وهذا ما يدعونا إلى التذكير بتعريفات هذه الجرائم ثم التحقق من إمكانية تطابقها مع وقائع الحرب الإسرائيلية في القطاع.


تحرك المنظمات الدولية

 


يقدم القانون الدولي والقانون الدولي الإنساني تعريفاً مفصلاً لجرائم الحرب. ويقسمانها إلى ثلاث فئات تغطي الانتهاكات كافة لاتفاقيات جنيف الموقع عليها في العام 1949، والقابلة للحدوث خلال العمليات الحربية، سواء كان ذلك في إطار الصراعات الدولية أو الصراعات المحلية والأهلية.


بالاعتماد على ذلك، تعتبر الأفعال الآتية جرائم حرب: أي قتل متعمد وأي استهداف للمدنيين بصفتهم هذه، أو أي اعتداء على ممتلكاتهم ومؤسساتهم الصحية والتعليمية والدينية، أو أي فعل يعرضهم للجوع ويمنع المساعدات الإنسانية عنهم، وأي هجوم واسع النطاق على المدن والبلدات من دون مبرر عسكري، أو أي سوء معاملة للأسرى والمحتجزين أو غير المقاتلين -أو حتى المقاتلين إذا ألقوا السلاح- أو أي نقل أو إبعاد ممنهج وقسري للسكان، أو أي اعتداء غير مبرر على مراكز أممية أو على ممثلين أمميين أو على منظمات حفظ السلام والمنظمات الإنسانية، وكذلك أي استخدام للأسلحة المحظورة دولياً.


وعليه، وبناءً على نص المادة 8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية، فقد أشار العديد من منظمات الدفاع عن حقوق الإنسان والمنظمات الإنسانية الدولية، مثل "منظمة العفو الدولية" و"هيومن رايتس ووتش" و"الفيدرالية الدولية لحقوق الإنسان" و"أطباء بلا حدود" و"أطباء العالم" و"وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين" في الشرق الأوسط و"منظمة الصحة العالمية"، إلى ارتكاب إسرائيل جرائم حرب في غزة، مطالبين بالتحقيق في هذه الأعمال.

 

وشملت الجرائم التي ارتُكبت استهداف عاملين في منظمات تابعة للأمم المتحدة مما أدى إلى مقتل العشرات منهم.


ومن جانبها، أعربت "اللجنة الدولية للصليب الأحمر" عن بالغ قلقها من الأفعال والإجراءات العسكرية الإسرائيلية المحظورة بموجب اتفاقيات جنيف والبروتوكولين الإضافيين، ويعد تصريحها نادراً، حيث أنها لا تصدر في العادة مواقف علنية من هذا النوع. ولعل ما يفسر تصريحها هذه المرة هو حجم الانتهاكات الإسرائيلية.


الجرائم ضد الإنسانية، بما فيها جريمة الفصل العنصري


 

يمكن للجرائم ضد الإنسانية أن ترتكب أثناء الأعمال الحربية أو خارجها، أي بمنأى عن ساحات القتال. وبالاستناد إلى المادة السابعة من نظام روما الأساسي، فهي تعرف على النحو الآتي:


(أ) القتل العمد،
(ب) الإعدام الجماعي،
(ج) الاسترقاق،
(د) تهجير السكان أو النقل القسري للسكان،
(هـ) السجن أو الحرمان الجسيم من الحرية البدنية بما يتنافى مع الأحكام الأساسية للقانون الدولي،
(و) التعذيب،
(ز) الاغتصاب أو الاستعباد الجنسي أو الإكراه على البغاء أو الحمل القسري أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي المماثلة،
(ح) اضطهاد أي جماعة محددة أو مجموعة محددة من السكان لأسباب سياسية أو عرقية أو قومية أو إثنية أو ثقافية أو دينية أو متعلقة بنوع الجنس، أو لأسباب أخرى من المسلم عالمياً بأن القانون الدولي لا يجيزها،
(ط) الاختفاء القسري للأشخاص،
(ي) جريمة الفصل العنصري،
(ك) الأفعال اللاإنسانية الأخرى ذات الطابع المماثل، التي تتسبب عمداً في معاناة شديدة أو في أذى خطير يلحق بالجسم أو بالصحة العقلية أو البدنية للمدنيين.


وبالاستناد إلى هذا التعريف، يمكننا الإشارة إلى وجود أدلة صريحة تؤيد القول بأن إسرائيل قد ارتكبت -وترتكب- جرائم ضد الإنسانية في الحرب الحالية على غزة، لا سيما فيما يتعلق بالاعتداء واسع النطاق أو الممنهج الذي يستهدف السكان المدنيين، عن سابق معرفة وتعمد، وبالأفعال اللاإنسانية "التي تسبب عمداً معاناة شديدة أو أذى خطيراً يلحق بالجسم أو الصحة العقلية أو البدنية للمدنيين"، وبالتهجير القسري للسكان.

 

ويسري الأمر نفسه على الضفة الغربية والقدس الشرقية لجهة ارتكاب إسرائيل فيهما جريمة الفصل العنصري (الأبارتايد).


الإبادة السياسية والحضرية والسكنية


بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية من جهة، وجرائم الإبادة الجماعية من جهة ثانية، أدخلت العلوم السياسية مصطلحات جديدة أُلحقت بجزئها الثاني عبارة "cide" ذات الأصل اللاتيني والتي تعني القتل، وقد نُقلت إلى العربية بتعبير "إبادة" -مثل "الإبادة السياسية" لترجمة politicide. ويشير هذا المصطلح إلى منهج إجرامي تنفذه الدولة -أو أي كيان يمتلك السلطة- ضد خصومها لإبادتهم سياسياً أو لإزالة مجالاتهم العامة والخاصة من الوجود.


على هذا الأساس تم في السبعينيات تبني مفهوم الإبادة السياسية (أو، حرفياً، "القتل السياسي") في إشارة إلى "إبادة" مجموعات من الأشخاص تجمعهم هوية سياسية مشتركة (من دون أن تكون لهذه الهوية صبغة إثنية أو عرقية بالضرورة).

 

ثم ما لبث هذا المفهوم أن تطور لاحقاً ليصف الأفعال التي تهدف إلى إزالة الشروط المادية التي يرتكز إليها وجود كيانٍ سياسي ما.

 

وقد استُخدم المصطلح، على سبيل المثال، لوصف السياسة الإسرائيلية تجاه الفلسطينيين عشية انتفاضتهم الثانية في العام 2000 وخلالها، عندما بدا أن إسرائيل كانت تهدف إلى إزالة شروط ومستلزمات قيام الكيانية الفلسطينية. وهذا بطبيعة الحال ما تقوم به إسرائيل تكراراً اليوم.


قبل سنوات عدة، انتشر استخدام تعبير "الإبادة الحضرية" urbicide لوصف حالات استُهدفت فيها المجالات الحضرية لتدميرها أو لجعلها غير قابلة للسكن والعيش على مدى سنين طويلة.

 

وقد اقتُرح استخدام هذا المصطلح لوصف الهجمات الروسية على مدينة غروزني في العام 2001 خلال الحرب الشيشانية الثانية، ثم لوصف الهجمات الإسرائيلية على أحد أحياء ضاحية بيروت الجنوبية في العام 2006 أثناء الحرب مع "حزب الله"، ثم خلال هجمات الجيش السوري وروسيا على حمص وأحياء حلب الشرقية في سورية بين الأعوام 2012 و2017، وأخيراً اليوم من جديد لوصف الحرب الإسرائيلية على غزة.


وحديثاً، استخدم بعض الباحثين تعبير "إبادة المساكن" domicide لوصف السياسة الإسرائيلية متعاظمة القسوة ضد الفلسطينيين، والمتجسدة في استهداف أماكن إقامتهم الخاصة أو الحميمة، بقصد حرمانهم من حياة مستقرة في فضاء محدد المعالم جغرافياً وعاطفياً، برموزه العامة والخاصة، وتحويل التهجير والعيش المؤقت إلى جزء لا يتجزأ من نمط حياتهم.


يقودنا كل ما سبق إلى الاقتراب تدريجياً من التطرق للسؤال الأكثر إثارة للجدل في الأوساط السياسية، والذي يتفادى طرحه قسم من القانونيين والأكاديميين -خشية تعرضهم للضغط أو الابتزاز. والسؤال هو: هل يمكن لتعريف الإبادة الجماعية بكل معانيه ومحمولاته، تاريخاً وذاكرةً، أن ينطبق على الأوضاع الراهنة في قطاع غزة؟


إثبات ارتكاب الجريمة عن عمد

 


تم تعريف جريمة "الإبادة الجماعية" في "الاتفاقية الأولى لمكافحة الإبادة الجماعية" التي تبنتها الجمعية العامة للأمم المتحدة في العام 1948، لتدخل حيز التنفيذ في العام 1951، ثم في عدد من النصوص الأممية وفي نظام روما الأساسي تحت المادة السادسة.

 

وينص التعريف على ما يلي:
تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال الآتية، المرتكبة بقصد التدمير الكلي، أو الجزئي لجماعة قومية، أو إثنية، أو عنصرية، أو دينية، بصفتها هذه:


(أ) قتل أعضاء من الجماعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو نفسي خطير بأعضاء من الجماعة.
(ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.


من ناحية أخرى، تؤكد "اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها" التي صادقت عليها 153 دولة، أن "الإبادة الجماعية قد تُرتكب ضد جزء من جماعة بصفتها هذه (بما في ذلك داخل منطقة جغرافية محددة)".


بالاستناد إلى ما تم توثيقه والإبلاغ عنه في قطاع غزة، وبالرجوع إلى اتساع مدى القصف التخريبي الموثق وإلى الاستهداف المباشر للفلسطينيين (بصفتهم هذه) في منطقة محددة عبر ممارسة القتل والحصار وأشكال التعذيب الجماعي الجسدي والنفسي والعقلي بحقهم، وتدمير شروط المعيشة عبر قطع المياه الجزئي أو الكلي والكهرباء والوقود ووسائل التواصل وتعطيل دخول المساعدات الإنسانية (الغذائية والطبية) الكلي أو الجزئي، وقصف المشافي وعربات الإسعاف، وموت المرضى والأطفال لعدم التمكن من إسعافهم، فقد أصبح من الممكن تسجيل العديد من العناصر التي تُبين أن إسرائيل تضع موضع التنفيذ عملية إبادة جماعية ضد الفلسطينيين في القطاع المحاصر.


تشير معطيات وزارة الصحة في غزة، الى أن القصف الإسرائيلي تسبب، حتى تاريخه، بقتل 18.205 فلسطينيين (بين 7 تشرين الأول (أكتوبر) و11 كانون الأول (ديسمبر) 2023)، بينهم 7.000 طفل و5.000 امرأة، بالإضافة الى فقدان أكثر من 7.000 شخص ممن قضوا تحت الانقاض أو انقطعت أخبارهم، فضلاً عن إصابة 49.000 ألف شخص بجروح مختلفة (من بينها بتر أعضاء). وبحسب تقديرات الحكومة في غزة، فقد دمرت القوات الإسرائيلية كلياً أو جزئياً أكثر من 60 في المائة من مساكن قطاع غزة، واستهدفت بالقصف 262 مسجداً وثلاث كنائس. كما قصفت 27 مستشفى و55 مؤسسة صحية، إضافة الى 55 سيارة إسعاف أخرجت معظمها من الخدمة.

 

وفي الوقت نفسه، أعلنت المنظمات الأممية والإنسانية عن سقوط أكثر من 100 قتيل بين عامل وطبيب وموظف في صفوفها نتيجة للقصف الإسرائيلي. كما تم تسجيل مقتل 86 صحفياً استُهدف الكثير منهم بالنيران الإسرائيلية المباشرة.


سوف يتطلب الجزم بحصول إبادة جماعية بصفتها هذه أيضاً إثبات شرط التعمد المسبق. وهنا يكمن عادةً جوهر الصعوبة، إذ غالباً ما يتعذر التحقق من البراهين التي تؤكد أن منفذي الأفعال المعنية قد أرادوا إهلاك جماعة (قومية، اثنية، عرقية أو دينية) كلياً أو جزئياً. ذلك أن أحكام القضاء تربط هذا التعمد بوجود خطة أو سياسة مبيتة، من قبل الدولة أو الكيان المعني.


يعتبر عددٌ من القانونيين أن التصريحات الرسمية الإسرائيلية والنداءات التي تحث صراحة على الانتقام الجماعي وعلى قتل الفلسطينيين -بصفتهم الفلسطينية- من جهة، وقرارات تشديد الحصار على غزة بوضع قوائم للمواد المحظور إدخالها، كما فعل وزير الدفاع الإسرائيلي يواف غالانت في 9 تشرين الأول (أكتوبر) 2023، وهو يدرك استحالة العيش من دونها (كالماء والكهرباء والوقود) من جهة ثانية، إضافة الى تنفيذ هذه القرارات من قبل الجيش الإسرائيلي، من شأنها أن تثبت إرادة الإبادة والمباشرة في تنفيذها.

 

ويمكننا أن نعثر أيضاً على وجود "نزعة إبادية" متكررة في خطابات حكومة بنيامين نتنياهو الرسمية، وعلى لسان بعض الوزراء ونواب الأغلبية -وهي خطابات مثبتة بالصوت والصورة ومدونة ومنشورة صحفياً- منها على سبيل المثال، الدعوة إلى "حرب ضد قوى الشر والبربرية"، ونزع البعد الإنساني عن الفلسطينيين ونعتهم بالحيوانات، والادعاء بعدم وجود مدنيين في القطاع، أو إعلان أنه لا وجود هناك سوى لـ"إرهابيي حماس" أو "متعاطفين مع إرهابيي حماس"، أو الدعوة الى استخدام أسلحة نووية ضد الغزيين إذا اقتضى الأمر، أو إلى ترحيل الناجين من الموت إلى مصر (وإلى دول أخرى)، أو هدم غزة وتحويلها إلى "ملعب كرة قدم كبير".


كان المؤرخ الإسرائيلي المتخصص في دراسات الهولوكوست، راز سيجيف، هو أول من أشار إلى أننا نواجه حالة دراسية نموذجية للإبادة الجماعية، بعد أن ذكر بوجود إرادة واضحة لاقتراف جريمة الإبادة لدى الطرف الإسرائيلي سبقت ورافقت "الإقدام على التنفيذ".(2)


كما استقال مدير مكتب "المفوضية العليا لحقوق الإنسان في الأمم المتحدة" في نيويورك، غريك مخيبر، من منصبه احتجاجاً على الصمت الدولي إزاء "حالة سافرة من الإبادة الجماعية في غزة".

 

وفي السياق ذاته، حذر تسعة خبراء أمميين في رسالة لهم من أن العنف العسكري الإسرائيلي ونوايا بعض المسؤولين في تل أبيب تشكل "تهديداً بالإبادة الجماعية للسكان الفلسطينيين". ومن جانبه، أكد المدعي العام في "المحكمة الجنائية الدولية" السابق، لويس مورينو أوكامبو، أن الجرائم التي ترتكبها إسرائيل قد تشكل حالة إبادة جماعية (3).


ونشر عشرات من الجامعيين الفلسطينيين والعرب، وكذلك الأفارقة والآسيويين والأميركيين والأوربيين، في الأسابيع الأخيرة مقالات ونصوصاً تعبر عن مواقف مشابهة. وطالب عدد منهم المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، كريم خان، بالتحقيق في الجرائم الاسرائيلية.

 

كما قدمت خمس دول (جنوب أفريقيا، بنغلاديش، بوليفيا، جزر القمر وجيبوتي) طلباً الى خان نفسه تطالب فيه المحكمة بـ"التحقيق في جرائم إبادة جماعية ممكنة تقترفها إسرائيل في غزة والأراضي الفلسطينية".

 

ولا بد أن نضيف هنا أن معظم الدول والمسؤولين السياسيين يحذرون من استخدام مصطلح "الإبادة الجماعية" كي لا يصبح ملزماً لهم، بموجب اتفاقية منع جريمة الإبادة التي وقعوا عليها، التحرك "للحيلولة دون وقوع الإبادة" أو "لإيقافها الفوري".

 

وهذا ما لا يدخل راهناً ضمن جدول أعمالهم.
ختاماً، بوسعنا الجزم بأنه لم يسبق لنزاع أن جمع مثل هذا الكم من الجرائم والانتهاكات والفظائع في رقعة جغرافية ضيقة لا تبلغ مساحتها أكثر من 360 كيلومتراً مربعاً وفي فترة وجيزة كهذه. وهو ما يشي بـ"الطابع الإبادي" لهذه الحرب، ويحض على التفكير ملياً وبعمق بما تنذر به الحروب المستقبلية من توحش ومن انتهاكات متمادية للقانون الدولي الإنساني.

 

والمفارقة أن هذا الإنذار الخطير يحدث في وقت ظننا فيه أن تقدم الأنظمة التشريعية الدولية وتزايد التحقيقات وتوثيقات الوقائع المرئية مباشرة من الميدان سيحدان من التوحش والانتهاكات. فإذا بالعكس يحصل في غزة.

*زياد ماجد: كاتب وباحث سياسي لبناني-فرنسي، أستاذ جامعي. من أحدث كتبه (بالفرنسية) "في رأس بشار الأسد" بمشاركة صبحي حديدي وفاروق مردم بيك، (دار آكت سود، 2018). ترجم المقال من الفرنسية خلدون جاويش حجة، مستشار مستقل سابق لمنظمة الأونسكو.
*   *   *

مراجع:

 


(1) سبق أن شنت إسرائيل أربع حروب على قطاع غزة منذ أن فرضت عليه الحصار العام 2007: في العامين 2008-2009، في العام 2012، في العام 2014، وفي العام 2021. أدت هذه الحروب الى مقتل أكثر من 4500 مدني فلسطيني.
(2) مقابلة سيجيف في برنامج "الديمقراطية الآن" Democracy Now.
(3) اعتبر أوكامبو في مقابلة مع صحيفة "إل باييس" الإسبانية في 23 تشرين الأول (أكتوبر) 2023 أن حرب إسرائيل منذ 8 تشرين الأول (أكتوبر) وعملية حماس في 7 تشرين الأول (أكتوبر) تحملان كلتاهما خصائص إبادية، لافتاً النظر في الوقت نفسه إلى أن إسرائيل حولت قطاع غزة منذ بدء حصاره قبل سنوات إلى أرض إبادة محتملة.
*   *   *

ملحق:

 


اتفاقية منع جريمة الإبادة الجماعية والمعاقبة عليها 


إن الأطراف المتعاقدة:
إذ ترى أن الجمعية العامة للأمم المتحدة، بقرارها 96 (د–1) المؤرخ في 11 كانون الأول (ديسمبر) 1946، قد أعلنت أن الإبادة الجماعية هي جريمة بمقتضى القانون الدولي، تتعارض مع روح الأمم المتحدة وأهدافها ويدينها العالم المتمدن.


وإذ تعترف بأن الإبادة الجماعية قد ألحقت، في جميع عصور التاريخ، خسائر جسيمة بالإنسانية، وإيماناً منها بأن تحرير البشرية من مثل هذه الآفة البغيضة يتطلب التعاون الدولي.


فإنها تتفق على ما يلي:

 


المادة الأولى
تصادق الأطراف المتعاقدة على الإبادة الجماعية، سواء ارتكبت في أيام السلم أو أثناء الحرب، هي جريمة بمقتضى القانون الدولي، وتتعهد بمنعها والمعاقبة عليها.


المادة الثانية

 
في هذه الاتفاقية، تعني الإبادة الجماعية أياً من الأفعال الآتية، المرتكبة على قصد التدمير الكلي أو الجزئي لجماعة قومية أو إثنية أو عنصرية أو دينية، بصفتها هذه:


(أ) قتل أعضاء من الجماعة.
(ب) إلحاق أذى جسدي أو روحي خطير بأعضاء من الجماعة.
(ج) إخضاع الجماعة، عمداً، لظروف معيشية يراد بها تدميرها المادي كلياً أو جزئياً.
(د) فرض تدابير تستهدف الحؤول دون إنجاب الأطفال داخل الجماعة.
(هـ) نقل أطفال من الجماعة، عنوة، إلى جماعة أخرى.


المادة الثالثة
يعاقب على الأفعال الآتية:
(أ) الإبادة الجماعية.
(ب) التآمر على ارتكاب الإبادة الجماعية.
(ج) التحريض المباشر والعلني على ارتكاب الإبادة الجماعية.
(د) محاولة ارتكاب الإبادة الجماعية.
(هـ) الاشتراك في الإبادة الجماعية.


المادة الرابعة
يعاقب مرتكبو الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة، سواء كانوا حكاماً دستوريين أو موظفين عامين أو أفراداً.


المادة الخامسة
يتعهد الأطراف المتعاقدون بأن يتخذوا، كل طبقاً لدستوره، التدابير التشريعية اللازمة لضمان إنفاذ أحكام هذه الاتفاقية، وعلى وجه الخصوص النص على عقوبات جنائية ناجعة تنزل بمرتكبي الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.


المادة السادسة
يتحاكم الأشخاص المتهمون بارتكاب الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة أمام محكمة مختصة من محاكم الدولة التي ارتكب الفعل على أرضها، أو أمام محكمة جزائية دو لية تكون ذات اختصاص إزاء من يكون من الأطراف المتعاقدة قد اعترف بولايتها.


المادة السابعة
لا تعتبر الإبادة الجماعية والأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة جرائم سياسية على صعيد تسليم المجرمين، وتتعهد الأطراف المتعاقدة في مثل هذه الحالات بتلبية طلب التسليم وفقاً لقوانينها ومعاهداتها النافذة المفعول.


المادة الثامنة
لأي من الأطراف المتعاقدة أن يطلب إلى أجهزة الأمم المتحدة المختصة أن تتخذ، طبقاً لميثاق الأمم المتحدة، ما تراه مناسباً من التدابير لمنع وقمع أفعال الإبادة الجماعية أو أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.


المادة التاسعة
تعرض على محكمة العدل الدولية، بناءً على طلب أي من الأطراف المتنازعة، النزاعات التي تنشأ بين الأطراف المتعاقدة بشأن تفسير أو تطبيق أو تنفيذ هذه الاتفاقية، بما في ذلك النزاعات المتصلة بمسئولية دولة ما عن إبادة جماعية أو عن أي من الأفعال الأخرى المذكورة في المادة الثالثة.


المادة العاشرة
تحمل هذه الاتفاقية، التي تتساوى في الحجية نصوصها بالأسبانية والإنكليزية والروسية والصينية والفرنسية، تاريخ 9 كانون الأول (ديسمبر) 1948.


المادة الحادية عشرة
تكون هذه الاتفاقية حتى 31 كانون الأول (ديسمبر) 1949، متاحة للتوقيع باسم أي دولة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وأي دولة غير عضو تكون الجمعية العامة قد وجهت إليها دعوة للتوقيع.
وهذه الاتفاقية واجبة التصديق، وتودع صكوك التصديق لدى الأمين العام للأمم المتحدة.


وبعد اليوم الأول من شهر كانون الثاني (يناير) 1950 يمكن الانضمام إلى هذه الاتفاقية باسم أي دولة عضو في الأمم المتحدة وأي دولة غير عضو تلقت الدعوة المشار إليها أعلاه.


تودع صكوك الانضمام لدى الأمين العام للأمم المتحدة.


المادة الثانية عشرة
لأي طرف متعاقد في أي حين، أن يجعل انطباق هذه الاتفاقية يشمل جميع الأقاليم التي يكون الطرف المتعاقد المذكور مسئولاً عن تسيير علاقاتها الخارجية، أو يشمل أياً من هذه الأقاليم، وذلك بإشعار يوجهه إلى الأمين العام للأمم المتحدة.


المادة الثالثة عشرة
في اليوم الذي يكون قد تم فيه إيداع صكوك التصديق أو الانضمام العشرين الأولى، يحرر الأمين العام محضراً بذلك ويرسل نسخة منه إلى كل دولة عضو في الأمم المتحدة وإلى كل من الدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة 11.


ويبدأ نفاذ هذه الاتفاقية في اليوم التسعين الذي يلي تاريخ إيداع الصك العشرين من صكوك التصديق والانضمام.


وأي تصديق أو انضمام يقع بعد اليوم المذكور يصبح نافذاً في اليوم التسعين الذي يلي تاريخ إيداع صك التصديق والانضمام.


المادة الرابعة عشرة
تكون هذه الاتفاقية نافذة المفعول لفترة عشر سنوات تبدأ من تاريخ بدء نفاذها.


وتظل بعد ذلك نافذة المفعول لفترات متعاقبة تمتد كل منها خمس سنوات إزاء الأطراف المتعاقدين الذين لا يكونون قد انسحبوا منها قبل انقضاء الفترة بستة أشهر على الأقل.
ويقع الانسحاب بإشعار خطي يوجه إلى الأمين العام للأمم المتحدة.


المادة الخامسة عشرة
إذا حدث، كنتيجة للانسحابات، أن هبط عدد الأطراف في هذه الاتفاقية إلى أقل من ستة عشر، ينقضي نفاذ مفعول هذه الاتفاقية ابتداءً من تاريخ بدء نفاذ آخر هذه الانسحابات.


المادة السادسة عشرة
لأي طرف متعاقد أن يتقدم في أي حين بطلب تنقيح هذه الاتفاقية، وذلك بإشعار خطي يوجهه إلى الأمين العام.


وتتولى الجمعية العامة البت في الخطوات التي قد يلزم اتخاذها بصدد مثل هذا الطلب.


المادة السابعة عشرة
يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بإبلاغ جميع الدول الأعضاء والدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة الحادية عشرة بما يلي:
(أ) التوقيعات والتصديقات والانضمامات المتلقاة طبقاً للمادة الحادية عشرة.
(ب‌) الإشعارات المتلقاة طبقاً للمادة الثانية عشرة.
(ج) تاريخ بدء نفاذ مفعول هذه الاتفاقية طبقاً للمادة الثالثة عشرة.
(د) الانسحابات المتلقاة طبقاً للمادة الرابعة عشرة.
(هـ) فسخ الاتفاقية طبقاً للمادة الخامسة عشرة.
(و) الإشعارات المتلقاة طبقاً للمادة السادسة عشرة.

 

المادة الثامنة عشرة

يودع أصل هذه الاتفاقية في محفوظات الأمم المتحدة.


وترسل نسخة مصدقة من هذه الاتفاقية إلى كل من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة وإلى كل من الدول غير الأعضاء المشار إليها في المادة الحادية عشرة.


المادة التاسعة عشرة
يقوم الأمين العام للأمم المتحدة بتسجيل هذه الاتفاقية في التاريخ الذي يبدأ نفاذها فيه.

 

اقرأ المزيد في ترجمات:

حتى أن الإبادة الجماعية لن يتم إيقافها‏