أزمة اللاجئين.. أوروبا تغرق

يديعوت أحرونوت

الداد باك

  "نحن نسير نحو الفوضى". هذا التصريح الذي أطلقه قبل بضعة ايام وزير خارجية لوكسمبورغ جان اسنبورن، ليس تحذيرا بل وصفا دقيقا لوضع الاتحاد الاوروبي هذه الأيام. فأزمة اللاجئين، التي أصبحت أزمة لا يمكن التحكم بها لهجرة جماعية غير قانونية، وتهديدا وجوديا على الاتحاد.اضافة اعلان
  الأمل في العواصم الاوروبية في أن تقلص حالة الطقس القاسية في أشهر الشتاء كمية الذين يصلون الى شواطئ القارة بشكل يسمح لدول الاتحاد بوضع سياسة واضحة للتصدي للمشكلة – تبدد. فعدد الذين وصلوا الى اليونان في الاسابيع الاولى من العام 2016 فاق الأرقام القياسية التي سجلت في العام الماضي.
 لقد كان يفترض بتركيا أن تشدد الرقابة على حدودها البحرية، لمنع عبور اللاجئين والمهاجرين من أراضيها الى اليونان، مقابل مساعدة اقتصادية سخية من الاتحاد الاوروبي. ولكن الاتحاد وجد صعوبة في تجنيد الاموال التي وعدت بها أنقرة، ولم يكن للحكومة التركية الاسلامية على أي حال نوايا حقيقية لوقف اغراق الاتحاد الاوروبي بطوفان بشري. وسيسعى اردوغان الى استغلال الأزمة لإنزال الاتحاد على ركبتيه بحيث يكون ملزما بقبول املاءات مختلفة، مثل ضم تركيا الى صفوفه بشروط مريحة.
اليونان غير قادرة على معالجة الجموع التي تصل الى جزرها من تركيا. ففي ذروة الازمة الاقتصادية اليونانية في الصيف الماضي، بدأت أنهار اللاجئين والمهاجرين غير القانونيين بترك اليونان سيرا على الاقدام والانتقال عبر دول البلقان المجاورة – غير الاعضاء في الاتحاد الاوروبي – الى "بلاد الميعاد" (المانيا، النمسا والدول الاسكندنافية). ولكن دول وسط اوروبا السلوفانية غير مستعدة وغير قادرة على استيعاب هذه التيارات التي لا تتوقف.
النمسا، التي مثلها مثل المانيا فتحت في الصيف حدودها، غيرت الاتجاه دفعة واحدة: ففي الاسبوع الماضي اجتمع في فيينا، بدعوة من الحكومة النمساوية مندوبو دول البلقان في بحث عاجل على اغلاق الحدود في وجه الحركة الحرة من جهة اليونان. وغاب عن اللقاء مندوبو حكومة اليونان والاتحاد الاوروبي، الذين لم يدعوا. وكانت ردود الفعل على الخطوة النمساوية حادة للغاية: فقد اتهمت اليونان فيينا بسلوك "يذكر بالقرن التاسع عشر" (في حينه كانت النمسا امبراطورية أدارت وسط اوروبا)، اعادت سفيرها من النمسا والغت زيارة وزير الداخلية النمساوي إلى أثينا.
 واتهم ديمتريس ابرموفولس، المأمور الاوروبي للهجرة، الشؤون الداخلية والمواطنة، والذي هو ايضا سياسي يوناني محافظ – اتهم النمسا بانتهاك التزاماتها تجاه القانون الاوروبي والدولي، وحذر من انهيار منظومة استيعاب الهجرة الاوروبية. واوضحت حكومة اليونان بانه اذا ابقت باقي دول الاتحاد الاوروبي حدودها مفتوحة امام اللاجئين، فانها ستستخدم حقها في الفيتو لمنع قرارات اوروبية عامة، بما في ذلك القرار الاخير الذي سمح ببقاء بريطانيا في الاتحاد.
 والنمسا ليست الدولة الوحيدة التي تتخذ خطوات من جانب واحد لوقف حركة اللاجئين والمهاجرين الى نطاقها. فقائمة دول الاتحاد التي انتهجت من جديد الرقابة على حدودها آخذ في الازدياد. "اتفاق شينغن" الذي ضمن حركة حرة للاشخاص بين معظم دول الاتحاد وكان واحدا من رموزه الاولى، يوشك على الالغاء بحكم الامر الواقع. فاغلاق الحدود بين دول الاتحاد حتى لو كان مؤقتا ستكون له آثار اقتصادية قاسية تقدر كلفتها بـ 100 مليار يورو. فالتجارة بين دول الاتحاد ستتقلص بنحو 20 في المائة. وذلك في فترة يتصدى فيها الاتحاد لمصاعب اقتصادية جوهرية للغاية.
 اذا كان الاتحاد يرغب في مواصلة البقاء فانه ملزم بان يعترف بقيوده. فالتطلع لان يصبح قوة عظمى، يستوعب دول وسط وشرق اوروبا، يقيم منظومة نقدية موحدة ويصبح مجتمعا متعدد الثقافات، اثبت نفسه كوهم. فمواطنو دول الاتحاد فقدوا الثقة بزعمائهم، وعدم رضاهم يهدد بالانفجار كالبركان. واصبح العنف منذ زمن بعيد واقعا يوميا في اجزاء مختلفة في الاتحاد – عنف اللاجئين والمهاجرين، العنف ضدهم، العنف ضد اجهزة السلطة وحفظ النظام. المزيد فالمزيد من سكان اوروبا يشعرون بانهم يتعرضون للخيانة وهم عديمو الامان الشخصي ويأخذون القانون في ايديهم. مثل هذا الوضع يستدعي خطوات كاسحة، لا تنسجم مع البادرات الطيبة الانسانية. اوروبا لا يمكنها ولا ينبغي لها أن تستوعب كل لاجئي العالم ومهاجريه.