يجب مراجعة القوانين الأميركية المتعلقة بارتداء النقاب

منقبة -(أرشيفية)
منقبة -(أرشيفية)

باول مورين* – |(كرستيان سينس مونيتور) 31/3/2014

ترجمة: علاء الدين أبو زينة

في الفصل الدراسي الماضي، مررت بتجربة فريدة لم يسبق لي أن مررت بمثلها خلال ممارسة مهنتي كمعلم: درّست طالبة لم أستطع رؤية وجهها -سوى عينيها. والسبب؟ كانت من المملكة العربية السعودية، وكانت ترتدي النقاب، ذلك الحجاب الذي يغطي وجهها من جسر الأنف وما دون.اضافة اعلان
كان الصف مخصصاً لتدريس مساق في اللغة الإنجليزية لغير الناطقين بها، كلغة ثانية، وكانت سارة (ليس هذا اسمها الحقيقي) تدرس هناك برعاية برنامج المنح الدراسية السعودي السخي للدراسات الدولية. وقد نشأ هذا البرنامج بعد اجتماع عقد في العام 2005 بين ولي العهد السعودي الأمير عبد الله آنذاك (الملك حالياً) وبين الرئيس الأميركي السابق جورج بوش، بهدف إيجاد سبل لبناء تفاهم بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة بعد أحداث 11/9.
بعد ذلك، ازداد عدد الطلاب السعوديين في الولايات المتحدة كل عام منذ بدأ برنامج المنح الدراسية، وهناك اليوم نحو 70.000 سعودي يدرسون هنا. وبينما كان الذكور فقط هم الذين يستفيدون من البرنامج في البداية، أصبح ما يزيد على 20 في المائة من الطلاب السعوديين هنا من الإناث. وكانت العديد من النساء السعوديات اللواتي جئن قبل سارة وانتهى بهن المطاف في صفي قد تدبرن أمر التكيف مع محيطهن الأميركي عن طريق ارتداء وشاح يغطي الرأس. وهكذا، كانت سارة رائدة في نقابها.
في العام 2010، حظرت فرنسا ارتداء أغطية الوجه وسط خلاف كبير. وبعد ذلك بعام فعلت بلجيكا الشيء نفسه أيضاً. وفي شهر أيلول (سبتمبر) من العام الماضي، حظرت كلية برمنغهام المتروبوليتانية في إنجلترا ارتداء أغطية الوجه على طالباتها، لكنها سرعان ما تراجعت عن قرارها. وفعلت كلية ماساتشوستس للصيدلة والعلوم الصحية الشيء نفسه -حظرت، ثم تراجعت.
مع إمكانية أن يزداد عدد النساء اللواتي يرتدين النقاب في أميركا في السنوات المقبلة، ومع أخذ تجربة فرنسا بعين الاعتبار، حان الوقت لأن تضع الولايات المتحدة أفكارها -وقوانينها- قيد العمل فيما يتعلق بالنقاب والخمار. ومع تاريخها الطويل في ارتياد حدود واسعة من الحرية الشخصية والدينية، فإن الولايات المتحدة تظل مؤهلة بشكل خاص لوضع معيار حول كيفية دمج هذه الأشكال الإسلامية مفرطة التشدد من اللباس في مجتمع حر غير مسلم إلى حد كبير، بطريقة تحمي كلاً من الحريات المدنية والسلامة العامة. وفي الحقيقة، لدينا بعض الفرصة لنظهر للعالم كيف يمكن أن يتم ذلك.
للتوضيح: ليست القضية قضية أي نوع من الغطاء هو الذي يغطي الرأس، والذي هناك طرازات عدة منه، وإنما ذلك الذي يغطي الوجه والذي لا يوجد منه في الواقع سوى طرازين: النقاب والخمار (غطاء كامل للجسم، والذي يحجب العيون).
في فرنسا، تم تأسيس مبدأ الحظر بشكل شبه كامل على قاعدة أن مثل هذه الملابس تشكل ظلماً واضطهاداً للمرأة. وفي المقابل، قال المعارضون للحظر إن حرمان المرأة من الحق في ارتداء أي قطعة من الملابس أمر ظالم هو نفسه.
يمكن للولايات المتحدة أن ترفض منطق فرنسا في تسويغ القانون تقريباً، ببساطة لأنه لا بد من الاعتراف بأن بعض النساء على الأقل يرتدين هذه الملابس من مبعث الاختيار الشخصي، وليس بسبب ضغوط عائلية. ولن تكون أميركا أي شيء إن لم تكن حول فكرة الاختيار الشخصي.
الشيء الذي كان مفقوداً عموماً في النقاش الوطني الفرنسي الساخن كان قضية الأمن العام. وأعتقد أن هذه هي المسألة الوحيدة التي يمكن أن تنخرط أميركا بها في هذا الشأن بطريقة عقلانية. ويبدو لي أن بوسع المدينة والولاية، والحكومة الاتحادية أن تتعامل مع مسألة الأمن بشكل كاف من دون أن تستهدف الملابس الإسلامية حصراً، مثل النقاب والخمار.
هناك إحدى عشرة ولاية ومقاطعة في كولومبيا، والتي تحظر قوانينها أغطية الوجه مسبقاً، إما مباشرة أو تحت ظروف معينة. ولكن هذه القوانين تبقى مجموعة متنافرة طويلة الكلمات، وإنما قاصرة المعنى، وغير مهيأة لتوفير الأمن الفعلي بنزاهة في العالم الحديث.
هناك ثلاثة قوانين تستثني المحتفلين بكرنفال ماردي غراس من الحظر، كما يتجاوز أحدها أيضاً عن "فرق المنشدين". وقد أضافت إحدى الولايات إلى حظرها أي "لباس غير طبيعي". وهناك ولايتان فقط منحتا إعفاءات للأزياء المتعلقة بالمعتقدات الدينية. لكن سارة كانت من الناحية الفنية تنتهك قانون ولاية كارولينا الشمالية في كل مرة تخرج فيها من شقتها وهي ترتدي نقابها.
هذه القوانين في حاجة إلى إعادة نظر.
تحتاج الحكومات الأميركية إلى أن تسأل عما يشكل تهديداً أمنياً حقاً وبشكل أصيل، وأن تقوم بدراسة الحالات بعناية على أساس كل حالة على حدة، وأن تضع لائحة طويلة من السوابق التاريخية لتحقيق التوازن بين الحرية الدينية وبين الاحتياجات المجتمعية.
أعترف أنني فقدت التوازن قليلاً عندما دخلت سارة إلى صفي في اليوم الأول. هل ستتكلم؟ هل تتوقع أن تتلقى معاملة خاصة؟ هل يمكن لي أن أقوم بتصحيح نطقها من دون رؤية فمها؟ لكن إحساسي بفقدان التوازن لم يستغرق أكثر من بضع دقائق. على مدار الفصل الدراسي، لاحظت تأثيراً واحداً فقط لنقاب سارة على تفاعلاتنا: لم أتمكن أبداً من قياس كم بدت لها نكاتي مضحكة.
كمدرس، لم أنزعج كثيراً من وجه سارة المخفي. لكنني لو كنت صراف البنك، فإنني ربما كنت سأنزعج. على مدى السنوات القليلة الماضية، جرت في الولايات المتحدة حفنة من عمليات السطو على البنوك نفذتها عصابات "لصوص البرقع والخمار" -وهناك الآن حفنة من البنوك التي تطلب إزالة أي أغطية للوجه قبل الدخول. ويبدو هذا الأمر معقولاً تماماً.
لكن ما لا يبدو معقولاً هو فرض أي حظر عابر للحدود، والذي يكون فيه النقاب أو الخمار على وجه التحديد هما الأمر الموضوع في الاعتبار. إن أميركا تقبل فعلياً بارتداء قطع ملابس مألوفة أخرى في الأماكن العامة، والتي تحجب هوية الشخص على نحو مماثل. ولكن، كم منا يشعرون بالتهديد أمام راكب في حافلة يرتدي قناعاً جراحياً في محاولة لمنع انتشار عدوى؟ ماذا عن مشجعي كرة القدم الذين يرتدون أقنعة التزلج في استاد مزدحم في ليلة تشرينية باردة؟ أو ماذا عن غريب يسير في شارع شتائي وقد لف وشاحاً صوفياً يغطي به وجهه/ أو وجهها؟
إننا لا نشعر بالتهديد من هؤلاء، لأنهم لا يشكلون تهديدات. ولا سارة تشكل تهديداً أيضاً. إنني أكره أن أرى نساء شابات سعوديات أخريات، كادحات وذكيات مثلها، يقررن عدم توسيع آفاقهن –أو آفاقنا نحن- كما فعلت، و(بالمناسبة أيضاً) -أن نشهد حرياتنا وهي تصادر، ببساطة لأننا لا يمكن أن نعتاد على رؤية قطعة معينة من الملابس.

*معلم ومالك "أولد هابر برس".
*نشر هذا المقال تحت عنوان: Beyond burqa bans: US must update laws on face veils

[email protected]

alaeddin1963@